الدكتورة منى فيّاض
١١ آذار ٢٠٢٦
أستاذة محاضرة، كاتبة وناشطة
قراءة سوسيولوجية لتحول المجتمع الشيعي
صعود حزب الله، من الوعي الجمعي إلى البنية الرمزية
لا يمكن فهم العلاقة المعقدة بين جزء من المجتمع الشيعي في لبنان وبين حزب الله من خلال التحليل السياسي التقليدي وحده. فهذه العلاقة تتجاوز الحسابات الاستراتيجية أو المصالح الآنية، لتدخل في نطاق أعمق يتعلق بالبنى الثقافية والرمزية التي تشكل وعي الجماعات وسلوكها.
هنا يصبح من المفيد الاستعانة بأدوات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، خصوصاً ما قدمه إميل دوركهايم حول العقل الجمعي، وكلود ليفي-شتراوس حول البنى الثقافية العميقة التي تنظّم إدراك المجتمعات للعالم.
العقل الجمعي والطاعة في زمن الخوف
يرى دوركهايم أن كل مجتمع ينتج منظومة من القيم والمعتقدات المشتركة التي تُعرف بالعقل الجمعي. هذه المنظومة لا تحدد فقط ما يعتبره المجتمع صحيحاً أو خاطئاً، بل تمارس أيضاً قوة ضغط أخلاقية على الأفراد تدفعهم إلى الامتثال لما تعتبره الجماعة ضرورياً لبقائها.
في أوقات الأزمات الوجودية أو الحروب، يميل العقل الجمعي إلى التشدد والانغلاق. فالمجتمعات التي تشعر بأنها مهددة تبحث عن رموز قوية قادرة على تنظيم خوفها الجماعي وتحويله إلى شعور بالتماسك. في هذه اللحظات تظهر التنظيمات العقائدية بوصفها حاملة للهوية الجماعية، لا مجرد فاعل سياسي.
في هذا السياق يمكن فهم صعود حزب الله. فقد نجح الحزب في تقديم نفسه ليس فقط كتنظيم سياسي أو عسكري، بل كجسد رمزي يجسد كرامة جماعية مهددة. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الرمزية جزءاً من العقل الجمعي في البيئة التي نشأ فيها.
هكذا يصبح الاعتراض على الحزب في نظر كثيرين اعتراضاً على الجماعة نفسها، وليس مجرد نقد لقرار سياسي.
لكن دوركهايم يذكّرنا أيضاً بأن العقل الجمعي يمكن أن يتحول إلى قوة محافظة تقاوم المراجعة النقدية، خصوصًا عندما ترتبط القيم الجماعية بمؤسسات قوية أو مقدسة. عندها يصبح النقاش حول الخيارات السياسية والعسكرية شبه مستحيل، لأن المسألة تتحول من نقاش سياسي إلى مسألة هوية.
من تعددية جبل عامل إلى مركزية المقاومة
لفهم هذا التحول بشكل أعمق، من الضروري العودة إلى التاريخ الاجتماعي لمنطقة جبل عامل في جنوب لبنان. فقبل العقود الأخيرة من القرن العشرين، لم يكن المجتمع الشيعي في هذه المنطقة مجتمعاً أحادي البنية أو محكوماً بسردية سياسية واحدة.
بل كان فضاءً اجتماعياً متعدد المرجعيات: علماء دين مستقلون، شبكات عائلية واسعة، تقاليد تعليمية، وهجرة نشطة نحو أفريقيا والأميركيتين أسهمت في خلق ثقافة اجتماعية منفتحة نسبياً.
في تلك المرحلة، كان الانتماء الديني عنصراً مهماً في الهوية، لكنه لم يكن الإطار الوحيد الذي يحدد علاقة الفرد بالعالم. فقد عرفت الثقافة العاملية تاريخياً إنتاجاً علمياً وفكرياً لافتاً، وبرز منها علماء ومفكرون لعبوا أدواراً مؤثرة في الحياة الدينية والثقافية في المنطقة.
غير أن الحرب الأهلية اللبنانية وما رافقها من احتلالات وصراعات مسلحة أعادت تشكيل هذا النسيج الاجتماعي. في هذا السياق المضطرب ظهر حزب الله بوصفه فاعلًا قادراً على تنظيم الخوف الجماعي وتحويله إلى مشروع سياسي وعسكري متماسك.
تدريجياً، بدأت الهوية السياسية للجماعة تُعاد صياغتها حول فكرة مركزية واحدة: المقاومة.
البنية الرمزية للهوية
يساعدنا تحليل ليفي-شتراوس البنيوي على فهم هذا التحول الثقافي. فالثقافات، بحسب رؤيته، لا تعمل عبر أفكار منفصلة، بل عبر بنى رمزية عميقة تنظّم إدراك المجتمع للعالم.
هذه البنى غالباً ما تقوم على ثنائيات أساسية مثل:
الداخل والخارج، الحماية والتهديد، الجماعة والعدو.
في تجربة حزب الله أعيد تنظيم الهوية الجماعية حول ثنائية واضحة: المقاومة في مقابل العدو.
هذه البنية الرمزية لا تعمل فقط في الخطاب السياسي، بل تتحول إلى إطار يفسر المجتمع من خلاله الأحداث اليومية. فالخسائر يمكن أن تُقرأ كتضحيات ضرورية، والأزمات كاختبارات للصمود، والانتقادات الداخلية كجزء من مؤامرة خارجية.
بهذه الطريقة يعاد تفسير الواقع باستمرار بطريقة تحافظ على تماسك السردية الأساسية.
لكن هذه البنية تحمل في داخلها أيضاً خطر الانغلاق. فعندما يُختزل العالم كله في ثنائية المقاومة والعدو، تضيق القدرة على رؤية التعقيدات السياسية والاجتماعية الأوسع.
من حركة مقاومة إلى بنية سلطة اجتماعية
مع مرور الوقت لم يبق حزب الله مجرد تنظيم عسكري أو حركة مقاومة، بل تحول إلى بنية سلطة اجتماعية متكاملة داخل البيئة الشيعية.
فالحزب أسس شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية والإعلامية والخدمات الاجتماعية، إضافة إلى منظومة اقتصادية وخيرية واسعة. هذه الشبكة خلقت علاقة عضوية بين الحزب والمجتمع، بحيث أصبح حضوره جزءًا من الحياة اليومية لكثير من الناس.
بهذا المعنى لم يعد الحزب مجرد قوة سياسية يمكن دعمها أو معارضتها، بل أصبح إطاراً اجتماعياً ينظم مجالات متعددة من حياة المجتمع.
هذا التحول عزز قدرته على ترسيخ البنية الرمزية التي يقوم عليها خطابه. لكنه في الوقت نفسه عمّق التداخل بين الهوية الجماعية والتنظيم السياسي، ما جعل أي نقد للحزب يبدو وكأنه تهديد للجماعة نفسها.
غير أن هذه القراءة السوسيولوجية لا تعني إعفاء الحزب من المسؤولية السياسية والأخلاقية. فالتنظيم الذي يضع نفسه في موقع الممثل الحصري لجماعة ما يتحمل أيضاً مسؤولية الكلفة التي تدفعها هذه الجماعة نتيجة خياراته.
وعندما تؤدي هذه الخيارات إلى حروب متكررة، أو إلى تهجير السكان، أو إلى تعريض المجتمع لمخاطر دائمة، يصبح من المشروع طرح سؤال أساسي: هل ما زالت هذه الاستراتيجية تحمي المجتمع، أم أنها أصبحت جزءاً من الأزمة التي يعيشها؟
لحظة المراجعة
التاريخ الاجتماعي يبيّن أن المجتمعات لا تبقى أسيرة بناها الرمزية إلى الأبد. فعندما تتراكم التناقضات بين الخطاب والواقع، يبدأ العقل الجمعي نفسه بالتغير.
هذه العملية بطيئة وغالباً غير مرئية في بدايتها، لكنها تشكل نقطة التحول الحقيقية في تاريخ الجماعات.
قد يكون ما يمر به لبنان اليوم أحد هذه المنعطفات. فالإرهاق الاجتماعي والانهيار الاقتصادي والتهجير الواسع كلها عوامل تدفع الناس إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الهوية والسلاح، وبين الحماية الموعودة والكلفة الفعلية.
إن السؤال الذي يواجه المجتمع اللبناني اليوم ليس فقط سؤال الأمن أو السياسة، بل سؤال أعمق: كيف يمكن إعادة تعريف الكرامة والحماية خارج منطق الحرب الدائمة.
فالمجتمع الذي يُطلب منه التضحية بلا نهاية قد يبدأ، في لحظة ما، بالبحث عن شكل آخر من أشكال الأمان، شكل يقوم على الدولة والقانون، لا على السلاح والولاء.
