
بقلم : الدكتور جورج شبلي
٦ شباط ٢٠٢٦
المنطق يعاني كثيرًا
المنطق كلمة اشتُقَّت من فعل ” نَطَقَ ” أي تَكلَّم، ثمّ توسَّع مفهومُها ليشمل ما وراء الكلام من عمليّة عقليّة. وقد عرَّف القدماء المنطق بأنّه آلةٌ تعصمُ الذّهنَ عن الخطأ، بمعنى أنّه وسيلة معياريّة مأمونة تستندُ الى قواعد للوصول الى التّفكير السّليم. ولمّا كان الإنسان مُعرَّضًا للخطأ والصّواب، بحيثُ يمكنُه أن يهتدي، في تفكيره، الى نتائج صحيحة، كما يمكنه أن يصلَ الى نتائج خاطئة، كان لا بدَّ من احتياجِه الى أُصول وقوانين تٌهيِّئُ له التّفكير الصّحيح.
إنّ ما دفعنا الى معالجة موضوع المنطق، تحديدًا، هو الواقعُ المِسخُ الذي ينضحُ من استرسال كثيرين من المتعاطين بالشّأن العام، والإعلام، والذين يشوِّهون بتحديداتهم التّعريف العقليّ للمنطق. فهم، في ظهوراتهم وخطاباتهم، يستخدمون ميزانًا همايونيًّا يقيسون، على أساسه، ما هو صحيح، وما يحيد عن محجّة الصّواب. وإذا جمَعنا التّحديدات على قَدر ما تصدرُ عن هؤلاء ” الفلاسفة “، نستنتجُ بالقَول : أين من هؤلاءِ المَلافنة، أرسطو أبو المنطق، ومَنْ تلاهُ من مُعلِّمي الفكر والحكمة على مدى الأزمنة.
والغريب، في هذا المجال، أنّ تمادي الجهابذة في رَصف الكلام، لم يتلقَّ تنبيهًا الى ما فيه من زوغان يُبعدُه عن حقيقة المنطق، كَعِلم، ما أدّى الى نتيجةٍ وخيمة هي أنّ المُفَوَّهين كانوا يصدّقون ما يقولون، والأنكى أنّهم كانوا يسعَون الى دَفع النّاس لتصديقهم، والإقرار بصوابيّة كلامهم، لأنهم الويحدون الذين يملكون الحقيقة رَحِمَها الله والوطن !!!
إنّ دربَ الصَّواب مع هؤلاءِ ” السفسطائيّين ” الجُدُد، كثيرُ الحُفَر، فما هم سوى نوائب ومصائب ينفضُ المنطقُ منها يَدَيه، لكثرة تداعياتها البَلائيّة، وإرثِها الخَدّاع المُمَوَّل بشعاراتٍ زائفة. إنّهم الخَلطة الفاسدة من أهلِ الكَهف، والتي جعلَت البلاد، عندما تربّعوا على رِقابِ شعبِها المسكين، في حالةِ سيولةٍ عموميّة متهالِكة، قلَّصَت مساحةَ ثقةِ الدّاخلِ والخارج بوجودِ مَخرجٍ من واقعِ الفساد، والسّرقات، والسّمسرات، والاستيلاءِ على المراكز لاقترافِ أبشع الموبقات بحقِّ البلاد والعِباد.
لقد عامَ هؤلاء ” الطّوباويّون ” فوق ثرواتٍ من مشاريع مشبوهة امتصَّت تَعَبَ النّاس، ما سبَّب سقطةً تراجيديّة للدولة، وهي ليسَت سقطة جَبريّة، أو من صُنعِ الغامض، بل لها مسبِّبات خلخلَت الكيان الاجتماعي والاقتصادي، ولها ” أبطال ” ختموا، بفِعلهم التّدميري، أيَّ رجاءٍ لنهوضِ البلد من أخطبوطيّة الفوضى، والخراب، والفساد … وما هؤلاءِ ” الأبطال ” إلّا كغُرابٍ ينتشي فوقَ جيفةِ وطن.
إنّ أشنَعَ ما يأتيه هؤلاءِ ” الأفاضل “، في ظهوراتِهم الاستعراضيّة، أنّهم يبدون مُقَنَّعين بالعفّة، ومُعتَصِمين بشَملةِ الأخلاق، وما هم، في حقيقتِهم المُوَثَّقة، سوى بهلوانيّين يُحيطُ الالتباسُ بكلِّ ما يقولون. وما يقولون هو تفكيرٌ مُتَزَعزِع، مُعوَجّ، وهو تَمادٍ موصوف في استغباء الشّعب، ما يؤكّدُ على انفصالِهم عن المنطق السّليم، وعلى انفصامٍ أوعدمِ اتّزانٍ يرسِّخُ حالةَ طلاقٍ مع العمل العقلي، ومع الحقيقة بالذّات.
إنّ المنطقَ هو الضمانة الحقيقية القادرة على إغلاقِ المنافِذِ التي تطلُّ منها لحظاتُ الكَذب، حيثُ الحجَجُ السفسطائيّة، والشّعارات المُنهارة، واللّغة الخشبيّة التي تتسلَّلُ الى الواجهة. فالشّعبُ، كلُّ الشّعب، أُصيبَ بالقَرَف، وهو تائقٌ الى تحرير نفسِه من مخلَّفاتِ أشباهِ الرِّجال…
