
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
٢١ آذار ٢٠٢٦
قراءةٌ في خطابِ مجتبى خامنئي:
إعلانُ توريثٍ مغطّى بخطابٍ دينيٍّ وتصعيدٌ خطير
المرشدُ الأعلى الإيرانيُّ الجديدُ مُجتبى خامنئي، إذا كانَ على قيدِ الحياة، خاطبَ الشعبَ الإيرانيّ، والأذرعَ على حدٍّ سواء، في رسالةِ عيد النوروز، (وهنا نناقشُ خطابَهُ، أو خطابَ من أعدّه من الحرسِ الثوريّ) فأنزلَ نفسه من علٍ كـ “نور من نور” (في هذه الاستعارة من قانون الإيمان الكاثوليكي، والتي كتبها حزب الله على صور علي خامنئي وابنه الذي يرثه اليوم)، فلم يأتِ كخطابِ قيادةٍ إلى شعبٍ يُعاني من الحرب، بل كبيانِ فرضِ أمرٍ واقع. هوَ خطابٌ يلبسُ عباءةَ الدين ليخفي حقيقةً سياسيّةً فاقعة: انتقال السلطةِ داخلَ العائلة، في نظامٍ يدّعي أنه ثوريٌّ وجمهوريّ.
منذُ اللحظةِ الأولى، يتّكئُ الخطابُ على لغةٍ غيبيّةٍ كثيفة، وكأنَّ الشرعيّةَ لا تُستمدُّ من الناسِ ولا من مؤسساتٍ حقيقيّة، بل من السماء. هذهِ ليست تعبيراً عن قوة، بل علامةَ ضعف، فالسلطةُ التي تحتاجُ إلى كلِّ هذا الإسنادِ المقدّسِ لتبريرِ نفسِها، تعاني من أزمةِ ثقةٍ عميقةٍ في الأرض.
توريثٌ لا يجرؤُ على قولِ اسمه
كلُّ محاولاتِ التجميلِ لا تغيّرُ الحقيقة:
إبنُ علي خامنئي يجلسُ في موقعِِ والدِه، سواءَ مرَّ ذلكَ عبرَ مجلسِ خبراءِ القيادةِ أو عبرَ أيِّ غطاءٍ شكليّ، فالنتيجةُ واحدة:
هذا نظامٌ يهاجمُ الملكيّات، وينتهي إلى مُحاكاةِ أسوأ أشكالِها.
الخطابُ لا ينجحُ في نفيِ هذهِ الشُبهة، بل يرسّخُها، لأنّهُ يتجاهلُها تماماً بدلَ مواجهتِها.
شعبٌ يُستَخدم… لا يُحكَم باسمه
يتغنّى الخطابُ بالشعب، ويمنحُهُ دورَ “القائدِ الحقيقيّ”. لكن هذا الادعاءَ يكادُ يكونُ ساخراً:
- هل يقرّرُ الشعبُ السياسات؟
- هل يختارُ قيادتَهُ بحُريّة؟
- هل يُحاسبُ السلطة؟
الجوابُ معروف.
الشعبُ في هذا الخطاب ليس شريكاً، بل وقودَ تعبئة: يُستدعى في الحرب، ويُغيّبُ في القرار.
الهروبُ إلى الحرب بدلَ مواجهةِ الانهيار
على وقعِ الانهيارِ الاقتصاديِّ خرجَ الشعبُ الإيرانيُّ إلى الشارعِ قبلَ هذهِ الحرب يطلبُ “الموت للديكتاتور”، ويواجهُ أعنفَ سلطةٍ ديكتاتوريّة، فقتلَ الباسيجُ ما يزيد على الثلاثين ألفاً من المتظاهرين، والإعداماتُ مُستمرّةٌ حتى خلالَ الحرب، ويأتي هذا الخطاب، وتحتَ ضرباتِ إسرائيلَ والولاياتِ المتحدةِ المُدمّرة، لا ليعترفَ بالواقعِ المرير، حيثُ الاقتصادُ يترنّحُ لأنّ الإنفاقَ أولويّتُهُ التسلح، فلا اقتصاد، ولا إصلاح، ولا رؤيا يقدمها للشعبِ المقهورِ والمعاني، في بلدٍ يرزحُ تحت العقوباتِ والتضخم، فيختارُ الخطابُ القفزَ إلى الأمامِ عبرَ التصعيد:
- تهديدٌ بإغلاقِ مضيقِ هرمز!
- حديثٌ عن جبهاتٍ جديدةٍ، ودعمٌ لجنونِ الأذرع!
- ووعدٌ بانتقامٍ مفتوح!
هذا ليس استعراض قوة، بل هروبٌ من الأزماتِ الداخليّةِ نحوَ الخارج، وهذا ما تفعلهُ الدولُ المأزومةُ غالباً، إذ تُصدّر أزماتِها.
سياسةٌ قائمةٌ على التناقض، وخطابٌ يقولُ لدولِ الجوار: “نريدُ الصداقة” ثم يضيف: “سنقصفُ القواعدَ على أراضيكم”، وللأذرع: هُبّوا لنُصرةِ الوليِّ الفقيه، هدِّدوا دولَكُ وشعوبَها، واستجلِبوا الحروب، باسمِ الإيديولوجيّةِ الغيبيّةِ التي وضعت الشيعةَ في المشرقِ في أزمةِ عقل!
لغةُ فرضٍ وإكراه، ودبلوماسيّةٌ بتقيّةٍ ساذجةٍ تهينُ ذكاءَ الشعوب، وتضعُ إيرانَ في مواجهةٍ مفتوحةٍ مع محيطِها بدلَ بناءِ نفوذٍ مستقر.
عبءُ الأب… وفخُّ الأسطورة
عندما يُقدَّمُ علي خامنئي كشخصيّةٍ شبه معصومة، فإنَّ ذلك لا يرفعُ من شأنِ الخلف، بل يخنُقُه.
فالمقارنةُ هنا ليست سياسيّة، بل إيديولوجيّة، وأسطوريّة، بل خُرافيّة… وهيَ مقارنةٌ خاسرةٌ سلفاً.
أخطرُ ما في الخطاب: عقليّةُ الثأر
الإصرارُ على أنَّ “ملفَّ الانتقامِ سيبقى مفتوحاً” يعني شيئاً واحداً:
لا نهايةَ للصراع.
هذا ليسَ خطاب دولةٍ تبحثُ عن استقرار، بل خطاب سلطةٍ ماورائيّةٍ تعيشُ على استمرار التوتر.
والأخطرُ أنَّ الثأرَ هنا ليس وسيلة، بل سياسة.
الخلاصة: سلطةٌ بلا أُفُق
هذا الخطاب يكشفُ أكثرَ ممّا يخفي: هو يكشِفُ شرعيةً مهزوزةً تُغطّى بالدين، ونظاماً يتهمُ غيرَهُ بالتبعيّةِ ويقعُ في التوريث، وقيادةً تهربُ من الاقتصاد إلى الحرب، وخطاباً يطلبُ الوحدة ويمارسُ الإقصاء، وسياسةً تبني مستقبلَها على صراعاتٍ لا تنتهي!
باختصار:
ما نشهدُهُ ليس انتقالاً طبيعياً للسلطة، بل لحظةَ انكشافٍ لنظامٍ يرفعُ شعارَ الثورة، لكنّهُ يتصرّفُ كسلطةٍ تخشى شعبَها أكثر مما تواجهُ خصومَها.
وإذا كانت هذه السلطة بلا أُفُق، فإنّ أتباعَها من الأذرع، وعلى رأسها حزب الله، بلا أُفُقٍ أيضاً، وعليه، فمعركةُ اللبنانيين، ومعركةُ الشيعةِ العامليّينَ المثقفين، ليست في مواجهةِ سلاحِ الاحتلالِ الإيرانيِّ للبنانَ فحسب، بل في مواجهةِ هذه الإيديولوجيا الغيبيّة، لأنَّ أخطرَ ما فيها تقديس القتل، وشتّانَ بين القتل والقتال!