
زياد الصَّائغ
٢٦ آذار ٢٠٢٦
فعل الدّولة…الأمن القومي اللبناني بوصلة!
ليستِ الدولةُ في جوهرِها مجرّدَ سلطةٍ تُديرُ أزماتٍ، بل هي فعلٌ تاريخيٌّ متجدّدٌ، ينتظمُ في رؤيةٍ سياساتيّةٍ شاملةٍ، تجمعُ بين السيادةِ والأمنِ والإنسانِ. وإذا كانتِ الدولةُ في لبنانَ قد تاهتْ طويلًا بين مواقفَ مرتجلةٍ وتدابيرَ مؤقّتةٍ، فإنّ المأزقَ الحقيقيَّ لا يكمنُ في ضعفِ الإمكاناتِ، بل في استسهالِ الارْتِكانِ إلى ذهنيّةِ ردّةِ الفعلِ على حسابِ فعلِ الدولةِ نفسِه.
هذهِ الذهنيّةُ التي تتكرّسُ يومًا بعد يومٍ، تحوّلُ السلطةَ السياسيّةَ إلى جهازِ إطفاءِ أزماتٍ، لا إلى مصدرِ قرارٍ سياديٍّ مبادرٍ. فتتشكلُ السياساتُ على وقعِ الضغوطِ، وتُصاغُ الخياراتُ تحت إملاءِ اللحظةِ، وتفقدُ الدولةُ تباعًا قدرتَها على تحديدِ أفقِها الاستراتيجيّ. وفي مثلِ هذا السياقِ، يتحوّلُ الأمنُ القوميُّ من مفهومٍ ناظمٍ إلى مجرّدِ شعارٍ يُستدعى عند الأزماتِ، ثم يُهملُ عند انحسارِها.
إنّ موجبَ التصدّي لهذهِ الذهنيّةِ ليس ترفًا فكريًّا، بل هو شرطُ بقاءِ الدولةِ نفسِها. فالدولُ لا تستمرُّ بتدويرِ الزوايا، ولا بترحيلِ الأزماتِ، بل بتثبيتِ بوصلةٍ واضحةٍ للأمنِ القوميِّ، تحوّلُ كلَّ قرارٍ سياسيٍّ إلى جزءٍ من مسارٍ تراكميٍّ، لا إلى ردِّ فعلٍ موضعيٍّ. وفي الحالةِ اللبنانيّةِ، يبدو هذا التحوّلُ أكثرَ إلحاحًا، في ظلّ تشابكِ التهديداتِ وتعدّدِ مصادرِها.
لبنانُ، بحكمِ موقعِه وتاريخِه وتركيبتِه، لا يعيشُ في بيئةٍ مستقرةٍ، بل في محيطٍ متغيّرٍ، تتقاطعُ فيه مصالحُ إقليميّةٌ ودوليّةٌ. وفي مثلِ هذا المحيطِ، لا يكفي أن تكونَ الدولةُ حاضرةً، بل يجبُ أن تكونَ مبادرةً، قادرةً على تحديدِ مصالحِها وترجمتِها إلى سياساتٍ وأدواتٍ. أمّا عندما تتخلّى عن هذا الدورِ، فإنّها تفتحُ البابَ أمام قوى أخرى لملءِ الفراغِ، فتصبحُ ساحةً للتجاذبِ، لا فاعلًا فيه.
من هنا، يتبيّنُ أنّ الأمنَ القوميَّ اللبنانيَّ لا يمكنُ أن يُختزلَ في البعدِ العسكريِّ فقط، بل هو مفهومٌ شاملٌ، يتّصلُ بالأمنِ السياسيِّ والاقتصاديِّ والاجتماعيِّ والثقافيِّ. فضعفُ المؤسّساتِ، وتفكّكُ الحوكمةِ، وتآكلُ الثقةِ بين الدولةِ والمجتمعِ، واستباحة السّيادة، كلّها تهديداتٌ للأمنِ القوميِّ، لا تقلُّ خطورةً عن التهديداتِ الخارجيّةِ. وعندما تتعاطى السلطةُ مع هذهِ التهديداتِ بمنطقِ الترقيعِ، فإنّها تساهمُ في ترسيخِها، لا في معالجتِها.
وإذا كانتِ التجاربُ المتعاقبةُ قد أثبتتْ شيئًا، فهو أنّ استسهالَ الارتهانِ للخارجِ، أو الارْتِكانَ إلى تسوياتٍ هشّةٍ، لا يُنتجُ استقرارًا، بل يؤجّلُ الانفجارَ. فالأمنُ القوميُّ لا يُبنى على التوازناتِ الهشّةِ، بل على قوّةِ الدولةِ وشرعيّتِها، وعلى قدرتِها على فرضِ قواعدِ اللعبةِ في داخلِها. ومن دونِ ذلك، تبقى كلُّ سياسةٍ عرضةً للانهيارِ عند أوّلِ اهتزازٍ.
إنّ أوّلَ خطوةٍ في استعادةِ فعلِ الدولةِ، تكمنُ في تحويلِ الأمنِ القوميِّ إلى إطارٍ ناظمٍ لكلِّ السياساتِ العامّةِ، لا إلى ملفٍّ من بين ملفاتٍ. فيجبُ أن تنطلقَ السياساتُ الاقتصاديّةُ من هذهِ الرؤيةِ، وأن تُصاغَ السياساتُ الاجتماعيّةُ على أساسِها، وأن تُبنى السياساتُ السّياديّة والديبلوماسيّة في ضوئِها. بذلك، يصبحُ الأمنُ القوميُّ بوصلةً حقيقيّةً، توجّهُ المسارَ، لا مجرّدَ خطابٍ سياسيٍّ.
في المقابلِ، يتطلّبُ هذا التحوّلُ إعادةَ تعريفِ دورِ السلطةِ السياسيّةِ نفسِها. فلا يكفي أن تكونَ قادرةً على إدارةِ الأزماتِ، بل يجبُ أن تكونَ قادرةً على منعِها. ولا يكفي أن تحافظَ على التوازناتِ، بل يجبُ أن تبنيَ موازينَها الخاصّةَ. وهذا يفترضُ إرادةً سياسيّةً حقيقيّةً، تتجاوزُ منطقَ المسايرةِ، وتُقدمُ على خياراتٍ قد تكونُ صعبةً في المدى القصيرِ، لكنها ضروريّةٌ في المدى البعيدِ.
كما يفترضُ ذلك تعزيزَ قدرةِ المؤسّساتِ، وإعادةَ بناءِ الثقةِ بين الدولةِ والمجتمعِ. فلا يمكنُ لأيِّ سياسةٍ أمنيّةٍ أن تنجحَ في بيئةٍ يسودُها الشكُّ، أو في ظلِّ مؤسّساتٍ هشّةٍ. وبالتالي، فإنّ بناءَ الأمنِ القوميِّ يمرُّ حتمًا بإصلاحِ الحوكمةِ، وتعزيزِ سيادةِ القانونِ، وضمانِ المساءلةِ والمحاسبةِ. فهذهِ ليست عناصرَ ثانويّةً، بل هي جزءٌ لا يتجزّأُ من الأمنِ نفسِه.
وفي السياقِ اللبنانيِّ، تبرزُ أيضًا أهميّةُ تحييدِ الدولةِ عن صراعاتِ المحاورِ، وتثبيتِ خيارِ الحيادِ الإيجابيِّ، كإطارٍ ناظمٍ لسياستِها الخارجيّةِ. فهذا الخيارُ لا يعني الانعزالَ، بل يعني إعادةَ تموضعِ الدولةِ على أساسِ مصالحِها، لا على أساسِ ارتباطاتٍ فرعيّةٍ. وبذلك، يساهمُ في تخفيفِ الضغوطِ، وفي تعزيزِ استقرارِ الداخلِ.
إنّ فعلَ الدولةِ، في نهايةِ المطافِ، هو فعلُ اختيارٍ. وبين اختيارِ ردّةِ الفعلِ واختيارِ السياسةِ، تتحدّدُ مصائرُ الأوطانِ. فإمّا دولةٌ تنتظرُ ما يحدثُ لتتكيفَ معه، وإمّا دولةٌ تساهمُ في صنعِ ما سيحدثُ. وفي الحالةِ اللبنانيّةِ، لم يعد ممكنًا الاستمرارُ في الخيارِ الأوّلِ، في ظلّ تراكمِ الأزماتِ وتصاعدِ التهديداتِ.
الخلاصةُ أنّ الأمنَ القوميَّ اللبنانيَّ لا يحتاجُ إلى مزيدٍ من الشعاراتِ، بل إلى إرادةٍ تحوّلهُ إلى سياسةٍ مستدامةٍ، تنهي حالةَ الاستنقاعِ في ردّاتِ الفعلِ، وتطلقُ مسارًا جديدًا لفعلِ الدولةِ. مسارٌ يجمعُ بين السيادةِ والإصلاحِ، بين الأمنِ والإنسانِ، ويعيدُ لوطنِ الأرزِ دورَهُ كدولةٍ، لا كساحةٍ. فالتاريخُ لا ينتظرُ المتردّدينَ، والأوطانُ لا تُحمى إلا ببوصلةٍ واضحةٍ، وفعلٍ يرتقي إلى مستوى التحدّي.
