
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
٣٠ آذار ٢٠٢٦
بين السفارة السوفياتيّة في كوبا، وسفارة إيران في لبنان:
ديكتاتورية شيوعية يقابلها ديكتاتورية دينيّة
مخابرات وقتل وعزل عن التاريخ، لكن لبنان ليس جزيرةً
من يزور هافانا، عاصمة كوبا اليوم، يستوقفه مبنى السفارة السوفياتيّة، ذاك البناء الشاهق المُحصن، كأنّه قلعةٌ لها عُيونٌ وآذان، فيأخذك التاريخ إلى الستينات من القرن الماضي، فتستعيد أزمة الصواريخ الروسيّة بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوبا الثورة، ويحزنك أنَّ السفارة بقيت، ولو أنهكتها السنون، فبدت قديمةً تصلح أن تُعرضَ في متحف الشيوعيّة العالميّة البائدة، ولكن، تتطلع حواليك فتحدّق في عيون الكوبيّين الحزينة وقد أنهكها الفقر، وكأنّ الزمن توقّف في المدن العتيقة، فما خلفته الإيديولوجيا هي تلك البيوت والقصور الجميلة العتيقة المُشرعة الأبواب، وقد هجرها أهلها إلى فلوريدا القريبة، فندرك كيف تسحق الإيديولوجيا الإنسان، فرداً وجماعات، وكيف يغدو النظام هدفاً جامداً، لا وسيلةً تتطور في خدمة الشعوب، فلقد تحوّلت كوبا الجميلة إلى سجنٍ كبير، فإمّا أن تُمجّد الثورة أو ترحل، إذا لم نقل تهرب.
في ستينيات القرن الماضي، كانت هافانا مسرحاً لتجربةٍ سياسيةٍ فريدة في التاريخ الحديث. فقد تحوّلت كوبا، بعد الثورة الكاستروية، إلى قاعدةٍ متقدّمة للاتحاد السوفياتي على بعد تسعين ميلاً فقط من السواحل الأمريكية. لم تكن السفارة السوفياتية في هافانا مجرّد بعثة دبلوماسية تقليدية، بل تحوّلت عملياً إلى مركز نفوذٍ استراتيجي، تُدار منه علاقات الاستخبارات، وتُنسّق عبره السياسات الكبرى التي جعلت من الجزيرة الصغيرة جزءاً من منظومة الحرب الباردة.
من تلك السفارة، ومن شبكاتها الأمنية والسياسية، بُني نظامٌ مغلق يقوم على عقيدةٍ شيوعيةٍ صارمة، وعلى أجهزة أمنٍ ومخابراتٍ تراقب المجتمع، وتضبط الحياة السياسية، وتُحكم القبضة على الدولة والمجتمع معاً. كانت كوبا، في ظل ذلك النظام، أشبه بجزيرةٍ معزولة عن محيطها التاريخي والسياسي، محكومةٍ بمنطق الصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب.
اليوم، وبعد عقود، يبدو المشهد مألوفاً في مكانٍ آخر من العالم، ولكن بلباسٍ مختلف. ففي لبنان، لا يخفى على أحدٍ حجم الدور الذي تلعبه إيران عبر سفارتها في بيروت، والتي تحوّلت، بفعل نفوذ “حزب الله”، إلى ما يتجاوز الوظيفة الدبلوماسية التقليدية. إنها مركزٌ لنفوذٍ سياسيٍ وأمنيٍ وعسكريٍ استراتيجي على أبواب أوروبا، ويطال القرار اللبناني في عمقه، ويعيد رسم موازين القوى داخل الدولة وخارجها.
الفارق بين التجربتين ليس في طبيعة السيطرة، بل في العقيدة التي تبرّرها. فحيث كانت موسكو تصدّر نموذجها الشيوعي إلى كوبا، عملت طهران، ولمّا تزل، على تصدير نموذجها الثيوقراطي القائم على ولاية الفقيه. هناك كانت ديكتاتورية الحزب الواحد باسم الثورة البروليتارية، وهنا ديكتاتورية السلاح باسم المقاومة والعقيدة الدينية.
لكن النتيجة في الحالتين متشابهة إلى حدٍ بعيد:
نظام أمني متغلغل، شبكات مخابرات، قمعٌ للمعارضة، وواقع سياسي يعزل المجتمع عن مسار التاريخ الطبيعي!
غير أن المقارنة، رغم دلالتها، تبقى ناقصة من زاويةٍ أساسية. فـكوبا كانت جزيرة بالفعل، جغرافياً وسياسياً، ما سهّل على النظام أن يغلقها على ذاته لعقود. أما لبنان فليس جزيرة، لا في الجغرافيا ولا في التاريخ.
لبنان جزءٌ من شرقٍ متحرّك، ومن عالمٍ عربيٍ ودوليٍ مفتوح، ومن شبكة علاقات اقتصادية وثقافية وإنسانية واسعة، تمتد من الخليج إلى أوروبا، ومن الأميركيتين إلى أفريقيا. كما أن ملايين اللبنانيين في بلاد الانتشار يشكّلون امتداداً حيّاً لوطنهم، ويجعلون من عزل لبنان عن العالم أمراً مستحيلاً.
لهذا السبب تحديداً، تبدو محاولة تحويل لبنان إلى نسخةٍ شرق أوسطية من “إيران الثورة الإسلاميّة” محاولة محكومة بالفشل التاريخي. فلبنان، بطبيعته التعددية، وبحيويته الاقتصادية، وبانفتاحه الثقافي، وبعلاقاته الدولية، لا يستطيع أن يعيش داخل نظامٍ مغلق تُدار قراراته من خارج حدوده.
إن المعضلة اللبنانية اليوم ليست مجرد أزمة سياسية داخلية، بل صراع بين نموذجين:
نموذج الدولة السيّدة المنفتحة على العالم، ونموذج الدولة المختطفة داخل مشروعٍ أيديولوجي عابر للحدود.
وفي هذا الصراع، قد تنجح الأنظمة العقائدية لبعض الوقت في فرض وقائعها بالقوة، لكن التاريخ يثبت أن المجتمعات المفتوحة، مهما تعثّرت، تعود دائماً إلى مسارها الطبيعي.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي، على وقع حرب إسناد إيران المدمِّرة اليوم، ليس إن كان لبنان سيبقى رهينة مشروعٍ إقليمي، بل كم من الوقت سيستغرق قبل أن يستعيد موقعه الطبيعي:
دولةً حرّة، لا قاعدةً متقدمة لأي إمبراطورية أيديولوجية،
ووطناً منفتحاً على العالم، لا جزيرةً معزولةً عنه،
وبين صواريخ الاتحاد السوڤياتي على البحر الكاريبي، والصواريخ الإيرانيّة على المتوسط، أمثولةٌ من التاريخ لم تتعلمها “الخُمينيّة” من “البولشفيّة”، وهي أنّ الإيديولوجيا حين تُفرض بالقوّة، تسقط أمام الحُريّة!
