
د. زياد الصَّائغ
١٣ شباط ٢٠٢٦
الاغترابُ حارِسُ المَهَلِ الدُّسْتورِيَّةِ!
ما كان يومًا الاغترابُ اللُّبْنانيُّ مُجَرَّدَ امتدادٍ ديموغرافيٍّ لِلوطنِ، بَلْ لطالما كان فاعِلًا سِياسِيًّا وَطَنِيًّا مُؤَثِّرًا فِي مَسارِ الاِسْتِحْقاقاتِ المِفْصَلِيَّةِ. فِي مُقَدِّمَة هذه الاستحقاقات المقبلة الاِنْتِخاباتُ النِّيابِيَّةُ 2026 الَّتِي تُمَثِّلُ اخْتِبارًا حاسِمًا لِسَلامَةِ الدَّوْرَةِ الدُّسْتورِيَّةِ. إِنَّ خُوضَ الاغترابِ مَعْرَكَةَ الضَّغْطِ لِإِجْراءِ هَذِهِ الاِنْتِخاباتِ فِي مَوْعِدِها الدُّسْتورِيِّ لَيْسَ خِيارًا تَكْميليًّا، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ وَطَنِيٌّ يُلازِمُ حَقَّهُ فِي المُشارَكَةِ وَفِي حِمايَةِ النِّظامِ الدُّسْتورِيِّ.
المهَلُ الدُّسْتورِيَّةُ لَيْسَتْ تَفْصيلًا إِدارِيًّا قابِلًا لِلتَّأْويلِ، بَلْ هِيَ جَوْهَرُ مَبْدَأ تَداوُلِ السُّلْطَةِ وَرُكْنُ الشَّرْعِيَّةِ. وَعِنْدَما يَتَعَرَّضُ الاِسْتِحْقاقُ لِمُحاوَلاتِ التَّمْييعِ أَوِ التَّسْوِيفِ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ القُوى السِّياسِيَّةِ، يَغْدو دَوْرُ الاغترابِ ضاغِطًا وَحاسمًا، لِأَنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِمَسافَةٍ أَبْعَدَ عَنِ الحِساباتِ الفِئَوِيَّةِ، وَيَنْظُرُ إِلى الاِسْتِحْقاقِ كَمِعيارٍ لِجِدِّيَّةِ الدَّوْلَةِ فِي اِحْتِرامِ تَعَهُّداتِها.
إِنَّ مُواكَبَةَ وِزارَةِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالبَلَدِيَّاتِ فِي مَا تَقُومُ بِهِ مِنْ أَجْلِ حِمايَةِ المَهَلِ الدُّسْتورِيَّةِ تُمَثِّلُ مَسارًا عَمَلِيًّا لِتَكْريسِ هَذَا الضَّغْطِ الإِيجابِيِّ. فَالْوِزارَةُ، بِوَصْفِها الجِهَةَ المُخْتَصَّةَ فِي إِدارَةِ العَمَلِيَّةِ الاِنْتِخابِيَّةِ، تَتَحَمَّلُ مَسْؤُولِيَّةً تَنْفيذِيَّةً دَقِيقَةً تَقْتَضِي تَأْمينَ الجاهِزِيَّةِ اللُّوجِسْتِيَّةِ وَالإِدارِيَّةِ فِي وَقْتِها. وَدَعْمُ الاغترابِ لِهَذِهِ الجُهُودِ، عَبْرَ المُتابَعَةِ وَالرِّقابَةِ وَالإِسْنادِ العَلَنِيِّ، يُعَزِّزُ مَناعَةَ المَسارِ وَيَحُولُ دُونَ أَيِّ مُحاوَلَةٍ لِإِفْراغِهِ مِنْ مَضْمُونِهِ.
إِلَّا أَنَّ المَعْرَكَةَ لا تَقِفُ عِنْدَ الحُدودِ الدَّاخِلِيَّةِ. إذ إنّ تَوْسِيعُ مِرْوَحَةِ اللُّوبيينغِ مَعَ عَواصِمِ القَرارِ يُشَكِّلُ بُعْدًا اِسْتِرْاتيجِيًّا لِتَثْبيتِ الاِسْتِحْقاقِ فِي مَوْعِدِهِ. فَالاغترابُ يَمْتَلِكُ شَبَكاتِ تَواصُلٍ فاعِلَةً فِي العالَمِ العَرَبِيِّ وَالغَرْبِيِّ، وَيَسْتَطيعُ أَنْ يُبْقِيَ المَلَفَّ الاِنْتِخابِيَّ فِي صُلْبِ الاِهْتِمامِ العربيّ-الدَّوْلِيِّ، مع صَوْن سياديّته واستقلاليّته الكامِلة، وَهَذَا اللُّوبيينغُ لا يَسْتَهْدِفُ سوى تَثْبيتِ حَقٍّ دُسْتُورِيٍّ وَاضِحٍ فِي إِجْراءِ الاِنْتِخاباتِ وَفِي مُشارَكَةِ الاغترابِ الكامِلَةِ فِي اخْتِيارِ 128 نائِبًا/ة وَفْقَ مُقْتَضَياتِ الدُّسْتورِ.
حَقُّ الاغترابِ فِي الاِنْتِخابِ لَيْسَ مِنَّةً مِنْ أَحَدٍ، بَلْ هُوَ اِمْتِدادٌ لِمَبْدَإِ وَحْدَةِ الشَّعْبِ وَتَساوِيهِ فِي الحُقوقِ السِّياسِيَّةِ. وَأَيُّ مُحاوَلَةٍ لِتَجْزِئَةِ هَذَا الحَقِّ أَوْ تَحْجيمِهِ تَتَعارَضُ مَعَ رُوحِ الدُّسْتورِ وَمَعَ مَبْدَإِ المُواطَنَةِ الشَّامِلَةِ.
إِنَّ التصدّي لتَمْييعِ الاِسْتِحْقاقِ يَقْتَضِي خِطابًا واضِحًا وَمَوْقِفًا حازِمًا. أمّا إِثارَةِ سِجالاتٍ جانِبِيَّةٍ فيُهدّد روح الدّستور. وَهُنا يَأْتِي دَوْرُ الاغترابِ فِي تَسْمِيَةِ الأَشْياءَ بِأَسْمائِها، وَفِي رَفْضِ أَيِّ تَلاعُبٍ بِالمَهَلِ أَوِ انْحِرافٍ عَنِ الأُطُرِ الدُّسْتورِيَّةِ.
إِنَّ تجاوز المهَلِ الدُّسْتورِيَّةِ لا يَنْعَكِسُ عَلى الدَّاخِلِ فَحَسْبُ، بَلْ يُسْهِمُ فِي تَقْويضِ المُومنْتُوم الوَطَنِيِّ–العَرَبِيِّ–الدَّوْلِيِّ الدّاعِمِ لِقِيامِ دَوْلَةِ مُواطَنَةٍ سَيِّدَةٍ حُرَّةٍ عادِلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ فِي لُبْنانَ. فَالعالَمُ الَّذِي يُراقِبُ مَسارَ الإِصْلاحِ يَقيسُ جِدِّيَّتَهُ بِمِعيارِ اِحْتِرامِ الاِسْتِحْقاقاتِ. وَأَيُّ إِخْلالٍ بِهَذَا المِعيارِ يُرْسِلُ إِشارَةً سَلْبِيَّةً تُضْعِفُ الثِّقَةَ وَتُقَلِّصُ فُرَصَ الدَّعْمِ.
مِنْ هُنا، فَإِنَّ مَعْرَكَةَ الاغترابِ هِيَ مَعْرَكَةُ صَوْنِ المَسارِ الدُّسْتورِيِّ وَتَحْصينِهِ. هِيَ مَعْرَكَةُ الضَّغْطِ لِإِجْراءِ الاِنْتِخاباتِ فِي مَوْعِدِها، وَمُسانَدَةِ الجِهَاتِ المُخْتَصَّةِ فِي أَدائِها، وَتَوْسِيعِ دائِرَةِ الدَّعْمِ العربي-الدَّوْلِيِّ لِحَقِّ اللُّبْنانيّينَ/ات فِي الاِقْتِراعِ الحُرِّ. وَفِي ذَلِكَ تَكْمُنُ مَسْؤُولِيَّةٌ تَاريخِيَّةٌ، لِأَنَّ حِمايَةَ المَهَلِ الدُّسْتورِيَّةِ هِيَ حِمايَةٌ لِفِكْرَةِ الدَّوْلَةِ نَفْسِها.
إِذا نَجَحَ الاغترابُ فِي تَحْويلِ هَذَا الضَّغْطِ إِلى قُوَّةٍ مُنَظَّمَةٍ وَمُسْتَمِرَّةٍ، فَإِنَّهُ يُسْهِمُ فِي تَثْبيتِ الاِسْتِحْقاقِ، وَفِي تَعْزيزِ الثِّقَةِ بِمَسارِ الإِصْلاحِ، وَفِي تَرْسيخِ فُرْصَةٍ حَقِيقِيَّةٍ لِإِعادَةِ بِنَاءِ دَوْلَةِ المُواطَنَةِ. أَمَّا إِذا تُرِكَتِ المَهَلُ عُرْضَةً لِلتَّجاذُبِ، فَإِنَّ الخَسارَةَ سَتَكُونُ وَطَنِيَّةً وَعَرَبِيَّةً وَدَوْلِيَّةً. وَبَيْنَ هَذَيْنِ الخِيارَيْنِ، يَتَحَدَّدُ مَوقِعُ الاغترابِ فِي صَفِّ الدَّوْلَةِ أَوْ فِي هامِشِ الأَحْداثِ.
