
الياس كسّاب
رئيس تحرير إندبندنت دياسبورا
الباحث في الشؤون الاغترابيّة واللبنانيّة والعربيّة
بعد إعلان قيام دولة إسرائيل في 14 أيار 1948، شارك لبنان، ولو بشكلٍ محدود ميدانيّاً، في الحرب العربيّة – الإسرائيليّة.
بعد هذه الحرب جرت مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية الأمم المتحدة في بلدة رأس الناقورة، وقد انتهت إلى توقيع اتفاقيّة الهدنة في 23 آذار 1949، وكانت هذه أوّل وآخر مفاوضات مباشرة رسميّة بين البلدين.
هذه الاتفاقيّة، في زمن الانقلابات العسكريّة العربيّة، من العراق، إلى سوريا، إلى مصر، وفي زمن “همروجة” المزايدات العروبيّة، وإلهاب الحماسة الجماهيريّة، أمّنت السلام على الحدود اللبنانيّة الإسرائيليّة، واحتُرمَ الخط الأزرق، حتى لو لم يكن ترسيماً رسميّاً للحدود، وجنّب لبنان الدخول في حرب 5 حزيران 1967، فلم تسقط حبة تراب من جنوبه تحت الاحتلال في الوقت الذي أطيح بسيناء والجولان والضفة الغربيّة بما فيها القدس، وهذا إثبات على أنّ مفاعيل الدبلوماسيّة اللبنانيّة المتمرّسة التي أرساها وزراء الخارجية اللبنانيّون العمالقة آنذاك، وصداقات لبنان الفاعلة، كانت أقوى من كل الجيوش العربيّة التي انهارت على جبهات مصر، والأردن، وسوريا!
لبنان يدفع ثمن التخلي عن القرار السيادي واستجداء التفاوض بالواسطة
أثبتت الأحداث أنه في كلّ مرة تخلينا عن التفاوض المباشر، المصحوب بموقف سيادي مستقل، وفي كل القضايا، جلبنا الويلات للبنان، فكان الهروب من إحداث أزمات داخليّة بين اللبنانيين هو الذريعة الواهية، فلم نجلب حلولاً، بل مشاكل مؤجّلة، لا بل احتلالات، وخراباً ودماراً، فانهار البيت الوطني على رؤوس الجميع:
- هكذا فعلنا حين أوكلنا جمال عبد الناصر التفاوض عنا بالواسطة سنة 1969، فكان اتفاق القاهرة المشؤوم!
- هكذا فعلنا حين استجدينا الحلول من الدول العربيّة، وكان معظمها يغدق المال والسلاح على المنظمات الفلسطينيّة، فأتحفونا بقوات الردع العربيّة التي أصبحت غطاءً لاحتلال سوري للبنان، استمرّ حتى سنة 2005!
- هكذا فعلنا حين ذهبنا بعد مؤتمر مدريد للسلام بـ “وحدة المسارين” بين سوريا ولبنان، وكأنّ لبنان لم يبلغ سنّ الرشد بعد!
- هكذا فعلنا حين لم يعطِ الفرقاء اللبنانيّون غطاءً لمفاوضات مباشرة، فأدار الرئيس أمين الجميّل مفاوضات غير مباشرة عبر فيليب حبيب، والتي أنتجت اتفاق 17 أيار 1983، الذي أسقطه الممانعون بضغط سوري، والذي لم نحصل على مثيل له لمصلحة لبنان، لا بعد الانسحاب الإسرائيلي سنة 2000، ولا في أعقاب حرب 2006!
- هكذا فعلنا حين فاوضنا إسرائيل، بطريقة غير مباشرة، وبوساطة المبعوث الأمريكي آموس هوكستين، فوقّعنا مع الإسرائيلي اتفاقيّة الترسيم البحري التي لم يُطلعوا عليها مجلس النواب، كي لا يعترفوا بالخجل، نتيجة خسارة آلاف الكيلومترات المربّعة البحريّة من حقوق لبنان!
- وهكذا فعل الرئيسان ميقاتي وبري في توقيع اتفاق “إذعان” مع هوكستين نفسه سنة 2024 نتيجة “حرب الإسناد!
إنّ التفاوض غير المباشر محكومٌ بالفشل سلفاً، ولأسباب عديدة:
- إنّ الذهاب لخيار التفاوض غير المباشر يناقض خطاب القسم، والبيان الوزاري، وقرار الحكومة باستعادة قراري الحرب والسلم، فنزع السلاح يؤمّن استعادة قرار الحرب، أما التفاوض المباشر والصريح والعلني يثبّت استعادة قرار السلم، إنّ التفاوض غير المباشر يضعف موقف الدولة اللبنانيّة شكلاً ومضموناً، ويعطي للقوى الإقليمية، وعلى رأسها إيران، الفرصة السانحة للتدخل في المفاوضات من تحت الطاولة!
- إنّ حامل السلاح لا يمتلك قراره، وعليه، إنّ هذا السلاح، الذي كبّد اللبنانيين خسائر بشريّة هائلة، وخراباً ودماراً، وانهياراً للدولة على مختلف المستويات، يعتبر احتلالاً إيرانيّاً، وعلى الدولة أن تعلن أنّنا في ظل احتلال بالواسطة، ولن نتخلّص منه بالتجاهل أو الإنكار، فنحن أمام احتلالين، إسرائيلي، وإيراني، والسرديّات المقاومتيّة غير قادرة بعد اليوم على تجميل صورة إيران الرابضة على صدور اللبنانيين، والتفاوض يجب أن يتم بالمباشر، ومع الاثنين، وعلى الملأ، وليس لدى لبنان ما يخجل به كي يتلطّى تحت الطاولة، وهذا يجب أن يكون موقف “البيئة” الحاضنة، قبل غيرها، إذا ما تعلّمت من دروس الطوائف الأخرى التي أيقنت، جميعها، أن لبنان يجب أن يكون أوّلاً.
- يبقى أنّ التفاوض المباشر، دستوريّاً، من حق، وواجب، رئيس الجمهوريّة، ومجلس الوزراء مجتمعاً، فلنتوجّه لمخاطبة الاحتلالين بجرأة، متحلين بالدستور، وبالقانون الدولي، فنلزم إسرائيل باحترام سيادتنا، ونكشف عن وجه إيران الحقيقي، وننتزع منها مفاعيل السطوة على الدولة بالسلاح، فنحظى باحترام ودعم العالم العربي، وأصدقائنا في العالم.
لا جدوى من حوار داخلي مع حزب الله تحت أيّة عناوين، وإذا كان من حوار مجدٍ، فهو ليس حول الاستراتيجية الدفاعية، فقد أثبت فشله في الدفاع عن بيئته، وعن لبنان، ولا لـ “حشد شعبي” على الطريقة العراقيّة المأزومة في محاولة إيجاد مخرجٍ لهذه الازدواجيّة بين الجيش الرسمي، وهذا “الحرس الثوري” الصغير، على الطريقة الخمينيّة!
نحاور حزب الله حول كيفيّة تخليه عن السلاح، كل السلاح، سلميّاً، وعلى العودة إلى كنف اللبنانيين الذين يحمون بتضامنهم ودولتهم بيئته، وعلى ضرورة قيامه بمراجعة عقائديّة تعيده إلى “حوزة” العلماء العامليّين “النجفيّة”، لتطهير الناشئة من الفكر “الولائي” المناقض للحياة، والزارع لثقافة الموت!
بيان حزب الله الأخير للرؤساء الثلاث الرافض للتفاوض ولتسليم سلاحه هروبٌ إلى الأمام قاتل، وعبثيّة لا تمت لمنطق، ولا تستطيع إلا أن تُصنّف كمشاكسة، أحرجت الحلفاء، وعلى رأسهم “برّي” الأخ الأكبر، قبل غيرهم، وآن أوان الانتقال من حال الإنكار إلى الواقعيّة مهما كانت أليمة!
وليس أمامنا، كدولة، إلا أن نثبت أننا بلغنا سنَّ الرشد، وإلا، لا تلوموا توم برّاك إذا قال: إنّ لبنان دولة فاشلة!