
حول حياد لبنان الإيجابي!
د. زياد الصَّائغ
١٣ تشرين الثاني ٢٠٢٥
يُعَدُّ الحيادُ الإيجابيُّ ركيزةً أساسيّةً لإعادةِ بناءِ السّياسةِ الخارجيّةِ اللّبنانيّةِ على أُسُسِ السّيادةِ والاستقلالِ والواقعيّةِ في عالمٍ مُضطربٍ ومتغيّرٍ. لبنانُ، الّذي لطالما كانَ ساحةً لتقاطُعِ الصّراعاتِ الإقليميّةِ والدّوليّةِ، يحتاجُ اليومَ إلى صياغةِ سياسةٍ خارجيّةٍ متوازنةٍ تُحرِّرُهُ من سياسةِ المحاورِ، وتُعيدُ إليهِ دورَهُ الطّبيعيَّ الحضاريّ كجسرِ تواصُلٍ لا كحلبة صراع لا ينتهي. الحيادُ الإيجابيُّ ليسَ حيادًا سلبيًّا أو انسحابًا من التزاماتِ لبنانَ العربيّةِ والدّوليّةِ، بل هو خيارٌ سياديٌّ يهدفُ إلى حمايةِ التعدّديّةِ اللّبنانيّةِ من الاستنزافِ، وتحويلِ لبنانَ إلى مساحةِ حوارٍ وتفاعلٍ خلاّقٍ بينَ الشّرقِ والغربِ. إنّ تأسيسَ هذا النّهجِ في السّياسةِ الخارجيّةِ يُعيدُ إلى لبنانَ موقعَهُ التّاريخيَّ كبلدٍ للحُرّيّةِ والانفتاحِ، ويؤمّنُ له مظلّةَ حمايةٍ دبلوماسيّةٍ واقتصاديّةٍ تقيهِ مخاطرَ الاصطفافِ والصّدامِ، في ظلّ توازناتٍ إقليميّةٍ ودوليّةٍ شديدةِ الحساسيّةِ.
الحيادُ الإيجابيُّ في السّياقِ اللّبنانيِّ ليسَ مجرّدَ شعارٍ سياسيٍّ، بل خيارٌ استراتيجيٌّ يرتبطُ مباشرةً بالميثاقِ الوطنيِّ وصيغةِ العيشِ المشتركِ الّتي تُشكِّلُ جوهرَ الكيانِ اللّبنانيِّ. فلبنانُ، بتعدّديّتِهِ المذهبيّةِ والثّقافيّةِ، لا يمكنُ أن يكونَ تابعًا لمحورٍ دونَ آخرَ من دونِ أن يُهدِّدَ ذلكَ توازُنَهُ الدّاخليَّ. لذا، يُشكِّلُ الحيادُ الإيجابيُّ ضمانةً لاستقرارِ النّظامِ السّياسيِّ وحمايةً للهويّةِ الوطنيّةِ الجامعةِ. جيو-سياسيًّا، يضعُ الحيادُ الإيجابيُّ لبنانَ في موقعِ الدّولةِ المحايدةِ الفاعلةِ، لا المنعزلةِ، أي إنّهُ يسعى إلى لعبِ دورِ الوسيطِ لا المنخرطِ في النّزاعاتِ، وإلى تحويلِ موقعِ لبنانَ الجغرافيِّ من خاصرةٍ رخوةٍ إلى مساحةِ تواصُلٍ. في محيطٍ يشهدُ صراعًا على النّفوذِ بينَ قِوى كبرى، يُصبحُ الحيادُ الإيجابيُّ أداةً لتجنيبِ لبنانَ الانقسامَ والدّمارَ، ووسيلةً لتكريسِ أمنٍ قوميّ إقليميّ-دوليّ قائمٍ على الاحترامِ المتبادلِ والمصالحِ المشتركةِ. كما أنّ هذا الحيادَ يُعيدُ الاعتبارَ إلى مفهومِ السّيادةِ الفعليّةِ، بحيثُ لا تكونُ الدّولةُ اللّبنانيّةُ أداةً لأيِّ مشروعٍ خارجيٍّ، بل شريكًا في بناءِ منظومةِ استقرارٍ إقليميٍّ أساسٌه القانونِ الدّوليِّ وميثاقِ الأممِ المتّحدةِ. بذلكَ، يتلاقى الحيادُ الإيجابيُّ مع جوهرِ الميثاقِ الوطنيِّ عامَ 1943، الّذي أعلنَ أنّ “لبنانَ ذو وجهٍ عربيٍّ لا يتبنّى سياسةَ المحاورِ”، ومعَ اتّفاقِ الطّائفِ الّذي أكّدَ على استقلالِ القرارِ الوطنيِّ. إذًا، الحيادُ الإيجابيُّ هو الضّمانةُ الدّستوريّةُ والسّياسيّةُ لاستمرارِ الصّيغةِ اللّبنانيّةِ في وجهِ التّحوّلاتِ العاصفةِ الّتي تُهدِّدُ الكياناتِ الضّعيفةَ في الشّرقِ الأوسطِ.
في هذا السِّياق، يُشكِّلُ الاغترابُ اللّبنانيُّ أحدَ أعمدةِ القوّةِ النّاعمةِ للبنانَ، وامتدادًا طبيعيًّا لدبلوماسيّتِهِ العامّةِ. فقدِ انتشرَ اللّبنانيّونَ/ات في كافّةِ أصقاعِ الأرضِ، وأسّسوا شبكاتِ تأثيرٍ اقتصاديّةٍ وثقافيّةٍ وأكاديميّةٍ وسياسيّةٍ في القارّاتِ الخمسِ. إنّ تفعيلَ هذا الاغترابِ في خدمةِ مشروعِ الحيادِ الإيجابيِّ يمكنُ أن يُحوِّلَ الفكرةَ إلى حركةِ ضغطٍ دوليّةٍ لصالحِ لبنانَ الحرِّ والمستقلِّ و المستقِرّ. الحيادُ الإيجابيُّ ليسَ قرارًا محلّيًّا فحسبُ، بل يحتاجُ إلى اعترافٍ دوليٍّ وضماناتٍ إقليميّةٍ. هنا يأتي دورُ الاغترابِ اللّبنانيِّ في تكوينِ رأيٍ عامٍّ عالميٍّ داعمٍ لهذا المسارِ. الجالياتُ اللّبنانيّةُ في كُلّ عواصم القرار، قادرةٌ على بناءِ جسورٍ مع البرلماناتِ والحكوماتِ ومراكزِ التأثير، لتوضيحِ أنّ الحيادَ ليسَ خروجًا من الالتزاماتِ الدّوليّةِ، بل هو التزامٌ بمبادئِ القانونِ الدّوليِّ وحقوقِ الإنسانِ، ويهدفُ إلى تحويلِ لبنانَ إلى مركزٍ دائمٍ للحوارِ العربيِّ والدّوليِّ. تستطيعُ النُّخبُ الاغترابيّةُ أن تُطلِقَ مبادراتٍ دبلوماسيّةً ناعمةً عبرَ مراكزِ الأبحاثِ والجامعاتِ ومنظّماتِ المجتمعِ المدنيِّ في دولِ إقامتها، وأن تُنسِّقَ مع البعثاتِ الدّبلوماسيّةِ اللّبنانيّةِ والمؤسّساتِ الأكاديميّةِ في الدّاخلِ لتوحيدِ الرّسائلِ والخطابِ. ويمكنُها أيضًا أن تُؤسِّسَ منصّاتٍ إعلاميّةً عالميّةً تنقلُ صوتَ لبنانَ السّياديَّ المستقلَّ، وتشرحَ للرّأيِ العامِّ الغربيِّ أنّ انقسامَ لبنانَ هو نتيجةٌ مباشرةٌ لتحويلِهِ ساحةَ صراعٍ بالوكالةِ، وأنّ حيادَهُ الإيجابيَّ هو السّبيلُ الوحيدُ لحمايةِ مصلحته العُليا مع مصالِح العالم الحُرّ ما يُسهِم في استقرارِ الشّرقِ الأوسطِ. ولأنّ الاغترابَ يمتلكُ مصداقيّةً عاليةً في بلدانِ الإقامةِ، فإنّهُ قادرٌ على بناءِ لوبيٍّ لبنانيٍّ عالميٍّ يسعى لإدراجِ فكرةِ الحيادِ الإيجابيِّ ضمنَ أولويّاتِ السّياسةِ الخارجيّةِ للدّولِ الكبرى. يستطيعُ الاغتِراب أن يُفعِّلَ دورَ المؤسَّسات الدّينيَّة والجامعاتِ والمنظّماتِ الإنسانيّةِ الّتي يرتبطُ بها اللّبنانيّونَ لتكونَ صوتًا أخلاقيًّا داعمًا للسّلامِ والاستقرارِ في لبنانَ والمنطقةِ. إضافةً إلى ذلكَ، يمكنُ للاغترابِ أن يلعبَ دورًا اقتصاديًّا داعمًا للحيادِ من خلالِ تشجيعِ الاستثماراتِ في مشاريعٍ تنمويّةٍ وثقافيّةٍ تربطُ لبنانَ بموقعِهِ كمنصّةِ تعاونٍ إقليميٍّ. فكلّما تعزَّزَ الاقتصادُ اللّبنانيُّ في إطارٍ سياديٍّ ومستقلٍّ، كلّما أصبحت فكرةُ الحيادِ أكثرَ واقعيّةً وقوّةً.
من هنا، لا يمكنُ الحديثُ عن حيادٍ إيجابيٍّ دونَ إشراكٍ فاعِلٍ للاغترابِ اللّبنانيِّ في صياغةِ الخطابِ الخارجيِّ ورسمِ السّياساتِ التواصليّةِ معَ العالمِ. ليس الحيادُ موقفًا سياسيًّا، بل مشروعُ هويّةٍ وطنيّةٍ جديدةٍ تُعيدُ تعريفَ لبنانَ كدولةٍ مدنيّةٍ حرّةٍ، عربيّةِ الانتماءِ، إنسانيّةِ الرّسالةِ، ودوليّةِ الأفقِ.
