
د. زياد الصَّائغ
٢٠ تشرين الثاني ٢٠٢٥
يعيشُ لُبنانُ لحظةً مفصليّةً لم تَعُدْ فيها المُواربةُ مُمكِنةً، ولا المُناوَراتُ قادِرةً على إنقاذِ ما انكَسَرَ في الدَّولةِ والمجتمعِ والنِّظامِ. فالمومنتومُ العربيُّ والدَّوليُّ، الَّذي تَشكَّلَ على مدى السَّنواتِ الماضيةِ دعمًا واضحًا لقيامِ دولةِ المواطنةِ السَّيِّدةِ الحُرَّةِ العادلةِ المُستقلَّةِ، يَتَعرَّضُ اليومَ لأخطرِ اختبارٍ. هذا المومنتومُ لم يَكُنْ تَرَفًا ديبلوماسيًّا، بل التقاءً نادِرًا بين إرادةِ اللُّبنانيّينَ وإرادةِ أشقّائِهم العربِ وحُلفائِهم في المجتمعِ الدَّوليِّ لإعادةِ لُبنانَ دولةً طبيعيّةً تَحكُمُها المُؤسَّساتُ والدُّستورُ والقَراراتُ الدَّوليّةُ وتوازناتُ الشَّرعيَّةِ.
إلَّا أنَّ ما يُهدِّدُ هذا المومنتومَ أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى هو ذهنيّةُ تدويرِ الزَّوايا و”التَّذاكي” وإعادةُ إنتاجِ الرَّماديّةِ، أي ذلك النَّمطُ مِن الحُكمِ الَّذي يَتَهَرَّبُ مِن مُواجهةِ الحقيقةِ، ويَخضَعُ لابتزازِ التَّهديدِ بالسِّلمِ الأهليِّ، ويَستسهِلُ تَحويلَ الأزمةِ إلى مُناسَبةٍ للانفعالاتِ المُفتَعَلةِ عوضَ القَراراتِ الجَريئةِ. هنا تُصبِحُ خسارةُ المومنتومِ الوطنيِّ والعربيِّ والدَّوليِّ خيانةً وطنيّةً بمعنى الكلمةِ، لأنَّها تُفوِّتُ على لُبنانَ فُرصَةً تاريخيّةً للخروجِ مِن جحيمِ الانهيارِ ومَنطِقِ الازدواجيّاتِ القاتِلةِ.
لقد حذَّرنا مِرارًا مِن أنَّ الدَّولةَ لن تستقيمَ طالما السِّلاحُ غيرُ الشَّرعيِّ يَعلو على القانونِ، وطالما خيارُ”لَمِّ الشَّملِ الوطنيِّ” يُستَخدَمُ غطاءً للتَّراجُعِ عن جوهرِ الدَّولةِ، سيادتِها. فلُبنانُ لا يُحكَمُ بالتَّسوياتِ الظَّرفيّةِ، ولا بالارتكازِ على ازدواجيّةِ القَرارِ والأمنِ والسيادةِ. لُبنانَ تُنقِذُه الدَّولةُ حين تُعيدُ فَرضَ الدُّستورِ كخَطٍّ أحمرَ وحيدٍ، وتَستعيدُ قَرارَها العسكريَّ والأمنيَّ والدّيبلوماسيَّ، وتَخرُجُ مِن وَهمِ “انتظارِ الحُلولِ” أو التَّخبُّطِ في حواراتٍ لا تُريدُ مُقاربةَ جُذورِ المشكلةِ، إحتكارِ الدَّولةِ للعُنفِ الشَّرعيِّ.
الاستحقاقُ اليومَ ليس إدارةَ روزنامةٍ سياسيّةٍ، بل استعادةَ لُبنانَ كقضيّةٍ، قضيّةُ دولةٍ تُحكَمُ بالقانونِ لا بالشِّعاراتِ، وبالمُؤسَّساتِ لا بمراكِزِ القُوى، وبالقضاءِ لا بالاستقواءِ، وبالانفتاحِ الذَّكيِّ لا بالانعزالِ الأيديولوجيِّ. وقد أثبَتَتِ التَّجرِبةُ الحديثةُ أنَّ العالمَ لم يَتَخلَّ عن لُبنانَ، بل انتظرَ مِنه قَرارًا واحدًا. أن يُقَرِّرَ أن يُصبِحَ دولةً.
إنَّ المومنتومَ العربيَّ والدَّوليَّ لم يَتراجَعْ إلَّا عندما قَرَّرَ الحُكمُ في لُبنانَ التَّذاكي على المجتمعِ الدَّوليِّ، مرَّةً بافتعالِ الانفعالاتِ، ومرَّةً بالحديثِ عن “الخَشيةِ على السِّلمِ الأهليِّ”، ومرَّةً بحساباتٍ مَصالحيّةٍ ضيِّقةٍ تَعلو على مصلحةِ الدَّولةِ. هكذا استُكمِل َ”انتحارُ الدَّولةِ” كما وَصَفناه، حين جَرى إضعافُ المُؤسَّساتِ مِن داخلِها، والتَّشكيكُ بكلِّ مُبادرةٍ للإصلاحِ البنيويِّ، والانقلابُ على الالتزاماتِ الدَّوليّةِ بدءًا مِن تطبيقِ الدُّستورِ ووصولًا إلى تنفيذِ قَراراتِ مجلسِ الأمنِ الدَّوليِّ ذاتِ الصِّلةِ، الَّتي تُشكِّلُ ضمانةً لسيادةِ لُبنانَ لا عبئًا عليه.
ومِن هنا، فإنَّ الإنقاذَ يبدأُ بالاعترافِ بأنَّ لُبنانَ لا يمكنُ أن يَستعيدَ عافيتَه بوجودِ ازدواجيّةِ قَرارٍ. فالدَّولةُ لا تَتعايَشُ مع نَقيضِها. إمّا دولةٌ دستوريّةٌ كاملةُ السيادةِ، وإمّا سُلطَةُ الأمرِ الواقعِ الَّتي تَجرُّ لُبنانَ إلى انهياراتٍ مُتتاليةٍ. والحُكمُ في لُبنانَ مَدعوٌّ إلى وقفِ خيار تدويرِ الزَّوايا، لأنَّها لم تَعُدْ مَقبولةً عربيًّا ولا دوليًّا ولا لُبنانيًّا. إنَّ إدارةَ الهُدوءِ لا تَصنَعُ دولةً، وإنَّ التَّذاكي السياسيَّ لا يُعيدُ الثِّقةَ. الدبلوماسيّة المبادرة بأوسع مروحة تحالفات تخرج إسرائيل من أرضنا. إنّه زمن عودة لبنان إلى دوره الحضاري.
في الدَّاخلِ، يحتاجُ لُبنانُ اليومَ إلى رِجالاتٍ ونساءِ دولةٍ، إلى قياداتٍ قادِرةٍ على اتخاذِ القَراراتِ لا الاختباءِ خلفَ شِعارِ “الحِكمةِ” فيما هو عمليًّا تَهَرُّبٌ مِن المسؤوليّةِ. إنَّه زمنُ الخياراتِ الواضحةِ، لا الزمنُ الرَّماديُّ الَّذي حذَّرنا مِنه كثيرًا. وفي الإقليمِ، لا يمكنُ مُواجهةُ التَّحدّياتِ المُتزايدةِ ولا التَّصدّي لاعتداءاتِ إسرائيلَ إلَّا مِن خلالِ توسيعِ مروحةِ صداقاتِ لُبنانَ، والانخراطِ في ديبلوماسيّةٍ مُبادِرةٍ، لا ديبلوماسيّةِ الاستنكارِ. فالمُواجهةُ لا تكونُ بإضعافِ الدَّولةِ ولا بإضعافِ دَعمِ العربِ والعالمِ لها، بل بإعادةِ تثبيتِ أنَّ لُبنانَ جُزءٌ مِن منظومةِ الشَّرعيّةِ الدَّوليّةِ، وأنَّ أيَّ مَسٍّ بسيادتِه يجبُ أن يُواجَهَ بتحالفاتٍ عاقلةٍ وفعّالةٍ، وفي مُقدِّمتِها التَّحالُفاتُ مع قُوى الإعلامِ الحُرِّ في العالمِ الَّتي باتت تُبدي اهتمامًا مُتزايدًا بقضيّةِ لُبنانَ وتهديداتِ اللَّادَولةِ.
إنَّ راهنيّةَ اللَّحظةِ تَدعونا إلى الوضوحِ. لا خلاصَ لُبنانَ إلَّا بدولةٍ واحدةٍ، بجيشٍ واحدٍ، بقَرارٍ سياديٍّ واحدٍ. لا خلاصَ إلَّا باستعادةِ احترامِ الدُّستورِ، وتنفيذِ الإصلاحاتِ، ومُحاربةِ الفسادِ، والالتزامِ بالقَراراتِ الدَّوليّةِ، ورَفضِ تحويلِ لُبنانَ ساحةً أو وَرقةَ تفاوضٍ. والمومنتومُ العربيُّ والدَّوليُّ ليس ضمانةً دائمةً، بل فُرصَةٌ تاريخيّةٌ قد لا تَتكرَّرُ. التَّفريطُ بها يعني التَّفريطَ بلُبنانَ.
لقد آنَ الأوانُ لعودةِ الدَّولةِ لا “السُّلطةِ”، ولعودةِ المشروعِ الوطنيِّ لا مشاريعِ الأحلافِ، ولعودةِ الرُّؤيةِ لا الارتجالاتِ. إنقاذُ لُبنانَ مُمكِنٌ، شرطَ أن نَخرُجَ مِن وَهمِ التَّعايُشِ بين الدَّولةِ ونَقيضِها، وأن نُدرِكَ أنَّ السِّيادةَ ليست شِعارًا، بل نِظامُ حياةٍ. المومنتومُ العربيُّ والدَّوليُّ يُمكِنُ أن يُعيدَ لُبنانَ دولةً، لكنَّ على اللُّبنانيّينَ أوَّلًا أن يُقَرِّروا أنَّهُم يُريدونَ فعلًا دولةً.