
بقلم : الدكتور جورج شبلي
٢٢ تشرين الثاني ٢٠٢٥
يا وطني،
أيّها النقيُّ في بكائِك، لأنّك كنتَ مؤمنًا بسلطة الحريّة، فغزاكَ عصرُ الظّلمات، وقتلَكَ المُستهتِرون بالقِيَم، القابعون في مشاريع التخلّف، ولم تَجرؤْ على تحديدِ هويّة القَتَلَة !!! عندما قُلتَ إنّ السّلام يحصّنُك، والحيادَ يمدمكُ فيكَ الدولة، أنزلوكَ الى جهنّم، وصيَّروكَ ميدانَ ضحايا، يتَّسِعُ فيه مكانٌ للجميع، وسمَّروكَ فوقَ لَحمِكَ، وقرّروا أن تَقضيَ عندَ أعتابِ صليبِك، فلم تَبكِ عليك عَين، ولم تسكنْ حجمَ قلبٍ واحدٍ جمراتُ الدّموع، ولم يُقسِم أحدٌ على أَلّا تُنزعَ من عُنُقهِ قلادتُكَ، إلّا حين يُحضَّرُ لِمَثواه الأخير.
يا وطني،
إنّك تَعبرُ ، اليوم، زمنَ تراجيديا الاستقلال، فثقافةُ الانتماءٍ إليك، لم تَعُدْ سوى ذكرى، لا مطرحَ فيها للكرامةِ بالحريّة، فقد أصبحَت نافذةً لتمريرِ الألمِ، والخيبةِ، واليأس. إنّ الاستقلالَ السِّياديَّ الذي يقرّه التاريخ، والثّقافة، والمنطق، والدمّ، واقعٌ في فَخِّ الكَذِب، والخيانة، والتملّق، وقد نَحَرَهُ بعضُ المُقيمينَ، قبلَ الأغراب، بالتَبَعيّةِ، والارتهانِ، والعَمالةِ، والاستقواء، ما وَفّرَ أرضًا قابلةً لإعادةِ النَّظرِ بِعِيدِ الجَلاء.
يا وطني،
في ذكرى الاستقلالِ، أَبحثُ عنِ العزّة، ولا أَعلمُ متى ستُرفَعُ الأَغلالُ عنها. ولا أرى إلّا تهديمَ الثقةِ بينَ الإنسانِ والأرض، ليُنكرَها عندَ صِياحِ الدِّيَكَةِ، المُزَوَّر. في ذكرى الاستقلالِ، ينبغي أنْ يُكتَبَ مقالٌ واحدٌ، تحتَ عنوان: ” يومَ بكى لبنان “. بكى، لأنّه نزفَ شهداءَ، بيعَتْ شهادتُهم في سوقِ السَّكاكينِ المأجورة. بكى، لأنّ وُكَلاءَ الخارجِ المُلَوَّثينَ بالغدرِ، سَبَوا كيانَه، وهويّتَه، وبثّوا أيديولوجيّةَ الولاءِ لفكرٍ هجينٍ مَنبوذ، ذهبَ ضحيّتَهُ كُثُرٌ مُضَلَّلون، وكُثُرٌ مُبتاعون، وكُثُرٌ وُصوليّون، وكُثُرٌ يدَّعون الوطنيّةَ وهم منها بَراء، فتلاشى التَّلاحمُ بينَهم وبينَ قِيَمِ المُواطَنة، وراحوا يُرَوِّجونَ لعقيدةٍ مُستورَدة، دافِعُهُم المصلحةُ أوِ الحقد. بكى، لأنّ نكهةَ الدَّمِ الذي سالَ لافتدائِهِ، لم يَعُدْ لها طَعم، ولم يَعُدْ لها لَونٌ في غابةِ الألوانِ المُطَفَّحَةِ بالدّسائس.
يا وطني،
في زمنِ الاستقلال، يَبِسَ النشيدُ فوقَ الشِّفاه، أبى أن تُطلقَهُ الحَناجرُ إصطناعيًا، وأَلّا يكونَ عفويًا كالإيمان. لم يَعُدْ يَعني، لبعضِ عَبَدَةِ الأَصنامِ، والمصفِّقين البُلَهاء، إلّا تَكرارًا آلِيًا، تقليديًا، فاقدَ الرَّمزيّة، فاستُعيضَ عنهُ بأناشيدَ غيرِ مفهومة، يَهدرُ إيقاعُها معَ إيقاعِ مواسمِ عمالتِهم التي نَكَبَتِ الحَجَرَ والبشر. معهم، نفخَ فيكَ، يا وطني، الشيطان، فاستغلَّ عشّاقُ السّلطةِ المتخلِّفون، والمُفلِسون وطنيًّا، والمُلَوَّثون بالدَّجَلِ والتضليل، نَواحَ النّاسِ المَحبوسينَ بالجوعِ، والعَوَز، والخوف، لينحروا فيكَ الديمقراطيةَ الحاضنةَ للحقوقِ والحريّات، ويعربدوا فوق سَيلٍ من ضحايا القهرِ الذين أُجبِروا على الصَّمتِ، أو الهجرة.
يا وطني،
إنّ استقلالَكَ لم يعدْ يرى سوى ناتِعي قلوبٍ صخريّة، حدّدوا قِيَمَ الوطنيّةِ، والأخلاقِ، بأَضدادها، وأصبحَ كيانُهم مَسكنًا مريحًا للشيطان. وبهم، تمدَّدَت مواسمُ اليباس، والعقم، والفساد، واقتُلِعَ من زِيِّ الوطنِ مشلحُ الأمل. وفيما يجري العملُ على نشرِ وباءٍ خبيثٍ، هو القهرُ، هل لا زالت الحريّاتُ تعني شيئًا، عندنا ؟
إذا كان الاستقلالُ ثورةً لرفضِ بربريّةِ الظّلم، وإذا كانت الحريّةُ تَكريسًا لتَوريثِ مواسمِ الكرامة، وحتى لا نذهبَ ونبحثَ، لنا، عن وطنٍ آخر، علينا، إذًا، أن نُخضِعَ مفهومَ الاستقلالِ لتَقييماتٍ جديدةٍ صارمة، حتى لو اضطُرِرْنا، مُجَدَّدًا، الى كتابةِ فَصلِ الاستقلالِ بالحِبرِ الأحمر.