
د. زياد الصَّائغ
٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٥
يَظهرُ مُجدّدًا أنّ العِراقَ، وعلى رأسِهِ المَرجِعُ الشّيعيُّ الأعلى السّيّد عليّ السّيستاني، يدخلُ بعمقٍ على خَطِّ الأزْمةِ اللُّبنانيّة، ولكن لا بوصفِهِ لاعبًا سياسيًّا جديدًا، بل بوصفِهِ صوتًا أخلاقيًّا مُتَّزنًا يُدركُ هشاشةَ الظرفِ الإنسانيّ الذي يعيشه اللّبنانيّون/ات، ولا سيّما أبناءُ البيئةِ الشّيعيّةِ المُنهَكةِ منذُ أشهرٍ طويلةٍ من الحربِ، والانهيارِ، والتهجيرِ، وتفكُّكِ الضماناتِ الاجتماعيّة. فالمعلوماتُ الّتي تَكشِفُ عن رسالةٍ وُجِّهت من السيّد السّيستاني إلى طِهران تُظهِرُ مستوى غير مسبوقٍ من القلقِ العميقِ على مستقبلِ شيعةِ لبنان، وتحذيرًا واضحًا مِن أنّ المرحلةَ باتت “حرِجةً جدًّا” وتحتاجُ إلى حمايةٍ عاجلةٍ تُنقِذُ المجتمعَ مِن الانزلاقِ إلى كارثةٍ جديدة.
ما قاله السيّد السّيستاني في رسالتِه، متزامِنًا مع زيارة البابا لاوُن الرَّابع عشر إلى لبنان، ليس سياسيًّا بمقدارِ ما هو حِرصٌ حَضاريّ على الإنسانِ الذي يتحوّلُ في لبنان إلى وقودٍ لصراعاتٍ لا تُنتِجُ إلّا المآسي. الدعوةُ إلى عدمِ تركِ المجتمعِ الشّيعيّ اللبنانيِّ عُرضةً لحربٍ جديدةٍ هي دعوةٌ إلى صَونِ الكرامةِ الإنسانيّةِ قبل أيِّ حسابٍ سياسيّ. وهذا المنطقُ ينسجِمُ بالكاملِ مع الرُّؤيةِ الّتي قدّمَها السيّد السّيستاني للبابا فرنسيس خلال زيارته التاريخيّة إلى النَّجف عامّ ٢٠١٩، حينَ أعلنا معًا أنّ الإنسانَ هو محورُ الهويّةِ الحَضاريّة، وأنَّ المواطَنةَ هي البابُ الوحيدُ لِصَونِ الدولةِ وتماسكِها، وأنَّ تحويلَ المجتمعاتِ إلى ساحاتِ عنفٍ عبَثيٍّ يُدمّرُ الشُّعوبَ قبل أن يُغيّرَ خرائطَ السِّياسة.
هذه الرُّؤيةُ تعودُ اليوم بقوةٍ في مقاربةِ القضيَّة اللُّبنانيَّة. فحينَ يُحذّرُ السيّد السّيستانيُّ مِن موجاتِ تهجيرٍ إضافيّةٍ قد تصيبُ شيعةَ لبنان في بيروت والجنوبِ والبقاع، ويُنَبّهُ إلى خطرِ انهيارِ البُنى الاجتماعيّةِ تحت ضغطِ الحربِ واستحالةِ العودةِ إلى المنازلِ المُدمَّرةِ، فإنّه يُعيدُ التذكيرَ بأنَّ الإنسان هو القيمةُ الأولى، وأنّ السّلطةَ وأدواتِها تفقدُ معناها إذا كان ثمنُها تفتُّتَ النّاسِ وتشريدَهم وفقدانَهم أبسطَ مقوّماتِ العيشِ الآمنِ. وهذا تمامًا ما نبّه إليه السيّد السّيستاني في لقائه مع البابا: “لا تُستعمَلُ الحروبُ لفرضِ الهُويّات، لأنّ الهُويّةَ الحقيقيةَ تُولَدُ مِن احترامِ الإنسانِ وحياتِه وحُرّيّاتِه.”
يتقاطعُ هذا الموقفُ المُرتفعُ مع هواجس عدَّة يُعبِّرُ عنها أكثر من مرجعيَّة شيعيَّة، مشدّدين على أنّ البيئةَ الشّيعيّةَ في لبنان تعيشُ نفقًا مُظلِمًا من التّعَبِ والدمارِ والضغطِ الاجتماعيّ والسياسيّ، وأنّ أيّ حربٍ جديدةٍ ستكونُ ضربةً قاصمةً لا يُمكنُ احتمالُها. في المقابل الرَّدُّ الإيرانيّ يبدو مُلتبِسًا، بينَ تأكيدٍ على “سِيادة القرار اللّبنانيّ” وضرورةِ أن “يُحدّدَ اللّبنانيّون خياراتِهم بأنفسِهم”، وبينَ تشديدٍ على أنّ الوقتَ غيرُ مناسبٍ للاستعجالِ في أيّ تفاوُض، وأنّ “الصّمودَ” ممكنٌ ريثما تتّضِحُ مساراتُ الإقليم، ما يَجعَلُ لبنان ورقة وساطة.
هذا الالتباسُ يُعيدُ طرحَ السّؤالِ الوجوديّ الذي يلاحقُ لبنان منذ سنوات، هل يجوزُ لمجتمعٍ كاملٍ أن ينتظرَ تبدّلَ المشهدِ الإقليميّ-الدّوليّ فيما أمنُهُ مأزومٌ، وناسُهُ مشرَّدون، وبلداتُه مدمَّرة، ومؤسّساتُه منهارة؟ هنا يبرزُ صوتُ السيِّد السّيستانيّ بوصفِهِ صوتَ الضّميرِ الذي يخرُجُ من منطقِ الاصطفافاتِ المتبادلةِ ليُذكّرَ بأنّ “حمايةَ المجتمع” ليست تفصيلًا، بل هي الأساسُ الذي تُبنى عليه أيُّ شرعيّةٍ سياسيّةٍ أو دينية. فالدّولُ لا تُقاسُ بسيطرةِ السّلاح، بل بقدرتِها على صونِ المدنيّين وحمايتِهم ومنعِ تدميرِ نسيجِهم الاجتماعيّ.
إنّ قراءةَ هذه الرسالةِ ليست حدثًا عابرًا، بل هي محطةٌ تُعيدُ الاعتبارَ إلى معنى لبنان في عمقِه الحَضاريّ. فلبنانُ الّذي تكلّم عنه البابا فرنسيس في الفاتيكان وفي جولاته الدّوليَّة المتعدّدة، ولبنانُ الذي لطالما كان “وطَنَ الرّسالةِ” و”فضاءَ المواطَنةِ الحُرّة الحاضنة للتنوّع”، هو بلدٌ لا يمكنُ له أن يعيشَ في ظلّ العَسكَرةِ الدّائمةِ وتَحويلِ الطّوائفِ إلى جيوشٍ أو ساحاتٍ للنيابةِ عن الغَير. الهُويّةُ اللّبنانيّةُ الحَقّةُ لا تتشكّلُ مِن فائضِ القوّة، بل مِن فائضِ القيم. قيمة الحريَّة، قيمةِ الإنسانِ، وقيمةِ الدّولةِ، وقيمةِ الدّستورِ الذي يحفظُ الجميعَ ويصونُ تنوُّعَهم.
لا يحتاجُ لبنانُ اليوم إلى مزيدٍ من الشِّعاراتِ، بل إلى هذا النَّفَسِ الأخلاقيِّ الذي حملتْهُ رسالةُ السيّد السّيستاني. نَفَسٌ يُدافِعُ عن الحياةِ ضدَّ العبَث، وعن المصلحةِ الوطنيّةِ ضدَّ الارتهان، وعن المجتمعِ ضدَّ تحوّله إلى وقودٍ في صراعاتٍ خارجيّةٍ لا تُشبِعُ إلّا أطماعًا أيديولوجيّة، وعن الدَّولة ضدّ اللَّادولة، فحينَ يتقدّمُ صوتُ الحِكمةِ على صوتِ الحديدِ، تُعادُ صياغةُ البوصلة. وحينَ يُصبِحُ الإنسانُ أوّلَويّةً، تَسقُطُ كلُّ الحساباتِ التي ترى في الطّوائفِ جبهاتٍ، وفي الأحياءِ ساحاتٍ وفي النّاسِ أرقامًا خدمَة لمآرب أيديولوجيَّة وطموحات نفوذ.
من هنا، تبدو رسالةُ السيِّد السّيستانيّ دعوةً لِلبنان إلى العودةِ إلى ذاتِهِ، إلى رسالتِهِ، وإلى شراكتِهِ في المعيَّة النموذجيَّة، وإلى حُرّيّتِهِ، وإلى هُويّتِهِ الحَضاريّةِ التي تتقدّمُ على كلِّ مشاريعِ العنفِ والوصايةِ والتّقويض. هي دعوةٌ تقولُ بوضوح: “إحمُوا المجتمعَ… ينهضِ الوطنُ. وإذا ضاعَ المجتمعُ، سيسقطُ كلُّ شيءٍ آخر.” الدَّولة، وحدها الدَّولة، تحمي المجتمع تحت سقفِ الدّستور والشرعيتين العربيَّة والدَّوليَّة.