الدكتورة منى فيّاض
٤ كانون الاول ٢٠٢٥
أستاذة محاضرة، كاتبة وناشطة
في أسبوع واحد فقط، تمكّن لبنان من ضغط الزمن، وحوّل أيامه القليلة إلى مرآة واسعة تعكس كل تناقضاته دفعة واحدة. كأن البلد يعيش في مسرح تتعاقب فيه المشاهد من دون فواصل، فلا يعرف المتفرّج من أين يبدأ المشهد الأول ولا أين ينتهي الأخير.
خلال أيام قليلة، توالت الأخبار كأنها موجات صغيرة تتراكم لتصنع عاصفة واحدة.
قبل أيام، وقع اغتيال طباطبائي، المسؤول البارز في حزب الله. حدثٌ كبير في العادة، يفترض أن يترك أثراً سياسياً أو ميدانياً واضحاً. لكن المشهد هذه المرة بدا مختلفاً: ردود الفعل عادية، الخطاب المعتاد، الجمهور في المنطقة نفس الجمهور، الكادرات نفسها، واللغة نفسها. بدا الاغتيال، رغم حجمه، كحلقة مألوفة في سلسلة طويلة من التصفيات والتوترات التي فقدت قدرتها على هزّ المشهد. كأنّ الاغتيالات لم تعد تُفاجئ أحداً، لا داخل الحزب ولا خارجه. كل شيء يستمر كما لو أن ما جرى ليس سوى بند رابع أو خامس في جدول أعمال روتيني.
قبل ذلك، جاء خبر القبض على نوح زعيتر، الرجل الذي كان وجوده في حدّ ذاته مثالاً نموذجياً على غياب الدولة أو «تعايشها» مع اللاشرعية. ومع الخبر بدأت تتسرّب روايات عن تجار مخدرات يرغبون بتسليم أنفسهم لأن الغطاء السياسي والأمني رُفع عنهم فجأة. ليس بدافع الندم، بل لأنهم شعروا أن حياتهم باتت مهددة وأن من كان يحميهم باعهم في لحظة. بعضُهم قالها بوضوح: “باعونا لدول عربية.”
ثم اكتمل المشهد باتساع التساؤلات: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه السرعة؟ وما الذي تغيّر فعلياً؟ كأن هناك ترتيباً جديداً في الأفق، خارجياً ربما، لكن تأثيره يظهر هنا، على الأرض اللبنانية، في شكل عمليات توقيف وسقوط حصانات وارتباك في شبكات طالما بدت محصنة.
وفي ذروة كل هذه الفوضى المنظمة، فاجأنا خبر: ديوان المحاسبة يغرّم وزراء سابقين بملايين الدولارات. مرة أخرى بدا الخبر كبيراً من حيث الشكل، لكنه يطفو فوق بنية سياسية لم تتغيّر.
وكأن الدولة تحاول القول إنها موجودة، وإنها قادرة على المحاسبة، لكنها تقول ذلك فوق أرض رخوة، فوق نظام لا يزال عالقاً في منطق القوة، وفي ظل حرب معلّقة فوق رؤوس الجميع.
ومع أنّ هذا التسلسل الزمني حصل خلال أسبوع واحد، إلا أن تأثيره على جمهور الحزب كان شبه معدوم. لم يتغير شيء: لا النظرة، ولا الخطاب، وكأن كل ما يجري يحدث «هناك» وليس «هنا». حتى محاولة الدول الصديقة – مصر والسعودية- بذل جهد فعلي لوقف حرب إسرائيلية محتملة على لبنان، لم تُواجه لدى البعض إلا بمزيد من التصلب، حدّ قول أحد أصوات الحزب: “الاحتلال أفضل من الاستسلام”. جملة تكشف ضيق الأفق، وانسداد الخيال، وافتقار البيئة لمفهوم الدولة والهدنة والسلام.
ثم تأتي تلك النكتة التي تُقال بجدية: “الجنين يصرخ في بطن أمه: لبيك نصرالله”!!
هذه ليست مبالغة بقدر ما هي تعبير عن عقل يعيش داخل الحرب أكثر مما يعيش داخل الزمن. عقل يربّي أبناءه على سردية واحدة قبل أن يتعلموا الكلام.
هم لا يفهمون معنى الهدنة. الهدنة ليست خيانة، ولا انكساراً، ولا نهاية للصراع. الهدنة، كما كتب بوتول في “هذه هي الحرب”، ليست أكثر من “زمن بين حربين”، فسحة صغيرة، لكنها ضرورية لإعادة التفكير، لالتقاط الأنفاس، وربما لتجنّب الأسوأ. غير أن من عاش عمره كله في الحرب وبواسطتها، لا يرى الهدنة إلا بوصفها تهديداً لوجوده، كأنها تُصادر منه تعريفه لنفسه.
كيف تشرح قيمة الهدنة لرجل لم يتعلم سوى لغة الخنادق؟ كيف تعيد همنغواي من الجبهة إلى صبيحة هادئة عادية؟ وكيف يمكن لمقاتل قضى نصف حياته في الحرب أن يتخيّل مستقبلاً لا يمرّ عبر فوهة السلاح؟
هذه الأسئلة ليست أدبية فقط، بل وجودية. لأنها تعكس بنية كاملة: الأجيال تتغيّر، لكن البنية التي تنتج الحرب لا تتبدّل. زمن جامد وستاتيكي.
تتبدّل الوجوه، تتغيّر التحالفات والمعادلات، يتبدل المشهد الإقليمي، ولكن الهيكل الذي يحكم الداخل يبقى هو ذاته. الهيكل الذي يمنع المحاسبة من التحوّل إلى عدالة، ويحوّل القبض على زعيتر إلى استثناء، ويجعل اغتيال طباطبائي حدثاً بلا أثر، ويُبقي لبنان رهينة سردية الحرب مهما تغيّر الزمن من حوله.
ما ينقص لبنان ليس حدثاً كبيراً، بل تحوّل ذهني، قدرة على كسر القالب الذي وُضع فيه الناس منذ عقود، على رؤية الحياة خارج الحرب، والنظر إلى الدولة بوصفها سلطة عامة لا مجرد تفصيل في مواجهة أكبر.
إلى أن يحدث ذلك، سيظل المشهد يعيد نفسه: أسبوع من الأحداث الكبيرة، بلا أثر كبير. محاسبة بلا دولة، حرب بلا نهاية، وناسٌ ينتظرون… علّ شيئاً يتغيّر يوماً ما، ليس في الأخبار، بل في الوعي نفسه.