
د. زياد الصَّائغ
٤ كانون الاول ٢٠٢٥
لم تَكُن زيارةُ البابا لاوُن الرَّابع عشر إلى لُبنانَ محطَّةً بروتوكوليَّةً عابرةً، بَل لحظةً كاشِفةً استعادت فيها الرِّسالةُ معناها، والدولةُ سؤالها، والمجتمعُ دورَه. من بين الإشاراتِ العميقةِ الَّتي تَبرُزُ تلك الَّتي وجَّهها الحبرُ الأعظمُ نحو الاغترابِ اللُّبنانيّ، وكأنَّه أراد أن يُعيد صوغَ المعادلةِ الوطنيَّةِ على أساسٍ يتجاوز الجغرافيا، ليَستعيدَ الإنسانُ اللُّبنانيُّ دوره أينما كان.
إنَّ الاغترابَ اللُّبنانيّ ليس حالةً عدديَّةً، ولا امتداداً ماليّاً فقط، بَل هو طاقةٌ حضاريَّةٌ مُتنقِّلةٌ، تحملُ معها لُبنانَ إلى العالمِ كما يحمل العالمُ إلى لُبنان. وإنَّ تأكيدَ البابا لاوُن على أنّ “قوَّةَ لُبنانَ في بناتِه وأبنائِهِ المغتربين/ات أيضاً”، هو إعلانٌ مُباشرٌ بأنَّ خلاصَ هذا الوطنِ لا يمكن أن يبقى أسيرَ حدودِهِ المُنهَكة، ولا رهينةَ منظومتِهِ المتآكلة، بل يحتاجُ إلى قواه المجتمعيَّة الحيَّة الممتدّة عبر القارّات.
كلامُ البابا لاوُن عميق. لا نهوضَ للدولةِ من دونِ إعادةِ توحيدِ اللُّبنانيين، في الداخلِ والاغترابِ، حول مشروعِ مواطنةٍ سيِّدةٍ حُرَّةٍ عادلةٍ مستقِلَّة. ولأنَّ الأزمةَ ليست اقتصاديَّةً أو سياسيَّةً فقط، بل أزمةٌ ذات معنى سياديّ ووجهة دستوريَّة، فإنَّ الاغترابَ يُشكِّلُ أحدَ أعمدةِ هذا المعنى، بل أحدَ ركائزِ استعادةِ البوصلة الدّولتيَّة.
في خطابِ البابا لاوُن ما يتجاوزُ الإرشادَ الروحيَّ إلى الرَّمزِ السياسيّ. إذ حين يُشيرُ إلى مسؤوليَّةِ أبناءِ لُبنانَ المنتشرين/ات في العالم، فإنَّه يُعيدُ تفعيلَ دورِهم كقوَّةِ ضغطٍ دوليَّةٍ، ودبلوماسيَّةٍ عامَّةٍ، ورافعةِ رأيٍ عامّ عالميّ، قادرةٍ على حمايةِ فكرةِ لُبنانَ حين تُحاصَر في الداخل.
الاغترابُ اللُّبنانيّ قادرٌ، إن امتلكَ الرؤيةَ، على إعادةِ وصلِ ما انقطع بين لُبنانَ والعالَم. قادرٌ على حمايةِ الهويَّةِ الدستوريَّةِ، وتعزيزِ مسارِ السِّيادةِ، والدفعِ نحو تطبيقِ القراراتِ الدوليَّة، وتحصينِ خيارِ الدولةِ الواحدةِ، والجيشِ الواحدِ، والقرارِ الواحد، وهو أيضاً قادرٌ على مساندةِ القوى الإصلاحيَّةِ السِّياديَّة في الداخل، وعلى توفيرِ الدعمِ السياسيِّ والمعنويِّ والاقتصاديِّ لمن يقاومون السقوطَ في مستنقعِ الفساد–السِّلاح.
من هنا، تتأكَّدُ أهمِّيَّةُ مشاركةِ الاغترابِ في الاستحقاقاتِ الدستوريَّةِ، ولا سيَّما في الانتخاباتِ النيابيَّةِ المقبلة، بوصفها معركةً على معنى الدولةِ لا على مقاعدٍ في البرلمان. فالمنتشرون/ات ليسوا جمهوراً انتخابيّاً إضافيّاً، بل هم شُركاءُ/يكات في إعادةِ بناءِ التوازنات، وتحويلِ التغييرِ من شعارٍ إلى مسارٍ.
غادرَ البابا لاوُن الرَّابع عشر تاركاً فينا سؤالاً ومسؤوليَّة. كيف نُحوِّلُ بركةَ الزيارةِ إلى التزامٍ وطنيّ، وكيف نُفعِّل دورَ الاغترابِ بما يحفظُ لُبنانَ الرسالة، وكرامة اللّبنانيين/ات، وللعالَم نموذجاً في العيشِ المشترك في الحريَّة والسَّلام؟
إنَّها لحظةٌ تاريخيَّةٌ تَفرِضُ أن نلتقي جميعاً، مقيمين ومغتربين، على مشروعِ إنقاذٍ وطنيّ، يَستعيدُ لُبنانَ كياناً ودولةً ورسالةً. مستقبلُ الوطنِ، كما قال الحبرُ الأعظمُ، ليس فيما نملكُ فقط، بل فيما نُقرِّرُ أن نكونَه. رُسُل سلام.