
د. زياد الصَّائغ
٨ كانون الثاني ٢٠٢٦
حَول فُرصةِ لبنانَ المُتبقِّيَّةِ: شرعيَّة الإغتِراب!
لم يَعُدِ السؤالُ في لبنانَ مُنحصِرًا بإمكانِ الخروجِ من الانهيارِ، بل بقدرةِ الدَّولةِ على التقاطِ آخرِ فُرصةٍ مُتاحَةٍ قبلَ تحوُّلِ الانكشافِ الشاملِ إلى واقعٍ دائمٍ. في هذا السياقِ الدقيقِ، يَبرزُ الإغترابُ اللبنانيُّ لا كعاملِ دعمٍ مُسانِدٍ، بل كأحدِ عناصرِ إعادةِ تعريفِ المعادلةِ الوطنيَّةِ، وكبوصلةٍ تُسهمُ في إعادةِ توجيهِ لبنانَ من موقعِ السَّاحةِ إلى موقعِ الدَّولةِ. الإغتِراب يُحدِّدُ بدقَّة شرعيَّة الدَّولة.
الإغترابُ، في معناهِ السِّياساتيِّ، ليسَ مُجرَّدَ تجمُّعٍ بشريٍّ خارجَ الحدودِ، بل هو مجالُ نفوذٍ سياديٍّ غيرِ مُستثمَرٍ بعدُ بصورةٍ منهجيَّةٍ. فلبنانيُّو الخارجِ يَنتشِرونَ في دولٍ فاعلةٍ سياسيًّا واقتصاديًّا، ويَمتلِكونَ أدواتِ وصولٍ إلى البرلماناتِ، ومراكزِ القرارِ، ودوائرِ التأثيرِ الإعلاميِّ والبحثيِّ. غيرَ أنَّ هذهِ القوَّةَ بقيت، حتَّى الآنَ، تتطلَّبُ إعادة هيكلة فاعِلة في إطارٍ وطنيٍّ جامعٍ يُحوِّلُها إلى رافعةِ مبادرةٍ دبلوماسيَّةٍ منظَّمَةٍ.
تَكمُنُ الفُرصةُ في الانتقالِ من منطقِ الإغترابِ المُتضامِنِ عاطفيًّا إلى منطقِ الإغترابِ الفاعلِ سياساتيًّا. الدبلوماسيَّةُ الإغترابيَّةُ لا تُقاسُ بحجمِ البياناتِ ولا بعددِ المبادراتِ الموسميَّةِ، بل بقدرتِها على إنتاجِ سرديَّةٍ سياديَّةٍ مُتماسِكةٍ تُخاطِبُ العالمَ بلغةِ المصالحِ والاستقرارِ والشرعيَّةِ الدستوريَّةِ. لبنانُ اليومَ بحاجةٍ إلى من يُعيدُ طرحَ قضيَّتهِ كقضيَّةِ دولةٍ مُعطَّلةٍ لا كدولةٍ فاشلةٍ، وككيانٍ قابلٍ للاستعادةِ لا كساحةٍ مُقدَّرٍ لها التآكلُ المستمرُّ.
من هنا، يَتقدَّمُ دورُ الإغترابِ في إعادةِ تموضعِ لبنانَ على الخارطةِ الدوليَّةِ. فبدلَ أن يبقى رهينةَ التقاريرِ السلبيَّةِ والانطباعاتِ المُسبَقةِ، يمكنُ للإغترابِ أن يُسهمَ في إعادةِ صوغِ صورةٍ واقعيَّةٍ تُظهِرُ مكامنَ القوَّةِ الكامنةِ في المجتمعِ اللبنانيِّ، وتُبرِزُ وجودَ مشروعِ دولةٍ مُضادٍّ لمنطقِ اللَّادولةِ. هذهِ المهمَّةُ تَستوجِبُ حضورًا إغترابيًّا مُنظَّمًا في مراكزِ الأبحاثِ، والجامعاتِ، والمنتدياتِ السِّياساتيَّةِ، حيثُ تُصاغُ التوجُّهاتُ وتُبنى السِّياساتُ.
غيرَ أنَّ أيَّ فاعليَّةٍ إغترابيَّةٍ تبقى منقوصةً ما لم تُربَطْ بأجندةٍ وطنيَّةٍ واضحةِ المعالِمِ. فالمطلوبُ ليسَ تَعدُّدَ المبادراتِ، بل وحدةُ الوجهةِ. دولةُ المواطنةِ السَّيِّدةِ الحُرَّةِ العادِلَةِ المستقلَّةِ ليست شعارًا تجميليًّا، بل إطارًا ناظمًا يُحدِّدُ أولويَّاتِ التحرُّكِ الإغترابيِّ، من الدفاعِ عن الدستورِ، إلى تثبيتِ مرجعيَّةِ المؤسَّساتِ، وصولًا إلى حصرِ السِّيادةِ الأمنيَّةِ والعسكريَّةِ بيدِ الدَّولةِ وحدَها، كشرطٍ لا استقرارَ من دونِهِ.
كما يَمتلِكُ الإغترابُ دورًا أساسيًّا في ربطِ الدعمِ الدوليِّ بالإصلاحِ الحقيقيِّ، لا بالإدارةِ المؤقَّتةِ للأزمةِ. فإعادةُ هيكلةِ الماليَّةِ العامَّةِ، واستقلالُ القضاءِ، وإصلاحُ الإدارةِ، ليست ملفَّاتٍ تقنيَّةً فحسبُ، بل معاييرُ سياديَّةٌ لقياسِ جديَّةِ أيِّ مسارِ إنقاذٍ. وهنا، يستطيعُ الإغترابُ أن يُشكِّلَ جسرَ ثقةٍ بينَ الداخلِ اللبنانيِّ والمجتمعِ الدوليِّ، شرطَ ألَّا يتحوَّلَ إلى وسيطِ تبريرٍ أو تغطيةٍ.
في المقابلِ، تَبرزُ الحاجةُ إلى إعادةِ تنظيمِ العلاقةِ بينَ الدَّولةِ والإغترابِ على قاعدةِ الشراكةِ لا التبعيَّةِ. فالإغترابُ ليسَ ملحقًا إداريًّا، ولا خزانَ تعبئةٍ انتخابيَّةٍ ظرفيَّةٍ، بل شريكٌ في صياغةِ المصلحةِ الوطنيَّةِ العليا. غيابُ هذا الفهمِ هو ما أضاعَ، تاريخيًّا، فرصًا عديدةً كان يمكنُ أن تُشكِّلَ نقاطَ تحوُّلٍ في المسارِ اللبنانيِّ. إنتخابات 2026 مفصليَّة، وإقتراعُ الإغتراب فيها استراتيجيّ بالمعنى السّيادي والإصلاحيّ والتّغييريّ.
إنَّ فُرصةَ لبنانَ المُتبقِّيَةَ ليست مفتوحةً على التمديدِ، ولا قابلةً للاستهلاكِ البطيءِ. تحويلُ الإغترابِ إلى شرعيَّة وطنيَّةٍ يَفترضُ قرارًا واعيًا بالخروجِ من التردُّدِ، والانتقالِ من إدارةِ الانهيارِ إلى مشروعِ استعادةِ الدَّولةِ. فإمَّا أن يُستثمَرَ هذا الرصيدُ الإغترابيُّ الآنَ، وإمَّا أن يُضافَ إلى قائمةِ الفرصِ المهدورةِ في تاريخِ لبنانَ الحديثِ.