
د. زياد الصَّائغ
١٦ كانون الثاني ٢٠٢٦
الدِّيناميَّةُ العربيَّةُ–الدُّوليَّةُ وخياراتُ سيادةِ الدُّستور!
يحتاجُ لبنان إلى دَعمٍ عربيٍّ–دوليٍّ. اللَّجنةِ الخُماسيَّةِ االعَربيَّة-الدَّوليَّة توفِّرُ له هذا الدَّعم. لكنَّ السؤال يتعلَّق بطبيعةِ هذا الدَّورِ وحدودِه، وبمدى قدرتِه على كسرِ حلقةِ الميوعةِ الدَّاخليَّةِ التي حوَّلتِ الدُّستورَ من مرجعيَّةٍ سياديَّةٍ مُلزِمةٍ إلى نصٍّ خاضعٍ للتَّأويلِ الانتقائيِّ. الأزمةُ اللُّبنانيَّةُ لم تَعُدْ أزمةَ مواردٍ أو إدارةٍ فقط، بل أزمةَ معيارٍ دستوريٍّ مُعطَّلٍ، وخيارٍ سياديٍّ غير واضِح مُهَلِ التحقّق الزمنيَّة، في ظلِّ تشابُكِ المصالحِ الدَّاخليَّةِ مع حساباتٍ إقليميَّةٍ ودوليَّةٍ مُتغيِّرةٍ.
في هذا السِّياقِ، يبرز دورُ اللَّجنةِ الخُماسيَّةِ كمحاولةٍ لإعادةِ إدخالِ العاملِ السِّياديِّ إلى معادلةِ القرارِ اللُّبنانيِّ، لا من بابِ الوصايةِ أو الاستبدالِ، بل من خلالِ تثبيتِ القواعدِ الدُّستوريَّةِ كمرجعيَّةٍ غيرِ قابلةٍ للتَّسييلِ أو التَّجزئةِ. لم تَأتِ هذه الدِّيناميَّة لإدارةِ أزمةٍ مُزمنةٍ، بل لمواجهةِ نمطٍ مُترسِّخٍ من تعطيلِ المؤسَّساتِ عبرَ تحويلِ الخلافِ السِّياسيِّ إلى أداةِ شللٍ دائمٍ.
إنَّ خطورةَ بعض الميوعةِ الدَّاخليَّةِ والمُسايَرة لا تكمُن في تعدُّدِ القراءاتِ السِّياسيَّةِ بحدِّ ذاتِها، بل في تحويلِها إلى بديلٍ عن النَّصِّ الدُّستوريِّ نفسِه. هُنا تحديدًا، يَكمُنُ جوهرُ الرِّهانِ العربيِّ–الدُّوليِّ، والمتمثِّلِ في إعادةِ الاعتبارِ للدُّستورِ بوصفِه سقفًا جامعًا، لا مادَّةً تفاوضيَّةً خاضعةً لموازينِ القُوَّةِ الظَّرفيَّةِ. الدَّولةُ لا تُبنى على تسوياتٍ هشَّةٍ، بل على قواعدَ مُلزِمةٍ تُطبَّقُ على الجميعِ دونَ استثناءٍ.
سَعَتِ اللَّجنةُ الخُماسيَّةُ العربيّة-الدُّوليَّةُ، عبرَ خطابٍ سياسيٍّ محسوبٍ وأدواتِ ضغطٍ ناعمةٍ، إلى كبحِ منطقِ التَّطييفِ الدَّستوريِّ، وإعادةِ توجيهِ النِّقاشِ نحوَ مفهومِ دولةِ المواطنةِ، حيثُ لا تعلو أيُّ شرعيَّةٍ على شرعيَّةِ الدُّستورِ، وعلى حصريَّة السِّلاح بيد الدَّولة، وعلى مقتضيات الإصلاح. أتى ذلك من خلال تمسّكها ببيانات القمم العربيّة كما قرارات مجلس الأمن الدَّولي ذات الصِّلة بلبنان (1559،1680،1701). يأتي هذا التَّوجُّهُ في سياقِ إدراكٍ عربيٍّ-دوليٍّ متزايدٍ بأنَّ استقرارَ لبنانَ لا يَمرُّ عبرَ إعادةِ تدويرِ المنظومةِ نفسِها، بل عبرَ إحداثِ اختراقٍ في بنيةِ القرارِ السِّياديِّ، وإعادةِ وصلِه بالشرعيَّةِ الدُّستوريَّةِ.
غيرَ أنَّ الرِّهانَ على الدِّيناميَّةِ الخارجيَّةِ وحدَها، يظلُّ ناقصًا ما لم يَترافقْ مع إرادةٍ داخليَّةٍ واضحةٍ، في استعادة جديَّة أبعد من شعاراتيَّة للمعنى الدُّستوريِّ للحُكمِ. الدَّعمُ العربيُّ–الدُّوليُّ لا يُشكِّلُ بديلًا عن الفعلِ السِّياسيِّ الوطنيِّ، بل يُفترَضُ أن يكونَ مُحفِّزًا له. ثمَّ إنّ هذا الدّعم يفقدُ فاعليَّتَه متى تحوَّلَ إلى مظلَّةِ انتظارٍ أو ذريعةٍ لتوسيع دائرة التفاوض حول الاستحقاقاتِ بدلَ إنجازِها.
إنَّ سيادةَ الدُّستورِ ليست شعارًا يُرفَعُ عندَ الحاجةِ، بل ممارسةٌ يوميَّةٌ تُقاسُ بمدى احترامِ الآليَّاتِ الدُّستوريَّةِ وتفعيلِ المؤسَّساتِ، لا بتعليقِها تحتَ عناوينَ توافقيَّةٍ فضفاضةٍ. ومن هنا، تتحدَّدُ وظيفةُ الدِّيناميَّةِ العربيَّةِ–الدُّوليَّةِ في إعادةِ ضبطِ البوصلةِ الوطنيَّةِ، لا في افتِعال مساراتٍ جاهزةٍ أو حلولٍ مُعلَّبةٍ.
خلاصةُ القولِ إنَّ لبنانَ يقفُ اليومَ أمامَ مفترقِ خياراتٍ واضحٍ، فإمَّا الاستمرارُ في تأجيل القيامة تحتَ غطاءِ مفاوضات داخليَّةٍ مُزمنةٍ قد تتلطّى مستقبلًا بطاولة حِوار يسوسُها شِعارُ “التوافقيّة”، وإمَّا التقاطُ الفرصةِ التي تُتيحُها الدِّيناميَّةُ العربيَّةُ–الدُّوليَّةُ للعودةِ إلى منطقِ الدَّولةِ، دولةِ المواطنةِ السِّيِّدةِ الحُرَّةِ العادلةِ المُستقلَّةِ. وفي هذا الخيارِ بالذَّاتِ، يَكمُنُ الرِّهانُ الحقيقيُّ، لا على الخارجِ، بل على قدرةِ اللُّبنانيِّينَ/ات أنفسِهم على إعادةِ بناءِ عقدِهم الدُّستوريِّ على أُسسٍ صلبةٍ ومستدامة.