
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
١٧ كانون الثاني ٢٠٢٦
من إفلاس بنك “آيَـنـدَه” الإيراني، إلى إفلاس “بنك المدينة” اللبناني:
فتاوى تحليل سرقة الشعوب على يد الحرس الثوري الإيراني
ربطت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكيّة بين إفلاس بنك “آيندة” الإيراني في نهاية ٢٠٢٥، وهبوط إيران إلى دوّامة جحيميّة، فلم يكن، بحسب المقال الغضب المكبوت للمعارضة، ولا الآمال المُحبَطة للشباب المُتعطّش للحريّة ما شكّل بداية سقوط إيران، بل إفلاس هذا المصرف الذي يديره مُقرّبون من النظام، والذي لم يستطعْ أن يستردَّ القروض الممنوحة للمقرّبين، والمحظيّين، فغرق تحت ٥ مليارات من الخسائر، فقامت الحكومة بنقل “جثة” هذا المصرف إلى بنك حكومي قام بطبع كميّات هائلة من العملة الورقية لإخفاء الخسائر، فانهارت العملة، وأصيب المودعون، الذين وُعِدوا بفوائد خياليّة على ودائعهم، بخسارة مُدوّية، وبينهم الكثير من التجار، ولهذا رأينا البازار يشارك في الانتفاضة الشعبيّة لأوّل مرة، فهو الذي كان في أساس الثورة على الشاه ورافعة النظام الخُمَينيّ حتى اليوم.
المايسترو واحد، والضحايا شعوب دول المحور
الحرس الثوري الإيراني هو المايسترو، هو الجسم العسكري الموازي للجيش الإيراني، والجسم المالي والاقتصادي الموازي لمؤسّسات الدولة، يأتمر بالوليِّ الفقيه مباشرةً، يملك المؤسّسات التي تحكم في نظام السلطةِ “الإلهيّة”!
ولمّا كانت الأذرع جزءاً لا يتجزّأ من هذا الحرس، فهي تمارس السلطة “الموازية”، كالحرس الثوري، فلا همّ من يحكم “صوريّاً”، فرؤساء الجمهوريّة المنتخبون في إيران، او في بغداد، أو في لبنان، مثلاً، هم مُجرّد فولكلور شكلي، وعلى هذه السلطة الموازية أن تُحصّن سيطرتها عبر التسلّل للمواقع الحسّاسة في الدولة!
تبعاً لذلك، نفّذ حزب الله هذه المهمّة الإيديولوجيّة ببراعة، فتسلّل إلى المراكز الحسّاسة في الجيش والقوى الأمنيّة، والمحكمة العسكريّة، والقضاء، والمصرف المركزي، والوزارات الأساسيّة، وتشرعنَ في المجلس النيابي.. لا لشيء، إلا ليقبض على القرارات السياديّة الوطنيّة، وليدفع بالمؤسّسات كي تكون سلطتها الرسميّة “صُوريّة”، مُعلّقة على جِدارِ بعبدا، فيما السلطة الفعليّة موجودةٌ في “أنفاقِ” الضاحِيَة المُظلِمة!
من يشكّل خطراً على هذا المشروع يُقتل، من رفيق الحريري، مروراً بشهداء ١٤ آذار، حتى لُقمان سليم، يبقى العصبَ الأساسي وهو المال، وفي ظِلِّ العقوبات الدوليّة المفروضة على النظام الإيراني، وعلى ذراعه حزب الله، وبما أنّ النظام المصرفي اللبناني فاعل، فلا بُدَّ من خرق هذا النظام، لتبييض، وتهريب الأموال، وكل ما هو مطلوب: شيعة الممانعة في وزارة المال ومصرف لبنان، والتحالف مع الفساد، وخلقُ اقتصاد مُوازٍ مُتفلّت من الضرائب، واستباحة الحدود البريّةِ والبحريّة والجويّةِ للتهريب على أشكاله، والأهم، التشبّث بمنصب “المدعي العام المالي”!
طلائعُ الانهيار المالي في لبنان بدأت مع إفلاس بنك المدينة
كلنا نذكر كم كان غضب السيّد حسن نصرالله كبيراً إبّان ثورة اللبنانيّين بعد ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩، فأرسل مسلّحيه لضرب المتظاهرين، فاستعملوا، مع “شرطة المجلس” (والتي لا تتصرف كوحدة أمنيّة رسميّة، بل كميليشيا) كُلَّ وسائلِ الترهيب والقمع، لا لشيء، إلا لأنّ عُنوانَ الثورة الأساس هو الفساد، وبدون هذا الفساد، حليف السلاح، يسقط تمويلُ الحزب، أي ذراع الحرس الثوري، ومشروعُهُ في كونه، لا الدويلة، كما يسمّيه مُعارضوه، بل الدولة الفعليّة داخل الدولة الصُوريّة!
إفلاس بنك المدينة سنة ٢٠٠٣، قُبيلَ خروج سوريا الأسد من لبنان، لصاحبيه عدنان وابراهيم أبو عيّاش، أتى قبل ١٦ سنة من ثورة تشرين، ولم ينتهِ فُصولاً بعد، ولن ينتهي إلا بعد حصر السلاح، لأنّ الفضيحة تطال ١٣٥ شخصاً، بما في ذلك شخصيّات سياسيّة وعسكريّة وماليّة وقانونيّة، وما رنا قليلات المتهمة إلا واجهة لتغطية المتهمين الحقيقيّين المرتبطين بحزب الله وشريكه النظام الأمني اللبناني-السوري، ولقد تمَّ ربط الأموال المفقودة بقضايا كثيرة، تبدأ بالسرقة، وتبييض الأموال، وتنتهي بالشبهة في استعمالها في اغتيال رفيق الحريري سنة ٢٠٠٥.
كما أُوقف تعامل البنك اللبناني-الكندي مع كل المصارف اللبنانيّة، وكان الخامس في الترتيب في حجم موجوداته التي تجاوزت الـ ٥ مليارات، وتمّت تصفيتُه سنة ٢٠١٣ لتورطه بتبييض الأموال، وبنقل الأموال الإيرانيّة عبر الحدود من خلال الحقائب!
ولنتذكّر جيّداً، أنَّ بنك جمّال، (وهو مملوك من عائلة شيعيّة، ومُدرج على لائحة العقوبات منذ ٢٠٠٧)، تمّت تصفيتُهُ في أيلول سنة ٢٠١٩، على عهد الرئيس ميشال عون، أي قبل الثورة بشهرٍ واحد، بتهمة تبييض الأموال لصالح حزب الله!
هكذا انهار لبنان اقتصاديّاً، وماليّاً، على يد الحرس الثوري الإيراني وذراعه، هكذا سينهار العراق، وهكذا انهارت طهران، ونظامُ الملالي يواجه اليوم، بسبب ذلك، التحدي الأخير!
وعندما انهار لبنان ماليّاً ظهرَ النظام المالي الموازي للحرس الثوري في لبنان، أي “القرض الحسن”، ونظام “الكاش” والتهريب عبر الصيارفة، وعبر الحلقة الممانعتيّة من طهران، إلى فنزويلا، إلى الخط المفتوح من طهران إلى بيروت، والذي انقطع بعد سقوط الأسد، وتلاشى اليوم مع سقوط فنزويلا!
ما بعد فنزويلا، هو غير ما قبلها، فاعتقال مادورو هو الضربة الحديديّة التي أسقطت علي خامنئي أرضاً على الحلبة، فلقد أجهز عليه ترامب، وقد لا يقف أبداً، أو إذا استطاع أن ينهض، فسيبقى مُترنِّحاً مع عُطبٍ في الرأس لن يطيب! وعلي خامنئي هنا يُمثّل سقوط النظريّة الولائيّة وقبضتها الحرس الثوري الذي، بذريعة الحفاظ على الثورة الإسلاميّة، سفكَ دماء الإيرانيّين وشعوب المنطقة، وحلّلَ سرقة أموالهم تحت ستار أبشع بروباغندا إلهيّة عرفها العصر الحديث!
وأخيرا، لن تقومَ قائمة لدول المحور الإيراني، لا للبنان، ولا للعراق، ولا لليمن، ولا لإيران، قبلَ أن يسقط الحرس الثوري الإيراني في كُلٍّ من هذه الدول، الواحدة تلوَ الأُخرى، لأنّ الشعوب لا يحكمها سواد الأنفاق، بل شمسُ الحُريّة!
