
بقلم : الدكتور جورج شبلي
٢٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
انطلاقًا ممّا يجري، وما يجري ليس بريئًا، هناك نوع من التعدّي على المنتشِرين اللبنانيّين في بقاع الأرض، شرقًا وغربًا، وهو تعدٍّ يتتابعُ بانتظامٍ، من جانب المعروفين إنْ من بعض مُستلِمي الشّأن العموميّ، وإن من المستقوين الذين هيمنوا على القرار، ولمّا يزالوا. والحقيقة أنّ الذين يعَتدون على الدّستور، وعلى السيادةِ والكيانِ والهويّة، لم يعد يهمّهم التَّماسُ مع المنتشِرين الذين سيغيّرون الواقع السياسي، إذا أُتيح لهم أن ينتخبوا، وهذا حقُّهم.
إنّ الإرتكاباتِ الهمجيّةَ التي تصفعُ صفاءَ العلاقة مع المنتشِرين في أصقاعِ العالَمِ الأجنبيّ، بمواقفَ وخطاباتٍ لاذِعة، يتوجَّبُ، قبالتَها، توجيهُ رسالةٍ واضحةٍ الى أولئكَ الذين يشيحون بوجههم عن نضالِ المنتشِرين دفاعًا عن لبنان، وهم يَشهدون لحقِّ وطنِهم في السيادة والحريّة والسّلام، والكرامة، ليعود لبنان الى لبنان.
إنّ أخلَصَ الكارِزين بلبنان هم المنتشِرون الذين لطالما كان حضورُهم، في أوطان النّاس، شاهدًا على انتمائهم الوطنيّ، وعلى اندفاعهم المستمرّ لعرض القضية اللبنانية فوق منابر الأمم، وهذا هو أبلغُ حراكٍ يُمكن أن يقوم به المنتشِرون من أجل هدفٍ سامٍ . وهذا يعني، بالتّحديد، الحفاظ على دَورٍ حضاريٍّ تَمَدّنيٍّ مِحوريٍّ، يُسهم في صياغة حالة ائتلافيّة وطنيّة، تجمعُ الذين أخذوا على عاتقهم تَنصيعَ صورة الوطن، وترسيخ حالة اتّحاد، بل التحام، بالكيان المُفَدّى.
إنّ المنتشِرين في كلّ العالَم، الذين تمسّكوا بهويّتهم الوطنيّة، أصرّوا على إبرازِ موقفٍ دائمٍ داعمٍ لهذه الهويّة ولفكرة الولاء المطلَق لها. إنّ المنتشِرين اللبنانيّين أثبتوا أنّهم أكثر الشرائح قدرةً على الإندماج، حيثُ استقرّوا، مع غيرهم من المكوّنات العرقيّة والدينية والثُقافية ، بالرّغم من التحدّيات المتعاقبة، وبعض المخطّطات التي استقصدت وجودَهم، ونشاطَهم، ومشاركاتهم الإيجابيّة المُنتِجة، في مجتمعات النّاس. لكنّ مثابرتَهم على الحضور الفاعل، أمَّنَ وجودًا مُصانًا ومضمونًا حيثُ هم، وأدّى الى تعميق ثقةِ البلدان بهم، واستخلاصِهم، ما وفّرَ فرصةً مشهودة للدفاع عن الوطن بحَثِّ حكومات الدُّول على الوقوف الى جانب الحقّ اللبناني.
لقد آمن المنتشِرون اللبنانيّونَ بالنّسيجِ الإنساني، بعيدًا عن الفَوارقِ المذهبيّةِ التي طالَت الكثيرينَ من غيرِهم، ونَخَرَت جماجمَهم العَوراء، داخلَ لبنان على وجه الخصوص. وقد اعتبروا ” اللبنانيّة ” قيمةً مُضافة ، ما شكّل التركيبةَ المعجزةَ للبنان على مَرِّ العقود . فالانتماء والولاء للبنان، بحسبِ قناعةِ المنتشِرين، يرسِّخان اللّحمة بالوطن، بعيدًا عن البروتوتيبيّاتِ البغيضةِ، والتعصّبِ النَمَطيّ . من هنا ، يرفض المنتشِرون مَقولةَ اعتبارِهم ” شتاتًا ” وهذه حالة هجينة مرفوضة، ومُغرِضَةٌ ترمي الى تقويضِ فرصةِ المشترك الوطنيّ بين المُقيمِ والمنتشِر، وتغتال معادلة المساواة في الحقوق.
ولمّا كان الجَهلُ البغيض بمفهومِ الوطنيّة، عند المتشَبّثين بالأنانيّاتِ المنحرفة ، والإستقواء بزنودِ الخارج، قد حوّلا زمنَ لبنانَ الى عصرِ ظلام، فلذلك، سَاد الخُطاب المُعَمِّقُ لِهوّةِ العدائيةِ والقلق، ما حوَّلَ حوارَ الانتماء الوطني رمادًا. وهذا دعا المنتشِرين الى تنبيه الدّاخلِ الى العَرَجِ الوطنيّ الذي سيفضي الى الخراب والتّقهقر، وهي دعوةٌ كانت ظاهرةً ” إنتشاريّة ” سبّاقة، كان ينبغي الترصُّدُ لها ، لأنّها تستندُ الى مُسلّماتٍ وطنيّة قوامُها الإعترافُ بالآخرِ، واحترامُ وجودِهِ ورأيِه، وتُؤَمّنُ حضورًا لبنانيًّا فاعلًا، ومُنفتحًا، ومُنخرطًا في مسيرةِ التقدّم. من هنا، أثبتَ المنتشِرون أنّ وجودَهم ليس وجودًا تراكُميًّا، وأنّ لَمَّ شَمل البلاد لم يكن ليترسّخ لولا مبادرتُهم الكريمة ما فَتَحَ كُوّةِ العبورِ الى الحريّةِ والديمقراطيّةِ والحقِّ بالعيشِ الكريمِ للجميع، من دون استثناءات.
لقد تعلَّقَ المنتشِرون، انطلاقًا من التزامِهم الوطنيّ، بأرضِ لبنان، وساهموا، بمختلف الطُّرق، لتحويلِ هذه الأرض ” المقدَّسة” الى مَلكوتٍ راقٍ ينعمُ فيهِ المقيمون، ويشتاقُه مَنْ في الخارج. وكانوا الفَعَلةَ المُناضِلين الذين سَاهموا، بنشاطهم ومساعداتهم ومحبّتهم، في نَقلِ الوطن من ظلمةِ الحرب والإحباط والعَوَز، الى مشارف النّور. من هنا، ليس المنتشِرون عالةً على لبنانَ، ولا مرتزقةً، وليسوا دُخَلاءَ أو طارئين، إنّهم من بين الأقلّين الذين دفعوا، على مَرِّ الزَّمنِ المَشهود، ثمنَ لبنانَ الكرامة، لبنانَ البقاء، لبنانَ الأرضِ والأرز، لبنانَ العزَّةِ والسيادة، وهم مستَعِدّون، دومًا، لإعادةِ إنتاجِ حضورٍ فاعِل، وداعِم في مجالاتٍ كثيرة، إذا كان الواجِبُ يقتضي المحافظةَ على وجودِ لبنان، والدفاعَ عن كرامةِ شعبِه، وسيادةِ أرضِه.
أيّها الغافِلونَ المتعصِّبون المتهوِّرون، لو عَصَرتُم ترابَ لبنان، لَنَضَحَ من هذا التّراب عَرَقٌ ” انتِشاريٌّ ” ودَمّ…
