
د. زياد الصَّائغ
٥ شباط ٢٠٢٦
نهاية المتاريس…عقلنة السرديّة وحتميّة الدّولة!
ليس التهويلُ بالحربِ الأهليّةِ سوى استدعاءٍ كسولٍ لذاكرةٍ جريحةٍ، وتفريغٍ خطابيٍّ من أيِّ مسؤوليّةٍ وطنيّةٍ. هو خطابٌ يُلوِّحُ بالفوضى كلّما ضاق أفقُ المصالحِ الضيّقةِ، ويُقدِّمُ الخوفَ بديلاً عن السياسةِ، والارتدادَ عن الدَّولةِ بديلاً عن إصلاحِها. في هذا المعنى، لا تكون الحربُ الأهليّةُ احتمالاً موضوعيّاً بقدرِ ما هي أداةُ تخويفٍ تُستَعملُ لتعطيلِ العقلِ العامِّ، وإبقاءِ المجتمعِ في حالِ شللٍ دائمٍ، وكأنّ تاريخَ الألمِ لم يكن كافيًا لإقفالِ هذا البابِ نهائيًّا.
التهويلُ بالحربِ الأهليَََّة تفاهةٌ سياسيّةٌ لأنّه يُفرِّغُ فكرةَ النِّزاعِ من أسبابِها البنيويّةِ، ويُحوِّلُها إلى فزّاعةٍ إعلاميّةٍ. الحروبُ الأهليّةُ لا تنشأُ من خطاباتٍ متلفزةٍ أو منشوراتٍ عابرةٍ، بل من انهيارِ العقدِ الاجتماعيِّ، وتعطيلِ المؤسّساتِ، وتآكلِ الثِّقةِ بين الدَّولةِ ومواطناتِها ومواطنيها. أمّا حين تُستَعملُ الحربُ الأهليَّة كشعارٍ جاهزٍ، فإنّ ذلك يدلُّ على عجزٍ عن تقديمِ حلولٍ، وعلى إفلاسٍ في الخيالِ السياسيِّ، لا أكثرَ ولا أقلَّ.
لقد أثبتَت التَّجربةُ أنّ المجتمعَ، رغمَ قسوةِ الأزماتِ، يمتلكُ مناعةً أعلى من خطاباتِ التهويلِ. اللُّبنانيّون/ات، على اختلافِهم، اختبروا الحربَ وعرفوا كلفتَها، ولا يحتاجونَ إلى من يُذكِّرهم بجحيمِها. ما يحتاجونه هو سياسةٌ تعترفُ بحقوقِهم، ودولةٌ تحميهم، وخطابٌ عامٌّ يُعيدُ الاعتبارَ للعقلِ والوقائعِ بدلَ الغرائزِ والانفعالاتِ. من هنا، يصبحُ التهويلُ بالحربِ الأهليَّة إساءةً إلى وعيِ الناسِ، ومحاولةً فاشلةً لإخضاعِهم بالخوفِ بدلَ إقناعِهم بالبرامجِ.
في المقابلِ، فإنّ مسارَ بناءِ الدَّولةِ ليس ترفًا فكريًّا ولا شعارًا موسميًّا، بل خيارًا تاريخيًّا لا رجوعَ عنه. قد يتعثّرُ هذا المسارُ، وقد يتأخّرُ بفعلِ الأزماتِ والمصالحِ المتناقضةِ، لكنّه لا ينكسرُ لأنّه مرتبطٌ بحاجاتِ المجتمعِ العميقةِ. الأمنِ، والعدالةِ، والكرامةِ، وتكافؤِ الفرصِ. كلُّ محاولةٍ للالتفافِ عليه، عبرَ التخويفِ أو التعطيلِ، إنّما تُراكمُ أسبابَ الانفجارِ بدلَ أن تمنعَه.
إنّ عقلنةَ السِّرديّةِ السياسيّةِ شرطٌ لازمٌ لحمايةِ السِّلمِ الأهليِّ. العقلنةُ هنا لا تعني تمييعَ الخلافاتِ أو إنكارَها، بل إدارتَها ضمنَ مؤسّساتٍ شرعيّةٍ، وبأدواتٍ دستوريّةٍ، وبخطابٍ يُسمّي الأشياءَ بأسمائِها من دونِ شيطنةٍ أو تحريضٍ. الدَّولةُ لا تُبنى بالصُّراخِ، ولا تُحمى بالتهديدِ، بل بتراكمِ الثِّقةِ، واحترامِ القواعدِ، وتحمّلِ المسؤوليّاتِ.
كما أنّ الإصرارَ على استدعاءِ شبحِ الحربِ الأهليَّة يُخفي غالبًا رفضًا ضمنيًّا لفكرةِ الدَّولةِ نفسها. حين تعلو منطقُ المتاريسِ، تتراجعُ فكرةُ المؤسّسةِ، وحين يُستَبدَلُ القانونُ بالولاءاتِ، يصبحُ العنفُ احتمالًا مفتوحًا. لذلك، فإنّ الدفاعَ الحقيقيَّ عن السِّلمِ الأهليِّ يمرُّ حتمًا عبرَ إعادةِ الاعتبارِ للدَّولةِ كمرجعيّةٍ وحيدةٍ، لا كخيارٍ بين خياراتٍ أخرى.
إنّ لبنانَ لا يقفُ اليومَ على حافّةِ حربٍ، بل على مفترقِ خطابٍ. إمّا خطابٌ يُعيدُ إنتاجَ الخوفِ ويُطيلُ عمرَ الانهيارِ، وإمّا خطابٌ يُواجهُ الحقيقةَ بشجاعةٍ، ويضعُ مسارَ الإنقاذِ فوقَ الحساباتِ الضيّقةِ. الخيارُ الثاني وحدَه يفتحُ أفقًا واقعيًّا لبناءِ دولةٍ سيّدةٍ، حرّةٍ، عادلةٍ، قادرةٍ على احتضانِ اختلافاتِها ضمنَ وحدةِ القانونِ.
مفادُ القَول، أنّ التهويلَ بالحربِ الأهليَّة ليس علامةَ قوّةٍ، بل دليلُ ضعفٍ. أمّا مسارُ بناءِ الدَّولةِ، فليس وعدًا مؤجّلًا، بل ضرورةٌ تاريخيّةٌ تتقدّمُ رغمَ الضجيجِ. كلُّ خطابٍ مسؤولٍ يبدأُ من أنَّ الحقيقةِ البسيطة تكمُن في أنَّ لا عودةَ إلى ايّ حرب، ولا تراجع عن الدَّولةِ.
