
زياد الصَّائغ
١٩ شباط ٢٠٢٦
خياراتٌ ثقافيَّة في لبنان المواطنة!
ليستْ دولةُ المواطنةِ في لبنانَ مجرَّدَ إصلاحٍ إداريٍّ أو تسويةٍ سياسيَّةٍ عابرةٍ، بل هي خيارٌ ثقافيٌّ عميقٌ يتأسَّسُ على إعادةِ تعريفِ معنى الكيانِ ومعنى الانتماءِ ومعنى الشراكةِ الوطنيَّةِ. الثقافةُ ليستْ ترفًا فكريًّا، بل هي البنيةُ التحتيَّةُ للوعيِ العامِّ، ومنها تتشكَّلُ صورةُ الدَّولةِ في ضميرِ المجتمعِ، إمَّا كإطارٍ جامعٍ للمواطنينَ أو كساحةِ تنازعٍ بين العصبيَّاتِ.
ينطلقُ لبنانُ في مسيرتِه نحوَ دولةِ المواطنةِ من إرثٍ حضاريٍّ استثنائيٍّ. إرثٌ فينيقيٌّ منفتحٌ على البحرِ والتجارةِ والتفاعلِ، وإرثٌ شرقيّ عربيّ عريقٌ في التعدُّدِ والتفاعلِ الثقافيِّ، وإرثٌ حديثٌ ارتبطَ بفكرةِ الحريَّاتِ العامَّةِ والريادةِ الفكريَّةِ في العالمِ الحرّ. غيرَ أنَّ هذا الإرثَ لم يُستثمرْ دائمًا في بناءِ دولةٍ حديثةٍ، بل جرى أحيانًا توظيفُه في تعزيزِ سرديَّاتٍ فئويَّةٍ متقابلةٍ.
إنَّ دولةَ المواطنةِ السَّيِّدةِ الحُرَّةِ العادلةِ المستقلَّةِ لا تقومُ على إنكارِ التنوُّعِ، بل على إدارتهِ ثقافيًّا قبلَ إدارتهِ دستوريًّا. النصوصُ الدستوريَّةُ مهما بلغتْ من الدقَّةِ تبقى عاجزةً إذا لم تسندْها ثقافةٌ مدنيَّةٌ جامعةٌ. هنا يكمنُ التحدِّي، كيفَ ننتقلُ من ثقافةِ الطائفةِ إلى ثقافةِ المواطنِ، ومن ثقافةِ الزعامةِ إلى ثقافةِ المؤسَّسةِ، ومن ثقافةِ الغلبةِ إلى ثقافةِ العقدِ الاجتماعيِّ؟
البعدُ الثقافيُّ لقيامِ دولةِ المواطنةِ يبدأُ من إعادةِ الاعتبارِ لفكرةِ الإنسانِ كقيمةٍ عليا. فالمواطنةُ ليستْ انتماءً قانونيًّا فحسب، بل هي كرامةٌ مصونةٌ وحقوقٌ متساويةٌ وواجباتٌ مشتركةٌ. عندما يتحوَّلُ الفردُ إلى تابعٍ لمرجعيَّةٍ ضيِّقةٍ، تتراجعُ المواطنةُ إلى الهامشِ. أمَّا حينَ يُدرِكُ أنَّ حريَّتَه مصونةٌ في ظلِّ دولةٍ عادلةٍ، يصبحُ الدفاعُ عن الدستورِ دفاعًا عن ذاتِه.
الثقافةُ التربويَّةُ تشكِّلُ المدخلَ الأوَّلَ لهذا التحوُّلِ. فالمناهجُ المدرسيَّةُ والجامعيَّةُ مطالبةٌ بإعادةِ صياغةِ السرديَّةِ الوطنيَّةِ على قاعدةِ الشراكةِ لا الاصطفافِ. المطلوبُ تعليمُ تاريخٍ جامعٍ يعترفُ بالتنوُّعِ دونَ أن يُكرِّسَ الانقسامَ، ويُعلي من شأنِ التجربةِ الدستوريَّةِ بوصفِها الإطارَ الناظمَ للجميعِ. إنَّ ثقافةَ المواطنةِ تُزرَعُ في الصفوفِ كما تُصاغُ في المؤسَّساتِ.
وفي المجالِ الإعلاميِّ، يبرزُ دورُ الخطابِ العامِّ في تكريسِ قيمِ الدولةِ أو تقويضِها. فالإعلامُ إمَّا أن يكونَ مساحةً لتعزيزِ الثقةِ بالمؤسَّساتِ وإبرازِ مفهومِ السيادةِ بوصفِه احتكارًا شرعيًّا للقوَّةِ بيدِ الدولةِ، أو يتحوَّلَ إلى منصَّةٍ لإعادةِ إنتاجِ الاستقطابِ. إنَّ بناءَ ثقافةِ المواطنةِ يقتضي خطابًا عقلانيًّا يربطُ بين السيادةِ والعدالةِ، وبين الاستقلالِ وسيادةِ القانونِ.
كما أنَّ الفضاءَ الثقافيَّ الأوسعَ، من أدبٍ وفنونٍ ومسرحٍ وسينما، يحملُ مسؤوليَّةً رمزيَّةً في إعادةِ تشكيلِ المخيِّلةِ الجماعيَّةِ. فالصورةُ التي يرسمُها الفنُّ عن الوطنِ إمَّا أن تكونَ صورةَ حنينٍ مجرَّدٍ أو صورةَ مشروعٍ مستقبليٍّ. المطلوبُ ثقافةٌ تُعيدُ تعريفَ لبنانَ لا كملاذٍ هشٍّ، بل كدولةِ قانونٍ تستندُ إلى دستورٍ حيٍّ ومؤسَّساتٍ فاعلةٍ.
إنَّ استحضارَ الإرثِ الحضاريِّ لا يعني الارتهانَ للماضي، بل تحويلَه إلى رافعةٍ للمستقبلِ. لبنانُ الذي كانَ مساحةَ لقاءٍ بين الحضاراتِ قادرٌ على أن يكونَ مختبرًا لدولةِ المواطنةِ الحاضنة للتنوّع على امتداد العالم. غيرَ أنَّ هذا الطموحَ يقتضي شجاعةً ثقافيَّةً في مواجهةِ الذهنيَّاتِ التي ترى في الدولةِ غنيمةً لا قيمةً، وفي الدستورِ أداةً للتأويلِ لا مرجعيَّةً ملزِمةً.
الخياراتُ الثقافيَّةُ المطروحةُ أمامَ اللبنانيينَ اليومَ واضحةٌ. إمَّا الاستمرارُ في إعادةِ إنتاجِ ثقافةِ الانقسامِ، حيثُ تُقدَّمُ الهويَّاتُ الجزئيَّةُ على الهويَّةِ الوطنيَّةِ، وإمَّا الانتقالُ إلى ثقافةِ العقدِ الدستوريِّ، حيثُ تُصانُ الخصوصيَّاتُ ضمنَ إطارٍ سياديٍّ جامعٍ. الخيارُ الثاني ليسَ سهلًا، لكنَّهُ وحدَه الكفيلُ بإخراجِ لبنانَ من دوَّامةِ الأزماتِ المتكرِّرةِ.
إنَّ دولةَ المواطنةِ ليستْ شعارًا تعبويًّا، بل مسارٌ ثقافيٌّ تراكميٌّ. تبدأُ بتحريرِ الوعيِ من الخوفِ، وتمرُّ بإعادةِ بناءِ الثقةِ بين المواطنِ والدولةِ، وتنتهي بترسيخِ سيادةِ القانونِ كمرجعيَّةٍ عليا. وفي هذا المسارِ، يتكاملُ البعدُ الثقافيُّ مع البعدِ الدستوريِّ والاقتصاديِّ والأمنيِّ، ليُشكِّلوا معًا معادلةَ الدولةِ السَّيِّدةِ الحُرَّةِ العادلةِ المستقلَّةِ.
لبنانُ المواطنةِ ليسَ حلمًا نظريًّا، بل إمكانيَّةً تاريخيَّةً كامنةً في وجدانِ شعبِه وإرثِه. غيرَ أنَّ تحويلَ الإمكانيَّةِ إلى واقعٍ يتطلَّبُ ثورةً ثقافيَّةً هادئةً، تعيدُ ترتيبَ الأولويَّاتِ على قاعدةِ أنَّ الإنسانَ هو الغايةُ، وأنَّ الدولةَ هي الإطارُ الحامي لكرامتِه. عندئذٍ فقط، يصبحُ الحديثُ عن السيادةِ ترجمةً لوعيٍ ثقافيٍّ جامعٍ، لا مجرَّدَ شعارٍ في مواجهةِ أزمةٍ عابرةٍ. الفرصة سانحة.
