
بقلم : الدكتور جورج شبلي
١٤
آذار ٢٠٢٦
قَلَقُ الناس ليس خُرافة
إنّ القلقَ هو كُرهُ الشّعورِ بالارتياح، أو تَمادي الإحساسِ بالضّيقِ الذي يُطلِقُ عليه عِلمُ نفسِ السّلوك إسمَ “الهَمّ المَأزق”، ويترافقُ باشمئزازٍ، وامتعاضٍ، وبهشاشةِ اطمئنان. وإذا تمادى، يُفضي الى مَرَضٍ يمثّلُ انهيارًا للتّماسكِ الذّهنيّ، والنّفسيّ، وقَلَّما يتقبَّلُ المُسكِّنات. وفي غالبِ الحالات، يَدفَعُ الظَّرفُ المَفروضُ من خارجِ ذاتِ الشّخص، الى تَوَغُّلِ القلقِ في هذه الذّات، لتُصبحَ رهينةً له، وهكذا، يُغلَقُ الانفتاحُ على الثّقة، وكأنّها من المُحَرَّمات.
في النّاسِ، عندنا، قلقٌ جامحٌ وبلا تَكليف، أَبرزُ أسبابِهِ أنّ الكثيرين، مسؤولين وزعماء وحركات، تَعَرَّوا من مسؤوليتِهم الوطنيّة، وأَفرطوا في اللّامبالاة، بحيثُ لا يُمكنُ أن تُنسَبَ إليهم الجوانبُ المُضيئةُ، ولَو بنصيبٍ قليل. وهكذا، يَغتالُ القلقُ طمأنينةَ النّاس، وأملَهم بالأفضل، من دون أن يراودَ ” وجدانَ ” المُتربِّعين على رِقابِ العِبادِ، وأولئك المُمسِكين بقرار المصير، أنّ الحاجةَ أَكرَهُ من الموت، والنّزوحَ أَمَرُّ من الصَّبر. واستنادًا، كيف يستطيعُ الناسُ تحريرَ أنفسِهم من قيودِ القلق، فمهما أُلصِقَت، في وصفِهِ، الأسبابُ التخفيفيةُ، يبقى الحالةَ العدائيّةَ اللّاذعةَ التي يستحيلُ التَّصالحُ معها، والتي لا ترمي، في الإنسان، إلّا المَقتَل.
في لبنان، كان القلقُ عنوانًا لمرحلةٍ سوداء طالَت، ولمّا تزل، ولِجيلٍ مَلدوغٍ بِسُّمِ اليأسِ، ولمجتمعٍ مُعوَزٍ الى الخيرِ، والرّجاء والصّفاء، وقد استوطنَتهُ جماعةٌ من الشّياطينِ المعروفين أرهقَته بالقهر والاستبداد، وبالخُبثِ، والخِزيِ، والظّلم، وقَبَّحَت وجهَه بشتّى الشّرور، ووزَّعَت، فيه، عَقِبَها حَبلَ أبالسةٍ لم يتركوا في الوطنِ مفصلًا إلّا وشَلّوه، ليُترَكَ مَرميًّا في دائرةِ النّار.
في هذا الزمنِ المرّ، تتدحرجُ الأحداثُ المُريبةُ، بل الخطيرة، التي باتَ أيُّ علاجٍ، معها، مستحيلًا، حتى أصبحَ الوطنُ هائمًا، مشَلَّعًا، ضالَّتُه سرابٌ بالخلاص، وقد بانَت، في جوانبِهِ، شكوى الإحباطِ، وتكاليفُ الشّقاءِ التي ليسَ أَقَلَّها قِصَرُ حبلِ الرّجاء. فالواقِعُ عَجِفٌ، والدولةُ منشولةٌ متروكةٌ لمصيرها الأَسوَد، استبدَّ بمفاصلِها مَنْ تَخَلَّقوا بالشرِّ، حتى بَدَت أنيابُ الذّئابِ أكثرَ رحمةً. وقد سادَتِ الآفاتُ المريرةُ التي لم تُخلَقْ عَفوًا، بِقَدرِ ما استنبطَتها جَبلةٌ مُشَوَّهةٌ، قاتِلة، غصَّ الوطنُ بموبقاتِها، وناءَ الشّعبُ تحت ثِقَلِ تداعياتِ أفعالها الكارثيّة.
في الطَلعاتِ الإعلاميّة لبعض المسؤولين، وأكثر المستقوين، ترويجاتٌ فولكلوريّة، يغطّيها رمادُ تمويه الحقيقة، وينضحُ عنها تشويشٌ للواقع، وهي لن تُحيِيَ عظامَهم الباليةَ مهما دّبَّجوها بِجُمَلٍ ضبابيّةٍ، وشبهِ براهين مُشَوَّشَة. وبقَدرِ ما يقصدُ هؤلاءِ، بل يستميتون، الى تلميعِ صورتِهم باختلاقِ مآثرَ فيّاضةِ النّفعِ، وهي هراء، بِقَدرِ ما يكشفُ النّاسُ حقيقتَهم المتلاشية، ويُهبطونَهم من مقامِهم الذي وصلوا إليهِ، إِنْ بالتّرهيب، وإِنْ بالحيلةِ، والمواربة، الى موقعِهم الحقيقيِّ المُلَطَّخِ بالوصوليّة، والصَّنَميّة، والأنانيّة، وكلُّ ذلك علامةٌ، لهم، قاتمةٌ لا تُمَّحى.
إنّ الشّعبَ اللبنانيَّ، بالرَّغمِ من القلقِ، والخوفِ من الآتي، ينتسبُ الى النّضالِ، والمواجهة، والى النُّبلِ، والكرامة، وإِنْ خُلَقَ من تراب. وهو وارثُ الإسرافِ في الكبرياءِ الوطنيِّ، يَنسبُ نفسَه الى ارتفاعِ الهمّةِ في التمرّدِ على القهر، ولطالما حوَّلَ المُستحيلَ مُمكِنًا، وسطّرَ الوِقفاتِ في عُصورِ سلطةٍ متعاقبة لطالما كبَّلَتِ البلادَ بالظّلم، وحوّلَتها أَشَدَّ الأمكنةِ بُؤسًا، واستهتارًا بقِيَمِ الحريةِ، والحقوق، ما أعادَها الى عصورِ العبوديّةِ والانحطاط. من هنا، كان جديرًا بالنّاس أن يعملوا لإنضاج مَذاق الحماسةِ التي تقلبُ الطاولةَ على مَنْ حولَها، ليطلَّ فجرُ لبنانَ الموعود.
إنّ الشّعبَ، في لبنان، ليسَ هائمًا على بساطِ الرّيح، مَخطوفَ القرارِ، كما يريدُهُ أربابُ السّوء في تَماديهم الإِجراميّ. ففي صُلبِ الحربِ المفروضة التي تتوسّعُ رقعتُها، يومًا بعد يوم، ويرزحُ الناسُ تحتَ وطأتِها، قلقًا، وحيرةً، وخوفًا، يبقى الأملُ مشدودًا الى الآتي الذي ينبغي أن يقضيَ على التّلفيقِ، وعلى الأَلقابِ الباهتة، ويكونَ جَوازَ عبورٍ الى تَفتيقِ الظلامِ الذي أَلصَقَ جسدَ الوطنِ بالتراب، وهَرَّبَ الطمأنينةَ من عيونِ أطفالِه، وحوَّلَ مجتمعَه كئيبًا، يعاني من انشقاقِ الخيرِ والعدلِ عن حقيقتِه. هذه التراجيديا التي تُرخي بفصولِها على الوطنِ، وناسِه، والتي أَتقَنَ إخراجَها مَنْ أرادوها نافذةً لتمريرِ الارتهانِ، والتَّبَعيّة، والخيبة، وتهديمِ ثقةِ المواطنِ بأرضِه، أَما آنَ الوقتُ لنحتفلَ بجلائِها، بحثًا عن الاصطباحِ بمواطَنةٍ صِياحُ دِيَكَتِها ليس مُزَوَّرًا ؟
