
البروفسور أسعد قطّان
١٥ آذار ٢٠٢٦
زمن أفيخاي
ثمّة من قال إنّ أفيخاي أدرعي هو مرشد شيعة لبنان الفعليّ: يأمرهم بالرحيل، فيرحلون. يفرض عليهم الانعطاف، فينعطفون. يهتف بهم بلكنته العربيّة الهجينة أن اهجروا جبلكم وقراكم وحواضركم، فتراهم يشدّون الرحال ويهجرون. قديماً، أذلّتهم الميليشيات: اغتالت فلاسفتهم، وقتلت مفكّريهم، وسحقت رؤوس شعرائهم، وولّت عليهم الفاسدين والبلاطجة وقطّاع الطرق. واليوم، يأتي أفيخاي كي يذلّهم، من جديد، مذلّةً لم يشهدوا مثيلاً لها منذ أيّام يزيد بن معاوية، ومنذ زمن بني العبّاس الزاحفين من خراسان، إذ حفظ لنا المؤرّخون أنّهم بطشوا بشيعة عليّ أكثر ممّا بطش بهم بنو أميّة.
لكنّ السيّد أفيخاي تحوّل اليوم إلى مرشد الجمهوريّة اللبنانيّة برمّتها. ينتظر الرجال كلماته كي يترجّلوا. ويتلقّف الناس من لسانه متى يستطيعون احتساء الشاي، وكيف يمارسون الجنس، وهل يحقّ لهم أن يخلدوا إلى النوم، أو عليهم أن يظلّوا مستيقظين في انتظار مسيّرة تأتيهم من كبد السماء أو قذيفة تنقضّ عليهم من جهة البحر. والحقّ أنّ أفيخاي لم يخدعهم يوماً. فهو يصدقهم القول، في حين أنّ زعماءهم يبيعونهم الترّهات، وساستهم يصدرون قرارات لا تنفَّذ، وضبّاط جيشهم يفسّرون الدستور. والمضحك المبكي أنّ أفيخاي يخاطب زعماء لبنان شخصيّاً ويتهكّم عليهم، حتّى إنّه ادّعى أنّ السيّد جبران باسيل مصاب بالخرف، وربّما أعاد إليه صورة ثوّار ١٧ تشرين حين كانوا يشتمونه انتقاماً من «كلّن يعني كلّن».
ما سرّ نجاح السيّد أفيخاي يا ترى؟ من المفيد التبصّر في هذه الظاهرة من الناحية السيكولوجيّة. الأرجح أنّها تتناغم ومزاج اللبنانيّين، الذين يتعاملون مع مأساويّة أوضاعهم عبر إطلاق النكات ومزاولة السخرية السوداء. هل تذكرون كيف كانوا يتندّرون على جنود الجيش العربيّ السوريّ وضبّاطه أيّام الوصاية الأسديّة؟ هل تذكرون نكتة «جسر اللوزيّة»، العام ٢٠٠٦، التي وُلدت من رحم المأساة حين كان جيش إسرائيل يحصد بنيتنا التحتيّة، فيقصف محطّات توليد الكهرباء ويسوّي الجسور بالأرض؟ يتحوّل أفيخاي، إذاً، إلى جزء لا يتجزّأ من مسرحيّة التهكّم التي يتقنها ناس لبنان، ويستنجدون بها، كلّما أضحت مصائبهم أعلى من الجبال، وذلك كي يتمكّنوا من مقارعة الموت الذي يتربّص بهم، ومعالجة كلّ هذا الهوان الذي أخذهم إليه صلف الميليشيا، وبهلوانيّات الساسة، والوقوف الغرائبيّ على مسافة واحدة من الأوادم والزعران.
ذات يوم، كتب الشاعر اليونانيّ الإسكندريّ العظيم قسطنطين كافافيس قصيدةً بعنوان «البرابرة». فحوى هذه القصيدة أنّ سكّان إحدى المدن اختاروا البطالة، وأقلعوا عن التجارة والحكم والقضاء، بسبب انتظارهم البرابرة الآتين من الحدود. لكنّهم ما لبثوا أن فوجئوا برسول يزّف إليهم خبراً مفاده أنّ البرابرة لن يأتوا، ذلك بأنّ البرابرة غير موجودين في الأصل. فتعجّب الناس جميعاً. وشرعوا يتساءلون ماذا يفعلون، وكيف يعيشون، من دون البرابرة.
لعلّ شيئاً من هذه القصيدة ينسحب علينا اليوم، إذ كيف سنعيش، وماذا سنفعل، من دون السيّد أفيخاي؟
