
المحامي البروفيسور نبيه الشرتوني
١٦ آذار ٢٠٢٦
جنوب لبنان بين الأطماع والصمت الدولي
في كل مرة تتصاعد فيها التوترات على حدود لبنان الجنوبية، تعود إلى الواجهة أسئلة قديمة لم يفقدها الزمن راهنيتها: هل انتهت فعلاً أطماع إسرائيل في أرض لبنان؟
هل تكفي التصريحات السياسية المطمئنة لطمس تاريخ طويل من الصراع والاعتداءات؟
التجربة اللبنانية، منذ عقود، تعلّمنا أن الكلمات في الشرق الأوسط لا تكفي وحدها لطمأنة الشعوب. فقد سمع اللبنانيون مراراً وعوداً وخطابات تقلّل من احتمالات التصعيد، لكن الوقائع على الأرض كانت غالباً تقول شيئاً آخر. ومن هنا، فإن أي حديث عن عدم الرغبة في احتلال جنوب لبنان لا يمكن أن يُستقبل ببراءة سياسية، في منطقة يعرف أهلها جيداً أن الجغرافيا والمياه والحدود كانت دائماً جزءاً من حسابات القوة والنفوذ.
إن جنوب لبنان ليس مجرد شريط حدودي قابل للمساومة. إنه جزء من سيادة وطنٍ دفع ثمناً باهظاً من دمائه واستقراره كي يحافظ على أرضه. كما أن هذه المنطقة ليست فقط خط تماس عسكري، بل هي أيضاً مساحة حيوية ترتبط بموارد طبيعية ومائية لطالما كانت موضع اهتمام استراتيجي في المنطقة.
ومع ذلك، فإن ما يثير القلق اليوم ليس فقط التهديدات المباشرة، بل أيضاً ذلك الصمت الدولي الذي يرافقها. ففي عالمٍ تتسارع فيه ردود الفعل على أزمات كثيرة، يبدو لبنان أحياناً كأنه يقف على هامش الاهتمام الدولي، رغم حساسية موقعه وخطورة أي انزلاق نحو مواجهة واسعة في جنوبه.
إن هذا الصمت لا يجب أن يُقرأ بوصفه حياداً دائماً، بل قد يتحول، إذا استمر، إلى عامل يشجع على المزيد من المغامرات السياسية أو العسكرية. فالتاريخ يعلمنا أن الفراغ الدبلوماسي غالباً ما يُملأ بالقوة.
هنا تحديداً تبرز مسؤولية اللبنانيين أنفسهم، داخل الوطن وفي الانتشار الواسع عبر العالم. فاللبنانيون المنتشرون في القارات الخمس لا يمثلون فقط امتداداً بشرياً لوطنهم، بل يشكلون أيضاً شبكة علاقات ثقافية واقتصادية وسياسية قادرة، إذا ما جرى تفعيلها، على إيصال صوت لبنان إلى مراكز القرار والرأي العام الدولي.
لقد أثبت الاغتراب اللبناني في مراحل كثيرة من التاريخ أنه ليس مجرد شاهد على ما يجري في الوطن، بل شريك في الدفاع عنه وفي الحفاظ على حضوره في العالم. واليوم، في ظل هذه الظروف الدقيقة، يصبح هذا الدور أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فلبنان ليس مجرد مساحة جغرافية صغيرة على خريطة الشرق الأوسط. إنه وطنٌ صنعته قرون من التعددية الثقافية والحرية الفكرية والانفتاح على العالم. وحماية هذا النموذج لا تعني الدفاع عن حدود دولة فحسب، بل الدفاع عن فكرة حضارية قامت على التلاقي لا على الهيمنة.
إن جنوب لبنان اليوم ليس قضية حدودية عابرة، بل هو اختبار لقدرة شريحةٍ من شعبه وضعت نفسها بتصرف صراعاتٍ إقليميّة جعلته ذريعةً للإطاحة به، واختبار لقدرة المجتمع الدولي أيضاً على حماية الشرعية والسيادة في منطقة مضطربة. كما أنه اختبار لإرادة اللبنانيين أنفسهم في أن يبقوا أوفياء لفكرة وطنهم.
وفي النهاية، قد تمرّ الأزمات كما مرّت أزمات كثيرة في تاريخ لبنان، لكن الثابت الذي يجب ألا يتغير هو هذا الإيمان العميق بأن لبنان، رغم صغره الجغرافي، يظل أكبر من أن يُختزل في صراع حدودي، وأعمق من أن يُترك وحيداً في مواجهة الأطماع!
هل نعي، كلبنانيّين، معنى الوحدة، في هذا الصراع الإقليمي المجنون، قبل أن تنهشنا الندامة، ويرذلنا التاريخ؟!!
