
البروفسور أسعد قطّان
٢٦ آذار ٢٠٢٦
سلطة يا عيب الشوم
بعضهم قال إنّ السلطة في لبنان غافلة.
بعضهم قال إنّها متخاذلة.
بعضهم قال إنّها متواطئة.
المشكلة تكمن في أنّه ليست ثمّة حرف «إمّا» يفصل بين هذه الخيارات الثلاثة. فالسلطة ليست إمّا غافلةً وإمّا متخاذلةً وإمّا متواطئة، بل الأرجح أنّها الثلاثة معاً.
منذ أشهر، ثمّة معلومات صحافيّة أنّ ضبّاطاً من الحرس الثوريّ الإيرانيّ «ينغلون» في العاصمة بيروت ومناطق أخرى. السلطة كانت غافلةً عن هذا بالحدّ الأدنى. وهي تحاول اليوم التنصّل، أو تعطي ذاتها أسباباً تخفيفيّة، مدّعيةً أنّ هؤلاء دخلوا البلد بجوازات سفر مزوّرة.
منذ أشهر، ثمّة معلومات موثّقة عن معارض لحزب الله يهدَّد من هنا، وآخر يتعرّض للضرب والتعذيب من هناك. هذه ليست أقاويل، بل وقائع. ماذا فعلت السلطة؟ لا شيء تقريباً، ما يؤكّد بالقرينة والدليل أنّها متخاذلة.
منذ أشهر، ثمّة معلومات صحافيّة أصحابها مستعدّون لتقديم قرائنهم أنّ ضبّاطاً في الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة لا يكتفون بشرب القهوة مع مسؤولين في الميليشيا المسلّحة، بل يتقاضون منهم رشاوى ومبالغ هي أشبه بمرتّبات شهريّة. هل من لفظ آخر يمكن إطلاقه على ظاهرة كهذه إلّا التواطؤ؟
ماذا فعلت السلطة على مدى سنة ونيّف كي توقف هذه المهزلة، التي تمسّ على الأقلّ شريحةً واسعةً منها؟ لا شيء تقريباً. فعمليّات اغتيال إسرائيل العسكريّين الإيرانيّين في لبنان مستمرّة، والتهديدات مستمرّة، والبلطجة مستمرّة، وثقافة المال الوسخ مستمرّة.
لكنّ السلطة أضافت، إبّان الآونة الأخيرة، إلى رصيدها صفةً تكاد تفوق الخيال، حتّى إنّنا لا نعثر عليها في جمهوريّات الموز: السلطة في لبنان تخترع الأكاذيب وتصدّقها.
لقد اخترعت أكذوبة السيطرة «العمليّاتيّة» على جنوب الليطاني. فإذا بنا نكتشف، يوم الثاني من آذار، لا أكوام السلاح هناك فحسب، بل كيف أنّ مقاتلي الميليشيا هم الذين يسيطرون «عمليّاتيّاً» على المكان، إذ لا يُعقل أنّهم نظّموا صفوفهم بعدما افتتحوا المعركة.
كذلك اخترعت السلطة أكذوبة إبعاد شبح الحرب عن لبنان وصدّقتها، وذلك على الرغم من أنّ التحليلات والتقارير والمعلومات الدبلوماسيّة جميعها كانت تدلّ على أنّ الحرب واقعة لا محالة.
واخترعت السلطة أكذوبة أنّ حزب الله لن ينخرط في الحرب إلى جانب إيران وصدّقتها، مع أنّ سجلّ الحزب في نشر الأكاذيب يكاد يخترق عباب السماء. ثمّ شعرت السلطة، ويا للأسف، بأنّها تشبه المرأة التي خدعها زوجها، فانفجرت من حنقها.
واليوم، وبعدما كدّست السلطة في لبنان هذه الصفات جميعها، تختار أن تدفن رأسها في الرمل: لا مساءلة نقديّة لسلوكها، لا مراجعة لأخطائها، لا مصارحة، لا سعي إلى التصحيح، لا مبادرة جدّيّة تتخطّى اللغو والثرثرة، بل تفرّج على إسرائيل تدمّر البلد، وعلى حزب الله يعيث فيه فساداً. وربّما ثمّة في هذه السلطة مَن يفوق الحزب إيماناً بالغيبيّات، إذ يتوقّع حصول عجيبة من الأعاجيب، أو خارقة من الخوارق، تنقذ البلد من براثن الشرّير.
لا شيء ينقذ السلطة من هذه الصورة القاتمة التي رسمتها لذاتها إلّا انزياح جذريّ في نموذج سلوكها، أو اعتراف مدوًّ أمام الله والناس بأنّها فشلت في إعادة بناء الدولة. أيّ خيار آخر سيبقيها في حلقتها المفرغة سلطةً للعار وطأطأة الرأس، سلطة «يا عيب الشوم».
