
زياد الصَّائغ
٢ نيسان ٢٠٢٦
الإلتباسُ القاتِلُ… زَهْوُ اللّاشرعيَّةِ!
في مَشهَدٍ لُبْنانِيٍّ مُتراكِمِ الأزماتِ، لا يَعودُ الإلتباسُ مُجرَّدَ ضَبابٍ يُحيطُ بالمَشهَدِ العامِّ، بل يُمسي بُنيةً ذِهنيَّةً تُعيدُ إنتاجَ الخَلَلِ وتُشرعِنُهُ ضِمناً. ذلِكَ أنَّ اللّاشرعيَّةَ، في صُوَرِها المُتعدِّدَةِ، لَم تَعُد تَكتفي بالتَّمرُّدِ على الدَّولةِ، بل تَجاوزَت ذلِكَ إلى حالَةِ زَهْوٍ تُجاهرُ فيهِ بتفوُّقِها، وتُعيدُ صِياغةَ ميزانِ القُوَّةِ على حِسابِ السِّيادةِ والكيانيَّةِ معاً.
هذا الزَّهْوُ ليسَ عرَضًا، بل هوَ نَتيجةُ مَسارٍ طَويلٍ من تَآكُلِ فِكرةِ الدَّولةِ، وتَراجُعِ قُدرَتِها على فَرضِ شَرعيَّتِها كإطارٍ ناظِمٍ وحيدٍ للحَياةِ العامَّةِ. حينَ تَتعدَّدُ مَراجِعُ القَرارِ، وتَتَشظّى السُّلطةُ بينَ ما هوَ دُستوريٌّ وما هوَ أَمريٌّ واقِعيٌّ مفروضٌ بقُوَّةِ الأمرِ الواقِعِ، تَفقدُ الدَّولةُ جوهَرَها، وتُختَزَلُ إلى خِطابٍ سياديٍّ مُتشدِّدٍ لا يُوازيهِ فِعلٌ مُؤسَّساتيٌّ رادِعٌ.
في هذا السِّياقِ، يَبرزُ تَفوُّقُ القُوى الخارِجَةِ عنِ القانونِ كحَقيقةٍ مُرَّةٍ، لا تَعودُ قابِلَةً للتَّجاهُلِ أو التَّأويلِ. إذ إنّ هذهِ القُوى، المُرتبِطَةُ بمَشاريعَ خارِجيَّةٍ، لا سيَّما تلكَ المُرتبِطَةُ بالتَّدخُّلِ الإيديولوجيِّ والسِّياسيِّ والعَسكريِّ لإيرانَ، نَجَحَت في فَرضِ أَجنداتِها كأمرٍ واقِعٍ، مُتخطِّيَةً كُلَّ القَراراتِ السِّياديَّةِ، ومُعطِّلَةً آليّاتِ الدَّولةِ في مَفاصِلِها الأَساسِيَّةِ. ما يَزيدُ من خُطورَةِ هذا التَّفوُّقِ أنَّهُ لا يَجري في الخَفاءِ، بل في العَلَنِ، وبِخطابٍ يُحاوِلُ إضفاءَ شَرعيَّةٍ بَديلَةٍ، تُقابِلُ الشَّرعيَّةَ الدُّستوريَّةَ وتُزاحِمُها. هُنا يَكمُنُ الإلتباسُ القاتِلُ، إذ تَجِدُ الدَّولةُ نفسَها أَمامَ مُعادَلَةٍ مُشوَّهَةٍ، حيثُ لا تَعودُ السِّيادةُ مُمارَسةً فِعليَّةً، بل تَصريحاً نَظريّاً، فيما تُمارِسُ اللّاشرعيَّةُ سِيادَتَها الفِعليَّةَ على الأرضِ. إنَّ اكتِفاءَ الدَّولةِ بسَرديَّةٍ سياديَّةٍ دوغماتيَّةٍ مُتشدِّدَةٍ، تُعيدُ التَّأكيدَ على النُّصوصِ الدُّستوريَّةِ، دونَ تَرجَمَتِها إلى هَيبةِ خُطواتٍ عَمَليَّةٍ، يُحوِّلُ هذهِ السَّرديَّةَ إلى ما يُشبهُ التَّعويضَ النَّفسيَّ عن عَجزٍ مَوضوعيٍّ. فالسِّيادةُ لا تُستعادُ بالخِطابِ، بل بِفِعلٍ تَراكُميٍّ يُعيدُ بناءَ القُدرَةِ الدَّولَتيَّةِ على الاحتكارِ الشَّرعيِّ للقُوَّةِ، وعلى ضَبطِ الحُدودِ، وعلى تَوحيدِ القَرارِ السِّياسيِّ والعَسكريِّ، وعلى توفير الأمان للنّاس.
غيرَ أنَّ الواقعَ اللُّبنانيَّ يَكشفُ عن مَسارٍ مُعاكِسٍ، حيثُ تَتحوَّلُ الدَّولةُ تدريجيّاً إلى ما يُشبهُ “مَنصَّةَ إغاثةٍ” تُديرُ الأَزماتِ بدلَ أن تَمنَعَها، وإلى “فَريقِ إسعافٍ بَدائيٍّ” يَتدخَّلُ بَعدَ وُقوعِ الكارِثَةِ لا قَبلَها. وهُنا تَفقدُ الدَّولةُ دَورَها كفاعِلٍ استراتيجيٍّ، وتُختَزَلُ إلى وَظيفَةٍ إجرائيَّةٍ هامِشيَّةٍ في ظِلِّ قُوى تَملِكُ القُدرَةَ على صُنعِ الحَدَثِ وتَحديدِ مَسارِه. هذا التَّحوُّلُ لا يَحملُ فقطْ مَخاطِرَ سياسِيَّةً أو سياديّة، بل يَمسُّ في العُمقِ الكيانيَّةَ اللُّبنانيَّةَ في ماهِيَّتِها. فحينَ تَفقدُ الدَّولةُ احتكارَها للسِّيادةِ، تَتآكَلُ فِكرةُ “الوَطنِ” كإطارٍ جامِعٍ، وتَتقدَّمُ الهُويّاتُ الفَرعيَّةُ، المُرتبِطَةُ غالباً بمَشاريعَ خارِجيَّةٍ، على حِسابِ الهُويَّةِ الوَطنيَّةِ. مِن هُنا، يَغدو التَّفكُّكُ الكيانيُّ سِيناريوهًا مُستقبليّاً مُفترَضاً، بل حتَّى مَساراً يَتشكَّلُ تدريجيّاً في صُلبِ الواقِعِ. التَّشظِّي لا يَحدُثُ دفعةً واحِدَةً، بل يَتقدَّمُ عبرَ تَآكُلِ المَعنى، وتَفكُّكِ المَرجِعيَّةِ، وتَعدُّدِ مَصادِرِ الشَّرعيَّةِ.
في هذا الإطارِ، يُمكِنُ القَولُ إنَّ أَخطرَ ما في زَهْوِ اللّاشرعيَّةِ ليسَ فقطْ قُدرَتُها على التَّمرُّدِ، بل في قُدرَتُها على إقناعِ جُزءٍ من الرَّأيِ العامِّ بأنَّها “أمرٌ واقِعٌ لا بُدَّ من التَّكيُّفِ مَعَهُ”. هُنا تَكمُنُ نُقطَةُ الانكِسارِ الأَخلاقيِّ، حيثُ يُصبِحُ القَبولُ باللاشرعيَّةِ تَكيُّفاً بَدَلَ أن يَكونَ رَفضاً، وتَسليماً بَدَلَ أن يَكونَ مُقاوَمَةً سِياسيَّةً مَدنيَّةً. أمامَ هذا الواقِعِ، لا يَكفي التَّشخيصُ، ولا تُجدي المُعالَجاتُ التَّرقيعيَّةُ الَّتي تَسعى إلى إدارةِ الأَزمةِ دونَ مُقارَبَتِها مِن جُذورِها. فالأَزمةُ في لُبِّها ليستْ أَزمةَ تَطبيقٍ فَحسبْ، بل أَزمةُ فِكرةٍ، وأَزمةُ نِظامٍ، وأَزمةُ تَصوُّرٍ لِماهيَّةِ الدَّولةِ ووَظيفَتِها.
إنَّ الانكِبابَ على حُلولٍ جِذريَّةٍ يَقتضي أَوَّلاً تَحريرَ الفِكرِ السِّياسيِّ مِن وَهمِ الاكتِفاءِ بالسَّرديَّاتِ، والانتقالَ إلى بُناءِ استراتيجيَّةٍ وَطنيَّةٍ تُعيدُ تعريفَ السِّيادةِ كفِعلٍ مُتكامِلٍ، لا كخِطابٍ مُجرَّدٍ. كما يَقتضي إعادَةَ النَّظرِ في بُنيةِ السُّلوك الدّولتيّ، بما يَسمَحُ بإنتاجِ سُلطةٍ قادِرَةٍ على الفِعلِ لا مُجرَّدِ التَّكيُّفِ. وفي بُعدٍ أَعمَقَ، يَتطلَّبُ الأَمرُ إعادَةَ ترتيبِ “الفِكرةِ اللُّبنانيَّةِ” نَفسِها، لا بوَصفِها تَسويةً تاريخيَّةً هشَّةً، بل كمَشروعٍ حضاريٍّ قائِمٍ على مَفهومِ المُواطَنةِ السِّياديَّةِ، حيثُ تَتقدَّمُ الدَّولةُ كإطارٍ حَصريٍّ للشَّرعيَّةِ، وتَتراجَعُ كُلُّ الأُطُرِ المُوازِيَةِ أو المُنافِسَةِ. إنَّ هذا المَسارَ يَفترضُ شَجاعةً سِياسيَّةً وفِكريَّةً، لأنَّهُ يَتجاوَزُ الحُلولَ السَّهلَةَ والمُسَكِّناتِ الظَّرفيَّةَ، ويَدخلُ في صُلبِ الأَسئِلَةِ الكَبيرَةِ الَّتي طالَ تَأجيلُها. كما يَفترضُ إعادَةَ بُناءِ الثِّقَةِ بينَ الدَّولةِ والمُواطِنِ، على أَساسِ عَقدٍ اجتِماعيٍّ جَديدٍ يُعيدُ الاعتبارَ لِفِكرةِ الشَّرعيَّةِ.
الإلتباسَ القاتِلَ لا يُواجَهُ بالمُواءَماتِ الظَّرفيَّةِ، بل بِوُضوحِ الرُّؤيةِ وجُرأَةِ الفِعلِ. وزَهْوُ اللّاشرعيَّةِ، على قُسوَتِهِ، ليسَ قدَراً مُحتَّماً، بل نَتيجةُ فَراغٍ تَركَتْهُ الدَّولةُ حينَ تَراجَعَت عن دَورِها. واستِعادةُ هذا الدَّورِ تَمرُّ حُكماً عبرَ مَسارٍ شاقٍّ، لكِنَّهُ المَسارُ الوَحيدُ القادِرُ على إنقاذِ الكيانيَّةِ اللُّبنانيَّةِ مِن تَشظٍّ يَهدِّدُها في صَميمِ ماهِيَّتِها، ويُعيدُ لِلبُنانَ مَعنَاهُ كوَطنٍ، لا كَمُجرَّدِ ساحَةٍ مُتَنازَعٍ عَلَيها.
