
زياد الصَّائغ
٩ نيسان ٢٠٢٦
المُساكَنَة القاتِلَة!
المُشكِلَةُ في لُبنانَ لا تكمُن في أَنَّ الدَّولةَ ضَعيفَةٌ فَقَط، بَل في أَنَّها قَبِلَت، عَلى مَدى عُقودٍ، أَن تُساكِنَ ما يُناقِضُها. المُساكَنَةُ القاتِلَةُ بَينَ الشَّرعيَّةِ وَاللّاشرعيَّةِ لَيسَت تَفاوُتًا عابِرًا في ميزانِ القُوَّةِ، بَل هي خِيارٌ مُتراكِمٌ تَحوَّلَ إلى بُنيَةٍ ذِهنيَّةٍ تُديرُ الحَيزَ العامَّ، وَتُعيدُ إِنتاجَ أَزمَةِ الكِيانِ بِأَشكالٍ مُتجدِّدَةٍ. هُنا يتبدَّى جَوهرُ المَأزِقِ، وَهُنا يَنبَغي أَن يَبدأَ التَّفكيكُ الصَّارِمُ لِهذا النَّمطِ الَّذي أَنهَكَ الدَّولةَ وَاستَباحَ سِيادَتَها.
المُساكَنَةُ القاتِلَةُ لَيسَت مُجرَّدَ تَعايُشٍ قَلِقٍ، بَل هِيَ تَرتيبٌ غَيرُ مُعلَنٍ يُضفي شَرعيَّةً مُقنَّعَةً عَلى اللّاشرعيَّةِ، وَيُفرِّغُ الشَّرعيَّةَ مِن مَضمونِها. فَعِندَما تَقبَلُ السُّلطَةُ أَن تُقاسِمَ القَرارَ السِّياديَّ مَعَ قُوًى خارِجَةٍ عَن إِطارِها، تَظهَرُ أنَّها لا تُديرُ أَزمَةً، بَل تُؤسِّسُ لِاستِدامَتِها. وَعِندَما تُبرِّرُ ذلِكَ بِحِجَجِ “تَفادي الانفِجارِ” أَو “حِفظِ السِّلمِ الأَهليِّ”، فَهِيَ في الواقِعِ تُراكمُ شُروطَ انفِجارٍ أَكبَرَ، لأَنَّ السِّلمَ المَبنيَّ عَلى الاِلتِباسِ سِلمٌ مُؤقَّتٌ، وَالاستِقرارَ المُستَنِدَ إِلى الاِزدِواجيَّةِ استِقرارٌ زائِفٌ.
خَمسَةُ عُقودٍ مِن هَذِهِ المُساكَنَةِ لَم تَكُن عَرضًا طارِئًا، بَل مَسارًا مُمنهَجًا لِتفكيكِ ذِهنيَّةِ الدَّولةِ. تَدريجيًّا، تَراجَعَ مَفهومُ الصَّالِحِ العامِّ لِصالِحِ “غيتواتِ مَصالِحَ” مُغلَقَةٍ، تُدارُ بِمَنطِقِ الحِصَصِ، وَتُغذِّيها عوامِل طائفيَّةٌ مَذهبيَّةٌ تَجِدُ في الاِنقِسامِ وَقودًا دائِمًا لِبَقائِها. َفي ظِلِّ هَذا التَّشَظّي، تَسَلَّلَت أيديولوجيّاتٌ مُعسكَرَةٌ عابِرَةٌ لِلحُدودِ، فَأَعادَت تَشكيلَ الأَولويّاتِ وَفْقَ أَجنداتٍ لا تَمتُّ إِلى المَصلَحَةِ الوَطنيَّةِ بِصِلَةٍ، بَل تُحوِّلُ لُبنانَ إِلى ساحةِ تَقاطُعٍ لِصِراعاتٍ أُخرى. هَذا التَّراكُمُ لَم يَكُن مَجهولًا، وَلَم يَكُن حَتميًّا. بَل عَلى العَكسِ، بَدَت هُناكَ لَحَظاتٌ فارِقَةٌ كانَ يُمكِنُ فيها كَسرُ هَذِهِ الدَّوامَةِ. سَنَةُ 2025 كانَت إِحداها. فُرصةٌ واقِعيَّةٌ لِإِعادةِ تَثبيتِ مَبدَإِ حَصريَّةِ السِّلاحِ، وَلِإِطلاقِ مَسارٍ جِدِّيٍّ لِاستِعادَةِ القَرارِ السِّياديِّ. لَكِنَّ ما حَصَلَ كانَ العَكسَ تَمامًا. فَبِفِعلِ ذِهنيَّةِ التَّسوياتِ التَّمييعيَّةِ، تَمَّ إِجهاضُ هَذِهِ الفُرصَةِ، وَإِعادَةُ تَدويرِ المُساكَنَةِ القاتِلَةِ بِأَشكالٍ أَكثَرَ خُبثًا. إِنَّ أَخطَرَ ما في هَذِهِ المُساكَنَةِ أَنَّها لا تَكتَفي بِتَعطيلِ الدَّولةِ، بَل تُنتِجُ وُعيًا جَماعيًّا مُشوَّهًا يَعتادُ الاِلتِباسَ وَيَقبَلُ بِهِ كَأَمرٍ واقِعٍ. عِندَها، تَتآكَلُ الثِّقَةُ بِإِمكانيَّةِ قِيامِ دَولةِ مُواطَنَةٍ سَيِّدَةٍ حُرَّةٍ عادِلَةٍ مُستَقِلَّةٍ. هُنا تَتحَوَّلُ الأَزمَةُ مِن مأزَقِ سِياساتٍ إِلى التِباسِ قِيمٍ، وَمِن ترهُّلِ إِدارَةٍ إِلى اهتِزازِ وُجودٍ كِيانيٍّ.
المُقزِّزُ في الأَمرِ لَيسَ فَقَط تَواطُؤُ السُّلطةِ مَعَ اللّاشرعيَّةِ، بَل أَيضًا القُدرَةُ العالِيَةُ عَلى تَجميلِ هَذا التَّواطُؤِ بِخِطاباتٍ شِعاراتيَّةٍ فارِغَةٍ. تُرفَعُ عَناوينُ السِّيادَةِ، وَيُتَغنّى بِالدَّولةِ، فيما تُمارَسُ في الكَواليسِ سِياساتٌ تُناقِضُ كُلَّ ذلِكَ. هَذِهِ الاِزدِواجيَّةُ لَيسَت سُوءُ تَواصُلٍ، بَل هِيَ استِراتيجيَّةٌ مُتعمَّدَةٌ لِتَخديرِ الرَّأيِ العامِّ وَإِبقائِهِ في حالَةِ تَردُّدٍ وَضَبابيَّةٍ. هكذا يتمُّ تعميمُ الدَّمار، ويُستَدرج الخارِجُ إلى صميمِ الدَّاخِل.
مِن مَنظورِ السِّياساتِ العامَّةِ، لا يُمكِنُ مُعالَجَةُ المُساكَنَةِ القاتِلَةِ بِأَدواتٍ تَدريجيَّةٍ أَو بِإِصلاحاتٍ تَجميليَّةٍ. لأَنَّ المُشكِلَةَ بُنيويَّةٌ، وَتَتَطَلَّبُ قَطعًا جِذريًّا مَعَ مَنطِقِ الاِزدِواجيَّةِ. هَذا القَطعُ لا يَعني الفَوضى، بَل يَعني إِعادةَ تَأسيسِ قَواعِدِ اللُّعبَةِ عَلى منطلقاتٍ واضِحَةٍ: لا شَرعيَّةَ إِلّا لِلدَّولةِ، وَلا سِيادَةَ إِلّا بِحَصرِ القُوَّةِ بِيَدِها، وَلا اسْتِقرارَ إِلّا بِتَطابُقِ القَرارِ السِّياسيِّ مَعَ المَصلَحَةِ الوَطنيَّةِ العُليا.
إِنَّ الدَّعوةَ إِلى “استِعادَةِ السِّيادَةِ” لَم تَعُد كافِيَةً، إِذا لَم تَتَحَوَّل إِلى مَشروعٍ مُؤَسَّسيٍّ مُتكامِلٍ. السِّيادَةُ لَيسَت شِعارًا، بَل هِيَ مَجموعَةُ سِياساتٍ وَإِجراءاتٍ وَمُؤَسَّساتٍ قادِرَةٍ عَلى فَرضِها وَحِمايَتِها. مِن هُنا تَبرُزُ الحاجَةُ المُلِحَّةُ إِلى تَشكيلِ جَبهَةٍ وَطنيَّةٍ سِياديَّةٍ عَريضَةٍ، لا تَكتَفي بِالتَّعبِيرِ عَنِ الرَّفضِ، بَل تَعمَلُ عَلى إِعادَةِ بَناءِ الدَّولةِ كَمُؤَسَّسَةٍ. هَذِهِ الجَبهَةُ يَنبَغي أَن تَكونَ مُؤَسَّسَةً لا شَعبويَّةً، مُنظَّمَةً لا مُرتَجِلَةً، وَقائِمَةً عَلى رُؤيَةٍ واضِحَةٍ لا عَلى رَدّاتِ فِعلٍ آنِيَّةٍ. مَهامُّها لَيسَت تَعبِئَةَ الجُمهورِ فَقَط، بَل إِنتاجُ سِياساتٍ بَديلَةٍ، وَفَرضُ مَسارٍ إِصلاحيٍّ حَقيقيٍّ، وَمُساءَلَةُ مَنظومَةِ الحُكمِ عَن خِياراتِها الَّتي أَدَّت إِلى هَذا الاِنحِدارِ الكِيانيِّ.
لا يَجوزُ أَن يُفهمَ هَذا الطَّرحُ كَدَعوةٍ إِلى مُواجَهَةٍ أَهليَّةٍ أَو إِلى تَفجيرِ الوَضعِ. بَل عَلى العَكسِ، هُوَ دَعوةٌ إِلى إِنهاءِ أَسبَابِ الاِنفِجارِ قَبلَ وُقوعِهِ. فَالمُساكَنَةُ القاتِلَةُ هِيَ في ذاتِها أَخطرُ أَشكالِ العُنفِ الكامِنِ، لأَنَّها تُراكمُ التَّوتُّرَ تَحتَ سَطحٍ هَشٍّ، وَتُؤَجِّلُ الاِنفِجارَ مِن دونِ أَن تَمنَعَهُ. اليَومَ، لَم يَعُد هُناكَ مَجالٌ لِلتَّردُّدِ أَو لِأَوهامِ الحُلولِ النِّصفِيَّةِ. إِمّا دَولةٌ تَمتَلِكُ قَرارَها وَتُمارِسُ سِيادَتَها كامِلَةً، وَإِمّا لا دَولةَ تُديرُ أَزمَتَها بِمُساكَناتٍ قاتِلَةٍ. وَبَينَ هَذَينِ الخِيارَينِ، لا مَنطِقَ لِلمُناوَرَةِ. الخُلاصُ لَن يَأتي مِن خِطابٍ أَعلَى سَقفًا، بَل مِن قُدرَةٍ أَعلَى عَلى الفِعلِ.
الفِعلُ يَبدأُ بِكَسرِ هَذِهِ المُساكَنَةِ، لا بِتَجميلِها. يَبدأُ بِتَسمِيَةِ الأَشياءِ بِأَسمائِها، لا بِإِعادَةِ تَدويرِها. يَبدأُ بِإِرادَةٍ سِياسيَّةٍ جَريئَةٍ تُدرِكُ أَنَّ كِلفَةَ التَّغييرِ، مَهما بَلَغَت، أَقلُّ بِكَثيرٍ مِن كِلفَةِ الاِستِمرارِ في هَذا المَسارِ الاِنحِداريِّ. المُساكَنَةُ القاتِلَةُ لَيسَت قَدَرًا. هِيَ خِيارٌ، وَكُلُّ خِيارٍ يُمكِنُ تَغييرهُ. لَكِنَّ التَّغييرَ يَتَطَلَّبُ أَوَّلًا كَسرَ وَهمِ أَنَّ هَذِهِ المُساكَنَةَ قابِلَةٌ لِلإِدارَةِ أَو لِلتَّحكُّمِ. فَهِيَ، بِتَعريفِها، مَسارٌ نَحوَ تَفكيكِ الدَّولةِ. وَإِيقافُ هَذا المَسارِ يَبدَأُ بِقَرارٍ واضِحٍ. إِنهاءُ الاِزدِواجيَّةِ، وَإِعادةُ الاِعتِبارِ لِلدَّولةِ كَمَرجِعٍ وَحيدٍ لِلسُّلطةِ وَالقَرارِ. هُنا، وَفَقط هُنا، يُمكِنُ أَن يَبدأَ لُبنانُ مَسارَهُ الفِعليَّ نَحوَ دَولةٍ تُشبِهُ مُواطِناتِها ومُواطِنيها، لا نِظامًا يُعيدُ إِنتاجَ أَزماتهم. وَهُنا يَكمُنُ المِعيارُ الحَقيقيُّ لِأيِّ خِيارٍ سِياسيٍّ مُقبِلٍ: إِمّا كَسرُ المُساكَنَةِ القاتِلَةِ، وَإِمّا الاِستِسلامُ لَها حَتّى النِّهايَةِ.
