
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
مواقف جذريّة تجلّت من، وبعد، زيارة البابا الأغسطيني الذي قدِمَ إلى الشرق، على وقع الأزمات المالية، والاقتصاديّة، والحروب التي تعصف بنا، فكأنّه أعلنَ أنّ “لبنان الرسالة”، لبنان يوحنّا بولس الثاني، هو أبعد من رسالة تعايش، بل يجب أن يكون رسالة سلام، والسلام لديه يبدأ من الذات الفرديّة، وينعكس على الآخرين: في الكنيسة، في الوطن، وفي المشرق! وبهذا المعنى، إِنَّ لبنان الرسالة أضحى “لبنان رسالة السلام”، والذي عليه أن يبدأ “بنزع السلاح من القلوب”، هذا اللبنان، هو الذي يعطي معنىً لوجود مسيحيّي المنطقة – أوّل شعب في العالم سمع “طوباويّات” السيّد المسيح، وعلى رأسها عنوان هذه الزيارة: “طوبى لصانعي السلام” كي يستحقوا أن يُدعَوا “أبناء الله”!
الصمت أبلغُ الكلام
أبعد من الكلمات، ومن رسائل البابا لاوون في الخُطَب، أقف عند لحظتي صمتٍ عظيمتين، هما، برأيي، أبلغ من كلِّ كلام:
ركع بصمت أمام ضريح شربل، ليعبر إلى صمت القديس الناسك، علّه يَـلِج إلى سرِّ الإشراق بالزهدِ والتأمل، وإلى سلام النفس، في ذلك الجسد المُسجّى الذي حملَ الجبّة المارونيّة المُعفّرة بالتراب، تراب الوطن، وليرسل رسالةً إلى أحبار كنيستنا المارونيّة أولاً، وكنائسنا الشرقيّة كافةً، بأن يعودوا إلى خشوع أديرتهم، وقدس ترابهم، وكنائسهم القوية المزروعة على صخرة إيمان بطرس، والمتجذرة كالأرز، وأن ينزلوا إلى شعبهم، كما نزل البطاركة الأوائل، لكي يعود السلام إلى القلوب المنكسرة، قبل غيرها، فيزهرْ في الوطن، علنا نقول فيهم، مجدّداً، إنْ أَنصَتوا: “إنّ عِصيَّهم من خشب، وقلوبَهم من ذهب”!
ولحظةُ الصمت الكبرى كانت أمام نُصُب ضحايا المرفأ، وخلفه الركام والدمار، دمار مجتمعنا، ودولتنا، وقِيمنا، صمتٌ جبّارٌ يبحث عن العدالة المفقودة، صمتٌ لا يدرك معناه بعض أهل السلطة، مهما أتحفونا بسرديّاتهم الفارغة، إنّه صمت الرب الرهيب أمام الجريمة الكبرى بحق الإنسان ولبنان!
إنّه البابا الأغسطيني الذي يبحث عن العدالة بين ركام الحقيقة، وعن العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان بين ذوي الاحتياجات الخاصة الذين تحتضنهم مؤسسات أبونا يعقوب!
إنّه البابا الأغسطيني القادم من أفقر منطقة في البيرو، تشده غصّة الأم ماري مخلوف، ودمعةُ طفلٍ مُهمّش، قبل كلِّ الحفاوات، فلا تخطئوا في التقييم!
لبنان العالمي
إذا كان البابا لاوون قد أعلن لبنان وطن رسالة السلام، فهو لم يعنِ فقط لبنان المساحة الجغرافيّة، بل “لبنان العالمي” حين قال: “بالتأكيد، هناك ملايين اللبنانيين، هنا وفي كلِّ العالم، يخدمون السلام بصمت”، وبهذا تعلن أعلى سلطةٍ رسميّةٍ كنسيّة أنّ لبنانَ مساحةٌ حضاريّةٌ عالميّة، وأنّ المهاجرين مواطنون لبنانيّون عالميّون، وظيفتهم نشر السلام، ليس في لبنان فحسب، بل في كل المعمور!
هي دعوةٌ مزدوجة لشباب وشابات لبنان كي يكونوا رسلَ سلامٍ في العالم، واستحلفهم بذلك، من أجل الإنسان، ومن أجل لبنان، وتفهّمٌ مزدوجٌ للذين غادروا، نتيجة الحروب والضائقة، من جهة، وللّذين يناضلون من أجل العودة إلى المشرق، من جهةٍ أخرى. إنها المهمة العالميّة يطلقها البابا للشبيبة، لأنه مدركٌ أنّهم وحدهم لا يزالون أبرياء، ولم يفسد مِلحُهم بعد!
وإذا كان لاوون الرابع عشر يسلّم مستقبل لبنان للشباب والشابات، فقد أتى لقاؤهم معه في بكركي، بيت البطريرك الياس الحويّك، باني لبنان الكبير التعدّدي، رمزاً لتحوّلٍ يريده في الكنيسة قبل الوطن، فكأنّه يطلقهم، كـ “الياس حويّك جديداً”، وتلاميذ جُدُداً، من المقر المسيحي الأكبر في لبنان والشرق، إلى اللبنانيّين جميعاً، وإلى شعوب المنطقة والعالم، ليقنعوهم مجدّداً بأنّ التجربة اللبنانية جديرةٌ بالحياة، فيستحقوا بعد ذلك، وبجدارة، طوباويّةَ صناعةِ السلام.
يبقى أن نقول: في مشهدٍ مُناقضٍ للواقع المُذري، أظهر فيه الشعب اللبناني، مشكوراً، ليس حسن الضيافة فحسب، بل ثقافةَ الحياة، وإذ ننوّه بالتنظيم الرائع في استقبال الحبر الأعظم، وبفريق عمل السيدة الأولى، فلقد كان الاستقبال بمستوى شعبنا المثقف، ولهو دليلٌ على أنّ اللبنانيّين قادرون، عندما يمتلكون الإرادة، أن يبرهنوا للعالم أننا أهل حضارة، وثقافة، ورُقيّ.. فمجتمعنا المدني، الذي حيّاه صاحب القداسة، حافلٌ بالقُدرات، وعابقٌ بالحريّة، وحين تحزم الدولة أمرها، وتفكّ من حولها القيود الغريبة عن تراثنا وحضارتنا، تستطيع أن تفجّر إمكانيّات نسائنا ورجالنا، شاباتنا وشبابنا! فمن المرفأ المُدمّر أثبتنا، مرةً جديدةً، أننا أقوى من الموت، وأنّنا بنات وأبناء الرجاء.