هنري زغيب
نقطة على الحرف
الحلقة 1758
الأَحد 11 كانون الثاني 2025
تَصلُني أُسبوعيًّا كتبٌ جديدةٌ لأَصدقاء أَو مؤَلِّفين، أَطَّلِعُ عليها بفضولٍ لاكتشافِ المسار المتنامي في الحركة الأَدبية اللبنانية. غير أَني أَهتمُّ أَكثرَ حين الكتابُ عن لبنان. وهو ما جرى هذا الأُسبوع بتلقِّيَّ كتابًا بالفرنسية من كندا للأَب وليد الخوري عنوانه “لبنان أَرضُ الكتاب والرسالة”. شدَّني إِليه تَناولُه لبنانَ أَرضًا مباركةً ذاتَ واحاتٍ مقدَّسةٍ، من أَرزه أَعمدةً لهيكل سليمان، إِلى خطى يسوع على أَرض صور وصيدا وقانا، إِلى أَرملة سربتا (الصرفند) والمرأَة الفينيقية. ويَضوعُ من صفحات الكتاب أَرَجُ نصوصٍ تروي عن أَرضنا البيبْلية ووطننا الرسالة.
بدايةً، لا يدَّعي المؤَلف وضْعَ كتابٍ مرجعيٍّ في الآثار أَو التاريخ، بل يسردُ فيه مقارباتٍ روحيةً لدى أَماكنَ من لبنان ما زالت بَرَكَةً لِما كان فيها، أَو لِما جرى على ترابها.
الكتاب من 196 صفحة في سبعة فصولٍ وثلاثة ملاحق. لَفَتَني في مقدِّمة الكتاب قولُ المؤَلِّف: “في الجغرافيا أَماكنُ كأَنها منذورة لتكون مسرحًا للخلود. منها الأَرضُ المقدسة بين نهر الأُردن والبحر حيث وُلِدَ يسوع، وإِلى شمالها بين تلال الجليل: واحةٌ بيبْلية رئيسة ينبسط عليها لبنانُ أَرضُ فينيقيا”. ويمضي بعدُ أَكثر ليَشهد: “كشْفُ حضورِ لبنان في الكتابات القديمة طريقٌ إِلى وضْع لبنان في تاريخه الناصع: أَرضًا بيبْليةً مقدَّسة، أَرضَ الرسالة بمعناها الكامل كما وسمَها البابا القديس يوحنا بولس الثاني، وكما وسمَها قبل أَسابيع البابا الحالي لاوون الرابع عشر إِبَّان زيارته لبنان قائلًا في خطابه عن جبال لبنانَ وأَرزاته إِنها “شعائرُ روحٍ صالحةٍ تتفتَّح تحت نظر الرب في لبنان، وهو مختبرُ السلام في الشرق الأَوسطِ، وأُسَرُهُ، برغم جراح التاريخ، تتكلَّم لغةً واحدة هي أَبجديةُ الرجاء”.
ثم يوضح المؤَلِّف في المقدِّمة: “كلُّ ما في هذا الكتاب ليقول إِنَّ الرب يأْتي إِلى ملاقاة الإِنسان، وإِنَّ المغفرة تحتوي التباعُد، وإِنَّ الإِيمان ينضَح من حيثما لا ننتظرُه. فالأُفق الروحاني في كتابي يتَّسع إِلى الرجاء، رجاءِ سلامٍ حقيقيٍّ عادلٍ ودائمٍ، مبنيٍّ لا على إِلغاء الذاكرة بل على شفائها والبناء على العدل والمصالحة”. على هذه الأُسُس بنى المؤَلِّف كتابَه من قسْم أَولَ في ثلاثة فصول، وقسْمٍ ثانٍ في خمسة فصول، وقسْم ثالث في أَربعة فصول، وقسْم رابع في أَربعة فصول، وقسْم خامس في ثلاثة فصول، وقسْم سادس في فصلين، وقسم سابع في ثلاثة فصول، وثلاثةِ ملاحقَ موثَّقة بالنصوص المُثْبَتة تاريخيًّا.
على هذه الدرب الواضحة يأْخذُنا الكتاب. من سفْر يشوع: “رَجَعَ نحو مَشْرِقِ الشَمْسِ إِلَى صيدُونَ العَظِيمَةِ وإِلى المَدِينَةِ المُحَصَّنَةِ صُور”، ويواصل مع الإِنجيلي مرقس: “انصرف يسوع مع تلاميذه إِلى البحر، وتبِعَهُ جمع كثير جاؤُوا من الجليل ومن صور وصيداء”. ويستشهد المؤَلِّف بنصوصٍ من الكتاب المقدس عن صور المنيعة وأُرجوانها، وعن صيدا العظيمة ورحابتها، وعن سربتا (الصرفند اليوم، وكانت ضمن صيدا الكبرى)، وعن بيبلوس التي أَعطَت اسمَها للإِرث البيبْلي، وهي مدينةُ العناية والفكر والهداية وورق البُردى والأَبجدية. ويتمهَّل المؤَلِّف عند قانا، جارةِ صيدا وصور، قانا الأُعجوبةِ الأُولى، قانا التي يُؤَكِّد أُوزابيوس القيصري في القرن الرابع أَنها جارة صيدا، نافيًا كلَّ تنظير آخر عن أَنها كفركنَّا في فلسطين. ويتمدَّد المؤَلِّف في شجاعة البحث إِلى أَنَّ لبنانَ ليس مجرَّد موقعٍ جغرافيٍّ بل هو أَيقونةٌ روحية. فاسمُه وحده يوحي بالجمال والأَعراس والجنائن والينابيع والأَشجار. ويختم بأَنَّ “لبنان ليس هامشًا على صفحات الكتابات المقدسة، بل هو واحةٌ اختارها الربُّ ليكتُب رسالته على حجارتها وبحرها وغاباتها”.
ودِدْتُ لو أَتوسع بعدُ في ملامحَ أُخرى من هذا كتاب المهم للأَب وليد الخوري (صدَر بالإِنكليزية والفرنسية). لكنَّ الوقت أَضيَقُ من التمني. وأُمنيتي أَن تتمَّ ترجمةُ الكتاب إِلى العربية، فيكتشفَ قرَّاؤُها كمْ عظيمٌ لبنانُهم في التاريخ والحضارة، ويعتزُّوا بكونهم أَبناءَ لبنان، فيَعمَلوا أَكثر فأَكثر على ترسيخه في وجدان أَبنائهم كي يعوا أَن يستحقُّوا لبنان.
![]() |
![]() |

