
بقلم : الدكتور جورج شبلي
١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
قبلَ المباشرة في تدبيج السّياق، ولتوضيح العنوان، أعترفُ بأنّني اقتبستُ المعنى من مانشيت جريدة ” العمل “، في أواسط القرن الماضي، والتي عَنوَنَت مقالًا بقلم فؤاد حداد ” أبو الحِنّ “، إثرَ إعلان جَمال عبد النّاصر قيام الجمهورية العربية المتحدة التي تضمّ مصر وسوريا، آنذاك، بقيادة عبد النّاصر. وقد زار الرئيس المصري القطر السّوري، آنذاك، على متن ” يَخت ” واسمُه ” الحريّة “. وهكذا، خطرَ في بال ” ابو الحِنّ ” أن يَسخرَ من حالِ العلاقة التي ” قَوَّدَت ” ( بمعنى أعطت القيادة ) عبد الناصر، وجعلت السوريّين تُبَّعًا له. فكتبَ نَصًّا بعنوان ” الحريّة في البحر، والسوريّون يتفرّجون عليها”.
وبعد،
ينبغي أن أستهلَّ مقالتي بخَبَرَين، أنطلقُ منهما لِنَسجِ المحتوى، وهما تصريح أحد أركان السّلطة في إيران والذي يقولُ مهدِّدًا الشَّعب : ” كلُّ مَنْ يشارك في التّظاهرات، مَصيرُه الإعدام “، بالإضافة الى أنّ عدد ضحايا همجية السّلطة المَلاليّة شارفَ على المئات، بحسبِ المصادر الموثوقة.
إنّ الحريّة هي حقٌّ مُعتَرَفٌ به في دساتير الأُمَم، وفي الشرعة الدوليّة لحقوق الإنسان. وكذلك التّظاهر السِّلمي فهو، أيضًا، مُباحٌ للشّعب لكي يعبّر عن حقِّه في رَفضِ ما تأتيه السّلطة من قَمعٍ، وقَهرٍ، وظلمٍ، وتَعَسّف، وعنفٍ قاتِل… لِكَسرِ رأيِ النّاس، وكرامتهم، وإذلالِهم، وإخضاعِهم لقوانينَ جائرة. وهذا، بالذّات، ما يحصلُ، حاليًّا، على مدى الخارطة في إيران، ويتمدّدُ، كلَّ يوم، لينسحبَ الصّوتُ المُنادي بإسقاط نظام المَلالي، على مساحة الدولة برمّتِها.
إنّ اعتداءات الحرس الثّوري بالقتلِ، وحجز الحريّة، هي جريمة موصوفة ترتكبُها الدولةُ في إيران، بأذرعِها الأمنيّة، وهي دليلٌ ساطعٌ على عجزِها عن مواجهة الحقيقة. إنّ الظّاهرة الصحيّة في الدّول التي تُقيم شأنًا لشَعبِها، هي غَلَبة الحريّة، لأنّ كرامةَ الشّعب تتمَدمَكُ على الحريّات، فما معنى أن يكون الإنسان مكَبَّلًا بالخوف، تطلبُ منه السّلطة المجرمة أن يكون كائنًا بيولوجيًّا، يُشبِهُ، تمامًا، غيرَه من الكائنات الحَيّة، دونَ زيادةٍ أو نقصان ؟؟ وما الفائدة، إذًا، من تَمَتُّع هذا الإنسان بالعقل، والرويّة، والقدرة الحُرّة على اتّخاذ القرارات والمواقف ؟؟؟
إنّ السّلطة المُتَحكِّمة، في إيران، والتي تقمَّصَت شوّهات النّظام الستالينيّ، وعاهات السّلوك النّازي، غير المأسوف عليهما، نحرَت خصوصيّات الحريّة، تحت مسميّاتٍ وذرائعَ مُدانَة. وممّا لا شكَّ فيه، هو أنّ ما وراءَ همجيّة هذه السّلطة الملاليّة ليس بريئًا، وبالتالي، فما تبحثُ عنه هذه السّلطة هو ترسيخٌ لإمساكها بزمام الدّولة، وتأبيدٌ لهَيمنتِها التي أودَت بالنّاس الى دائرة النّار، وجعلِهم أرقامًا في جدول القتل.
إنّ التّاريخ لن ينسى ما يحدثُ في السّاحة الإيرانية، اليوم، وسيعتبره لوثَةَ زمنٍ رديء. فالتعدّي على الشّعب قتلًا، وتنكيلًا، وسَوقًا الى دهاليز الاعتقال، هو جريمةٌ نكراء، حتى باتَ مشهدُ الدولة مهشَّمَ الظِّلال، باهتَ القيمة. إنّ الدّولة تدّعي مبدأ احترام الحقوق، لكنّها، في الواقع، تُتلِفُ الحقوق، وتعطّلُ الخدمات، وتُراكِمُ الأزمات، وتُمعِنُ في تشويه استثمار عائدات الاقتصاد والتّجارة، وهي مالُ الشّعب الذي باتَ جائعًا، عطشانًا، مريضًا، يائسًا، خائبًا، مُحبَطًا، فقيرًا، يواجهُ واقعًا قبيحًا، وقد تَآكَلَت ثقتُه بالحكّام، ويشعرُ بأنّ حياتَه تدور في حلقةٍ مُفرَغة، فيعاني فقدانَ الأملِ بمستقبلٍ أفضل … ولمّا كان الانكفاءُ ليس حَلًّا، فقد وعى الشّعبُ الإيرانيُّ بأنّ من حقِّه أن ينفجرَ غاضبًا، فالنُّهوضُ لا يُمنَحُ بل يُبنى، وصيانةُ الكرامة لا تُهدى بل يُناضَلُ لأجلها، وأُفُقُ التّغيير لا يُشرِقُ بالمجّان بل بمواجهةٍ قادرةٍ لا تتراجَع أيًّا يَكنِ الثّمن…
لقد أثبتَ الشّعبُ في إيران أنّ العَينَ تُقاومُ المِخرز، وأنّ بإمكانه أن يُحدِثَ تَحويرًا في مسار تاريخ بلاده، وذلك بالوقوف في وجهِ طُغيانٍ مَقيتٍ، مُنحَرِف، ظالِم، ينبغي الإطاحةُ به. فالتّظاهرُ ليس رغبةً بالتّصادم، وليس مجرَّدَ انقلابٍ شكليّ، أو تَمَرّدٍ آنيّ، فالحِراكُ الشّعبيُّ يطرحُ مبادئَ مُحِقّة تشكّلُ مشروعًا يرمي الى إحداثِ تحوّلاتٍ تُعيدُ إيران الى حقيقتها، مهدًا للحريّات، وتُعزّزُ مشاركتها الحضاريّة، وتساهمُ في بناء السّلام الإقليمي، وتُبَلورُ الفكرة الديمقراطيّة بما يتلاءَم وآمال النّاس، والخصوصيّة الوطنيّة…