
د. زياد الصَّائغ
٢٢ كانون الثاني ٢٠٢٦
التَّحقُّق الدُّستوريّ…ودولة السٍّيادة!
ليسَ التَّحقُّقُ الدُّستوريُّ شعاراً سياسياً عابراً، ولا إعلانَ نوايا مؤقّتاً، بل هو مسارٌ سياديٌّ مُلزِمٌ، تتلاقى فيه شرعيّةُ النَّصِّ مع فاعليّة الممارسةِ، وتُقاسُ نتائجهُ بمدى قدرةِ الدَّولةِ على بسطِ سيادتِها الكاملةِ على أراضيها بقواها الذّاتيّةِ، وعلى إنتاجِ حوكمةٍ رشيدةٍ ومواطَنةٍ جامعةٍ، تحمي التنوّعَ وتُحقِّقُ العدالةَ ضمن إطارٍ دستوريٍّ واضحٍ ومستقرٍّ. من هذا المنطلقِ، لا يُمكنُ فصلُ مسألةِ السِّيادةِ عن جوهرِ الدُّستورِ، ولا اختزالُ بناءِ الدَّولةِ في تسوياتٍ سياسيّةٍ محكومةٍ بموازينِ قوى متحرِّكةٍ.
إنَّ استكمال بسطَ سيادةِ الدَّولةِ اللبنانيّةِ على كاملِ أراضيها بقواها الذّاتيّةِ يُشكِّلُ المدخلَ الأوّلَ لأيِّ مشروعِ تعافٍ وطنيٍّ. فالسِّيادةُ ليست مجرّدَ احتكارٍ شرعيٍّ لاستخدامِ القوّةِ، بل منظومةُ قرارٍ عامٍّ مستقلٍّ، وإدارةُ أمنٍ وطنيٍّ خاضعةٍ للمساءلةِ الدستوريّةِ، وقدرةُ مؤسّساتٍ تعملُ وفقَ القانونِ وتحتَ سقفِه. وعليهِ، فإنَّ أيَّ ازدواجٍ مُعلَن أو غير مُعلَن في مصادرِ القوّةِ، أو أيَّ التباسٍ في مرجعيّةِ القرارِ، يُقوِّضُ الدُّستورَ عمليّاً، ويُفرِغُهُ من مضمونهِ السياديِّ.
في المقابلِ، لا تتحقَّقُ السِّيادةُ في فراغٍ مؤسّساتيٍّ، بل تتطلّبُ رؤيةً متكاملةً لبناءِ دولةٍ تسودُها الحوكمةُ الرشيدةُ. والحَوْكَمةُ هنا ليست تقنيةً إداريّةً فحسب، بل ثقافةُ حكمٍ قائمةٌ على الشفافيّةِ، والمساءلةِ، وسيادةِ القانونِ، واستقلاليّةِ القضاءِ، وكفاءةِ الإدارةِ العامّةِ. إنَّ إعادةَ الاعتبارِ للدُّستورِ كمرجعيّةٍ عليا تُلزِمُ السلطاتِ كافةً، هو الشرطُ الناظمُ لتحويلِ الحوكمةِ من شعاراتٍ إصلاحيّةٍ إلى سياساتٍ عامّةٍ قابلةٍ للتنفيذِ والتقويمِ.
وتبقى المواطَنةُ الحاضنةُ للتنوّعِ ركناً تأسيسيّاً في هذا المسارِ. فالدَّولةُ الدستوريّةُ في لبنان لا تُبنى على منطقِ الغَلَبَةِ أو الإقصاءِ، بل على عقدٍ وطنيٍّ يُساوي بين المواطنينَ في الحقوقِ والواجباتِ، ويُديرُ التنوّعَ ضمن إطارِ وحدةٍ سياسيّةٍ وقانونيّةٍ. إنَّ تكريسَ المواطَنةِ لا ينفصلُ عن العدالةِ الاجتماعيّةِ، ولا عن سياساتٍ عامّةٍ تُعالجُ الاختلالاتِ البنيويّةَ، وتُعيدُ توزيعَ الفرصِ على نحوٍ عادلٍ، بما يُعزِّزُ الثقةَ بين الدَّولةِ والمجتمعِ.
من هنا، يكتسبُ تطبيقُ اتفاقِ الطائفِ كاملِه، ومعالجةُ الثغراتِ التي شابتْ ممارستَهُ، أهميّةً محوريّةً في مسارِ التَّحقُّقِ الدُّستوريِّ. فاتفاق الطائف ، كنصٍّ تأسيسيٍّ مُعدَّلٍ لدستورِ الجمهوريَّة الأولى، وضعَ أُسُسَ إنهاءِ الحربِ وبناءِ الدَّولةِ، إلّا أنّهُ تعرّضَ لقراءاتٍ انتقائيّةٍ عطّلتْ بعضَ أحكامِه، ووسّعتْ ثغراتِه. إنَّ المقاربةَ المطلوبةَ اليومَ ليست إعادةَ فتحِ النّقاش في اتّفاق الطائفِ سياسياً، بل استكمالُ تطبيقِه دستورياً، وتفعيلُ آليّاتِه الإصلاحيّةِ، ومعالجةُ ما أفرزتهُ الممارسةُ من خللٍ في التوازنِ بين السّلطاتِ، ومن التباسٍ في مفهومِ الشراكةِ الوطنيّةِ.
في هذا السياقِ، تُشكِّلُ أولويّةُ الدُّستورِ على أيِّ تسويةٍ سياسيّةٍ المبدأَ الحاسمَ لإنقاذِ الدَّولةِ. فالتسوياتُ التي تُبنى على موازينِ قوى داخليّة أو خارجيّة ظرفيّةٍ قد تُنتجُ استقراراً هشّاً، لكنّها لا تُنتجُ دولةً. أمّا الدُّستورُ، فهو الإطارُ الوحيدُ القادرُ على تحويلِ التعدديّةِ من مصدرِ صراعٍ إلى مصدرِ انتظامٍ، وعلى ضبطِ الصراعِ السياسيِّ ضمن قواعدَ مؤسّساتيّةٍ واضحةٍ.
خلاصةُ القولِ تكمُن في أنََّ التَّحقُّقَ الدُّستوريَّ في لبنانَ هو خيارٌ سياديٌّ لا يحتملُ التأجيلَ أو المساومةَ. هو مسارُ بسطِ السِّيادةِ بقوى الدَّولةِ الذّاتيّةِ، وبناءِ حوكمةٍ رشيدةٍ، وترسيخِ مواطَنةٍ عادلةٍ، انطلاقاً من وَقفِ السُّلوك السِّياسيّ المافَوق-دَولتيّ. وأيُّ محاولةٍ للالتفافِ على الدُّستورِ تحتَ عنوانِ تسوياتٍ سياسيّةٍ، إنّما تُعيدُ إنتاجَ الأزمةِ وتُعمِّقُها. وحدَهُ الدُّستورُ، حين يُحترَمُ ويُطبَّقُ، يُشكِّلُ الضمانةَ الفعليّةَ لدولةِ السِّيادةِ والاستقرارِ الدائمِ.
