
د. زياد الصَّائغ
٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٦
نحوَ مأسسةِ كُتَلِ الضَّغطِ الاغترابيَّةِ!
ليس الاغترابُ اللُّبنانيُّ مُجرَّدَ امتدادٍ اجتماعيٍّ أو عاطفيٍّ للوطنِ، بل تحوَّلَ، بحكمِ الواقعِ والتَّحوُّلاتِ العالميَّةِ، إلى قوَّةٍ كامنةٍ ذاتِ تأثيرٍ مُفترضٍ في مراكزِ القرارِ العربيّ والدُّوليِّ. غيرَ أنّ هذا التَّأثيرَ بقيَ، في غالبيَّتِهِ، مُجزَّأً وموسميًّا، يُحرِّكُهُ الوجدانُ أكثرَ ممّا تُنظِّمُهُ المؤسَّساتُ. من هنا، تبرزُ الحاجةُ الملحَّةُ إلى الانتقالِ من منطقِ التَّجمُّعاتِ الظَّرفيَّةِ إلى مأسسةِ كُتَلِ الضَّغطِ الاغترابيَّةِ، بما يُحوِّلُ القوَّةَ العدديَّةَ والانتشارَ الجغرافيَّ إلى فعلٍ سياسيٍّ منظَّمٍ ومُستدامٍ.
يتجاوز التَّحدِّي المطروحَ اليومَ مسألةَ التَّمثيلِ الرمزيِّ أو الحضورِ الاحتفاليِّ في المناسباتِ الوطنيَّةِ. فمئويَّةُ قيامِ دولةِ لبنانَ الكبيرِ، وما تلاها من مسارٍ غيرِ مكتملٍ لبناءِ الدَّولةِ، ومئويَّةُ الدُّستورِ التي تقتربُ بوصفِها اختبارًا فعليًّا للانتظامِ الدُّستوريِّ، تفرضانِ إعادةَ تعريفِ دورِ الاغترابِ في معادلةِ السِّيادةِ والدَّولةِ. هنا، لا يعودُ مقبولًا الاكتفاءُ بخطابٍ إنشائيّ، فيما تُهدرُ القدرةُ الفعليَّةُ على التَّأثيرِ حيثُ تُصاغُ السِّياساتُ العامّة وتُتَّخذُ القراراتُ السّياديّة الإصلاحيّة تحت سقف الدّستور.
إنّ مأسسةَ كُتَلِ الضَّغطِ الاغترابيَّةِ تعني أوّلًا ربطَ مواقعِ القوَّةِ الاغترابيَّةِ ضمنَ أُطُرٍ تنظيميَّةٍ واضحةٍ، تقومُ على تحديدِ الأهدافِ، وتوحيدِ الرِّسائلِ، وتوزيعِ الأدوارِ، وبناءِ آليّاتِ التَّواصلِ مع البرلماناتِ والحكوماتِ ومراكزِ الأبحاثِ ووسائلِ الإعلامِ في عواصمِ القرارِ. القضيَّةُ ليستْ في كثرةِ الأصواتِ، بل في قدرتِها على التَّلاقي حولَ أولويَّاتٍ وطنيَّةٍ مُحدَّدةٍ تُعبِّرُ عن مصلحةِ لبنانَ كدولةٍ، لا كمجموعةِ انتماءاتٍ متنافسة.
المأسسة تعني تحديد بوصلة اللّوبيينغ، ورفع مستوى التّنسيق بين كلّ مكوّنات الإغتراب على كلّ المستويات. ثمّ إنّ المأسسةَ تفترضُ تجاوزَ منطقِ الرَّدِّ على الأحداثِ إلى منطقِ الاستباقِ. الاغترابُ المنظَّمُ لا ينتظرُ وقوعَ الأزمةِ ليتحرَّكَ، بل هو معنيٌّ ببناءِ سرديَّةٍ مستمرَّةٍ حولَ لبنانَ، تُثبِّتُ صورتَهُ كبلدٍ ينتمي إلى العالمِ الحرِّ، ويحترمُ الدُّستورَ، ويسعى إلى استعادةِ دولتِهِ السَّيِّدةِ العادلةِ المستقلَّةِ. هذا الانتماءُ ليسَ شعارًا أيديولوجيًّا، بل هو خيارٌ دستوريٌّ وسياسيٌّ وقانونيٌّ وثقافيٌّ، يتطلَّبُ خطابًا عقلانيًّا ومنهجيَّة فِعْلٍ دقيقةٍ.
في هذا الإطارِ، تكتسبُ عواصمُ القرارِ أهميَّةً خاصَّةً، ليسَ فقط لكونِها مراكزَ نفوذٍ، بل لأنّها ساحاتُ تفاعلٍ بينَ المصالحِ والقيمِ. وإنّ مأسسةُ العملِ الاغترابيِّ تقتضي تمركزَ كُتَلِ الضَّغطِ حيثُ تُناقَشُ السِّياساتُ الخارجيَّةُ، وحيثُ تُربطُ المساعداتُ والإصلاحاتُ بشروطِ الحوكمةِ والسِّيادةِ. عندَها، يتحوَّلُ الاغترابُ من شاهدٍ إلى شريكٍ، ومن داعمٍ عاطفيٍّ إلى فاعلٍ مؤسَّسيٍّ.
غيرَ أنّ هذا المسارَ لا ينجحُ من دونِ وضوحٍ في المرجعيَّةِ الوطنيَّةِ، إذ إنَّ مأسسةُ كُتَلِ الضَّغطِ لا تعني إنشاءَ لوبيّاتٍ متجاورةٍ، بل بناءَ منصَّاتٍ تنسيقيَّةٍ تحترمُ التنوُّعَ ضمنَ وحدةِ الهدفِ. الهدفُ هنا هو تثبيتُ أولويةِ الدُّستورِ، ودعمُ قيامِ دولةِ المواطنةِ السياديّة، والدَّفعُ نحوَ إصلاحاتٍ بنيويَّةٍ تُعيدُ الثقةَ بلبنانَ كشريكٍ موثوقٍ في العالم الحرّ. كلُّ ترهُّل في هذا المسارِ يُعيدُ الاغترابَ إلى دائرةِ التَّشتُّتِ التي أضعفتْ أثرَهُ تاريخيًّا.
إنّ الابتعادَ عن الشِّعاراتِ الوجدانيّة لا يعني التَّخلِّي عن الهويَّةِ، بل تحريرَها من الاستهلاكِ الخطابيِّ. فالهويَّةُ التي لا تُترجَمُ إلى سياساتٍ ومواقفَ تبقى معلَّقةً في الذَّاكرةِ، فيما المطلوبُ تحويلُ الذَّاكرةِ إلى التزامٍ، والانتماءِ إلى مسؤوليَّةٍ. وعندما تُؤسَّسُ كُتَلُ الضَّغطِ على هذا الفهمِ، يصبحُ الاغترابُ رافعةً حقيقيَّةً لمشروعِ الدَّولةِ، لا مجرَّدَ صدى لأزماتها.
ليست مأسسةَ كُتَلِ الضَّغطِ الاغترابيَّةِ ترفًا تنظيميًّا، بل ضرورةً وطنيَّةً في لحظةٍ مفصليَّةٍ من تاريخِ لبنانَ، فهي السبيلُ إلى مواكبةِ استحقاقاتِ المئويَّتَيْنِ بمعناهما الفعليِّ، وإلى تثبيتِ انتماءِ لبنانَ إلى العالمِ الحرِّ قولًا وفعلًا، إذ بينَ الاغترابِ المُبعثَرِ والاغترابِ المُؤسَّسيِّ، يكمنُ الفارقُ بينَ فرصةٍ تُهدَرُ ودورٍ يُستعادُ.
