
زياد الصَّائغ
٥ آذار ٢٠٢٦
الدّولةُ أو اللّادولة: الإغتراب اللّبناني في المواجهة!
يقفُ لبنانُ اليومَ أمامَ اختبارٍ مصيريٍّ يتعلّقُ بجوهرِ قيامِ الدّولةِ نفسِها. فالدّولةُ، في معناها الدّستوريّ والسّياسيّ، لا تقومُ بوجودِ سلطاتٍ موازيةٍ تنازعُها القرارَ، ولا تستقيمُ بوجودِ سلاحٍ خارجَ إطارِ مؤسّساتِها الشّرعيّة. إنَّ احتكارَ السّلطةِ والسّلاحِ ضمنَ الإطارِ الدّستوريّ ليسَ خيارًا سياسيًّا بينَ خياراتٍ عدّة، بل شرطٌ تأسيسيٌّ لوجودِ الدّولةِ ذاتِها. وعندما يُنتهكُ هذا المبدأُ، تتحوّلُ الدّولةُ إلى هيكلٍ هشٍّ تُهدِّدُهُ الانقساماتُ ويستبيحُهُ الخارجُ.
لقد عاشَ لبنانُ خلالَ العقودِ الماضيةِ تجربةً قاسيةً مع ازدواجيّةِ السّلطةِ. فبينما ينصُّ الدّستورُ بوضوحٍ على مرجعيّةِ المؤسّساتِ الدّستوريّةِ في تقريرِ السّياساتِ الكبرى، بما فيها قرارُ الحربِ والسِّلم، نشأتْ في الواقعِ ممارساتٌ تُفرغُ هذا المبدأَ من مضمونِه. وهكذا باتَ الوطنُ عرضةً لرهاناتِ القوى الإقليميّةِ والدّوليّةِ، وأصبحَ الشّعبُ اللّبنانيّ يدفعُ مرارًا ثمنَ مغامراتٍ لا قرارَ له فيها ولا مصلحةَ له بها.
إنَّ التمرّدَ على الشّرعيّةِ الدّستوريّة ليسَ مجرّدَ خلافٍ سياسيٍّ داخليّ، بل اعتداءٌ مباشرٌ على الكيانِ اللّبنانيّ نفسِه. فالدّولةُ الدّستوريّةُ تقومُ على قواعدَ تنظّمُ توزيعَ السّلطاتِ وتحدّدُ مرجعيّاتِ القرار. وأيُّ خروجٍ على هذه القواعدِ يفتحُ البابَ أمامَ منطقِ الغلبةِ والقوّة، وهو منطقٌ يُدمِّرُ فكرةَ الدّولةِ ويُعيدُ المجتمعَ إلى مربّعِ الصّراعاتِ المفتوحةِ.
غيرَ أنّ الأخطرَ أنّ لبنانَ لا يدفعُ فقط ثمنَ خللٍ داخليّ، بل ثمنَ تحوُّلِ أرضِه إلى ساحةٍ لتصفيةِ الصّراعاتِ الإقليميّةِ. فعندما يُستخدَمُ الوطنُ منصّةً لحروبِ الآخرين، يصبحُ خطرُ الاستباحةِ واقعًا دائمًا، كما يصبحُ خطرُ احتلالِ أجزاءٍ من أرضِه احتمالًا قائمًا في أيِّ لحظةٍ من لحظاتِ التّصعيد.
أمامَ هذا الواقعِ، يبرزُ سؤالٌ أساسيّ. كيف يمكنُ للبنانَ أن يستعيدَ منطقَ الدّولةِ وأن يخرجَ من دوّامةِ السّاحاتِ المفتوحةِ؟ إنَّ الجوابَ يبدأُ بإعادةِ الاعتبارِ لمبدأِ الشّرعيّةِ الدّستوريّة، وترسيخِ مرجعيّةِ المؤسّساتِ الشّرعيّةِ في القرارِ الوطنيّ. غيرَ أنّ استعادةَ الدّولةِ ليستْ مهمّةَ الدّاخلِ وحدَه، بل هي أيضًا مسؤوليّةُ الاغترابِ اللّبنانيّ المنتشرِ في عواصمِ العالم.
فالاغترابُ اللّبنانيّ يشكّلُ امتدادًا حيًّا للوطن، وشبكةَ تأثيرٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ وثقافيٍّ في عددٍ كبيرٍ من دولِ القرار. ومن هنا يمكنُ للجالياتِ اللّبنانيّةِ أن تلعبَ دورًا محوريًّا في إعادةِ تقديمِ القضيّةِ اللّبنانيّةِ إلى المجتمعِ الدّوليّ بصورتِها الحقيقيّة، بوصفِها قضيّةَ دولةٍ تسعى إلى بسطِ سيادتِها على كاملِ أراضيها وصونِ شعبِها من الانزلاقِ إلى صراعاتِ الآخرين.
ويستطيعُ الاغترابُ أن يساهمَ في هذا المسارِ عبرَ التّواصلِ مع البرلماناتِ والحكوماتِ ومراكزِ التّأثيرِ في دولِ الإقامة، من أجلِ دعمِ سياساتٍ دوليّةٍ تُساندُ استقرارَ لبنانَ وتؤكّدُ ضرورةَ احترامِ سيادتِه وتطبيقِ القراراتِ الدّوليّةِ ذاتِ الصّلة. كما يشكّلُ الاغترابُ عنصرًا أساسيًّا في دعمِ صمودِ المجتمعِ اللّبنانيّ اقتصاديًّا، عبرَ الاستثماراتِ والمبادراتِ التّنمويّةِ التي تساهمُ في الحدِّ من الانهيارِ وتعزيزِ مقوّماتِ الاستقرار.
غيرَ أنّ دورَ الاغترابِ لا ينبغي أن يبقى في إطارِ ردودِ الفعلِ الظّرفيّة، بل يجبُ أن يتحوّلَ إلى عملٍ منظّمٍ طويلِ المدى. فلبنانُ بحاجةٍ إلى شبكاتِ ضغطٍ فعّالةٍ تعملُ في عواصمِ القرارِ للدّفاعِ عن سيادةِ الدّولةِ وعن حقِّ الشّعبِ اللّبنانيّ في العيشِ بأمانٍ واستقرار.
إنَّ الطّريقَ إلى الإنقاذِ واضحُ المعالم. صبرٌ وطنيٌّ يحفظُ الوحدةَ الدّاخليّة. حزمٌ سياديٌّ يضعُ حدًّا لأيِّ سلاحٍ خارجَ الشّرعيّة. عملٌ تراكميٌّ لإعادةِ بناءِ المؤسّساتِ وترسيخِ دولةِ القانون.
وعندما تتكاملُ إرادةُ الدّاخلِ مع قوّةِ الاغترابِ، يصبحُ الأملُ واقعيًّا. عندها يمكنُ للبنانَ أن يخرجَ من موقعِ السّاحةِ إلى موقعِ الدّولة، وأن يستعيدَ دورَهُ نموذجًا حضاريًّا يقومُ على الحرّيّةِ والتّعدّديّةِ وسيادةِ القانون. حمى اللهُ لبنانَ واللّبنانيّينَ.
