
زياد الصَّائغ
١٢ آذار ٢٠٢٦
لحظةُ الحقيقةِ وكيانيّةُ لبنانَ!
لبنانُ اليومَ أمامَ لحظةُ الحقيقةِ الكيانيّة. لحظةٌ لا تُقاسُ فقطْ بميزانِ التوازناتِ السياسيّةِ، بلْ بميزانِ المصيرِ الوطنيِّ نفسِهِ. الدّولُ، كما الكياناتُ التاريخيّةُ، تمرُّ أحيانًا بمحطّاتٍ فاصلةٍ يصبحُ فيها التردّدُ نوعًا منَ الانتحارِ البطيءِ، ويغدو تأجيلُ الحسمِ مساهمةً غيرَ مباشرةٍ في تفكّكِ الكيانِ بدلَ حمايتِه.
لقدْ اعتادَ لبنانُ، منذُ عقودٍ طويلةٍ، نمطًا سياسيًّا قائمًا على المسايرةِ والمراهنةِ والمقايضةِ. مسايرةٌ للتوازناتِ الداخليّةِ الهشّةِ. مراهنةٌ على تبدّلِ الظروفِ الإقليميّةِ. ومقايضةٌ دائمةٌ بينَ الاستقرارِ المؤقّتِ والسيادةِ المؤجَّلةِ. غيرَ أنّ هذا النمطَ منَ الإدارةِ السياسيّةِ أثبتَ معَ الزمنِ أنّهُ لا يحفظُ الاستقرارَ بقدرِ ما يُراكمُ عواملَ الانفجارِ. الدّولةُ التي تقبلُ بتأجيلِ سيادتِها مرّةً بعدَ مرّةٍ، تجدُ نفسَها تدريجيًّا أمامَ واقعٍ تصبحُ فيهِ السيادةُ نفسُها موضعَ تفاوضٍ. وعندما تتحوّلُ السيادةُ إلى مادّةٍ للتفاوضِ، يبدأُ الكيانُ بالدخولِ في منطقةِ الخطرِ الوجوديِّ. إنَّ كيانيّةَ لبنانَ ليستْ فكرةً شاعريّةً أو شعارًا سياسيًّا عابرًا، بلْ هيَ حقيقةٌ تاريخيّةٌ وقانونيّةٌ ارتبطتْ منذُ نشأةِ الدّولةِ اللبنانيّةِ بفكرةِ التعدديّةِ المنظَّمةِ داخلَ إطارِ دولةٍ واحدةٍ ذاتِ سيادةٍ كاملةٍ. هذهِ الفكرةُ لا يمكنُ أنْ تستمرَّ إلّا إذا بقيَتِ الدّولةُ هيَ المرجعيّةُ العليا الوحيدةُ في إدارةِ القوّةِ داخلَ المجتمعِ.
منْ هنا يتّضحُ أنّ السؤالَ المركزيَّ اليومَ ليسَ سؤالَ السياسةِ اليوميّةِ، بلْ سؤالُ احتكارِ الدّولةِ للقوّةِ الشرعيّةِعلى كاملِ أراضيها. بدونِ هذا الاحتكارِ، تتحوّلُ الدّولةُ إلى إطارٍ إداريٍّ هشٍّ، بينما تنتقلُ السلطةُ الفعليّةُ إلى قوى الأمرِ الواقعِ. لقدْ أثبتتْ التجربةُ اللبنانيّةُ خلالَ العقودِ الأربعينَ الماضيةِ أنّ ازدواجيّةَ السّلطةِ ليستْ حالةً عابرةً يمكنُ التكيّفُ معها، بلْ هيَ بنيةٌ مولِّدةٌ للأزماتِ المتكرّرةِ. كلُّ مرّةٍ يُرحَّلُ فيها الاستحقاقُ السياديُّ باسمِ الواقعيّةِ السياسيّةِ، يعودُ لبنانُ ليدفعَ ثمنَ هذا التأجيلِ في صورةِ أزماتٍ أعمقَ وأخطرَ. هكذا وجدَ اللبنانيّونَ أنفسَهم خلالَ أربعينَ عامًا أمامَ مسارٍ طويلٍ منَ الاستباحةِ. استباحةٌ للقرارِ الوطنيِّ، استباحةٌ للحدودِ، واستباحةٌ لمفهومِ الدّولةِ نفسِهِ. معَ كلِّ مرحلةٍ كانَ يُقالُ إنَّ التريّثَ ضروريٌّ، وإنَّ اللحظةَ لمْ تنضجْ بعدُ، وإنَّ الواقعيّةَ السياسيّةَ تفرضُ التسوياتِ المؤقّتةَ. غيرَ أنّ التاريخَ يُظهِرُ بوضوحٍ أنّ التسوياتِ التي تُبنى على إرجاءِ الحقيقةِ لا تُنتجُ استقرارًا، بلْ تُنتجُ أزماتٍ مؤجَّلةً.
إنَّ لحظةَ الحقيقةِ التي يقفُ أمامَها لبنانُ اليومَ تفرضُ الانتقالَ منْ منطقِ المسايرةِ إلى منطقِ الدّولةِ، ومنْ ثقافةِ المراهنةِ إلى ثقافةِ المؤسّساتِ، ومنْ سيكولوجيّةِ المقايضةِ إلى منطقِ السيادةِ الكاملةِ. سيادةُ الدّولةِ على كاملِ أراضيها ليستْ شعارًا سياسيًّا، بلْ شرطٌ وجوديٌّ لاستمرارِ الكيانِ نفسِهِ. الدّولةُ التي لا تمتلكُ القدرةَ الذاتيّةَ الشرعيّةَ على حمايةِ أرضِها وشعبِها تبقى دائمًا رهينةً لتوازناتٍ خارجيّةٍ متقلّبةٍ.
منْ هنا تبرزُ ضرورةُ بناءِ قوّةٍ شرعيّةٍ وطنيّةٍ ذاتيّةٍ قادرةٍ على حمايةِ لبنانَ ضمنَ إطارِ مؤسّساتِهِ الدّستوريّةِ. المعادلةُ الحقيقيّةُ للأمنِ الوطنيِّ لا تقومُ على تعدّدِ مراكزِ القوّةِ، بلْ على وحدةِ القرارِ العسكريِّ تحتَ سلطةِ الدّولةِ. لكنَّ استعادةَ السيادةِ الداخليّةِ ليستْ كافيةً إذا لمْ تترافقْ معَ رؤيةٍ واضحةٍ لموقعِ لبنانَ في النظامِ الإقليميِّ والدوليِّ. هنا تبرزُ أهمّيّةُ اعتمادِ سياسةِ الحيادِ الإيجابيِّ كخيارٍ استراتيجيٍّ يحمي لبنانَ منَ الانخراطِ في صراعاتِ المحاورِ، ويعيدُ تثبيتَهُ كمساحةِ تفاعلٍ حضاريٍّ واقتصاديٍّ وثقافيٍّ بدلَ أنْ يبقى ساحةً لتصفيةِ النزاعاتِ. فالحيادُ الإيجابيُّ ليسَ انسحابًا منَ العالمِ، بلْ انخراطٌ فيهِ على أساسِ المصالحِ الوطنيّةِ العليا، وعلى قاعدةِ احترامِ سيادةِ الدّولةِ اللبنانيّةِ واستقلالِ قرارِها. في هذا الإطارِ يصبحُ منَ الطبيعيِّ التفكيرُ في معاهدةِ دفاعٍ معَ الولاياتِ المتّحدةِ الأميركيّةِ ضمنَ رؤيةٍ شاملةٍ لتعزيزِ القدراتِ الدفاعيّةِ للدولةِ اللبنانيّةِ، وتثبيتِ الاستقرارِ الإقليميِّ حولَ لبنانَ. العلاقاتُ الدوليّةُ في العصرِ الحديثِ تقومُ على الشراكاتِ الاستراتيجيّةِ التي تُعزِّزُ قدراتِ الدولِ على حمايةِ سيادتِها، لا على الارتهانِ لمحاورِ الصراعِ. إنَّ التقاطَ لحظةِ الحقيقةِ ليسَ ترفًا سياسيًّا، بلْ ضرورةٌ كيانيّةٌ. لبنانُ لمْ يعدْ يحتملُ استمرارَ الحلقةِ نفسها منَ الأزماتِ المتكرّرةِ، ولا يستطيعُ تحمّلَ المزيدِ منَ التأجيلاتِ التي تُبقيهِ في حالةِ التعليقِ بينَ الدّولةِ واللّادولةِ.
إنّ الأولويّةَ الوطنيّةَ اليومَ يجبُ أنْ تكونَ تحريرَ لبنانَ منْ موروثاتِ أربعينَ عامًا منَ الاستباحةِ، وبناءَ مشروعِ دولةٍ حديثةٍ تقومُ على ثلاثِ ركائزَ واضحةٍ. مواطنةٌ جامعةٌ، سيادةٌ كاملةٌ، وعدالةٌ مؤسّسيّةٌ. دولةُ مواطنةٍ سيّدةٍ حرّةٍ عادلةٍ مستقلّةٍ، تمتلكُ قرارَها، وتحمي شعبَها، وتُقيمُ علاقاتِها الخارجيّةَ على قاعدةِ الحيادِ الإيجابيِّ والشراكاتِ الاستراتيجيّةِ التي تُعزِّزُ استقرارَها. فالأوطانُ، في نهايةِ المطافِ، لا تسقطُ فجأةً، بلْ تتآكلُ تدريجيًّا عندما تُؤجَّلُ لحظاتُ الحقيقةِ. أمّا لبنانُ اليومَ، فليسَ أمامَهُ ترفُ التأجيلِ. لقدْ حانتْ لحظةُ الحقيقةِ، وحانَ معها زمنُ استعادةِ الدّولةِ لكيانيّتِها وسيادتِها الكاملةِ.
