
بقلم : الدكتور جورج شبلي
٢٥ نيسان ٢٠٢٦
الأنظمة الشّمولية والإرهاب
قبلَ الخَوض في مفهوم النّظام الشّمولي، نقدّمُ أمثلةً تاريخيّة برزَت في الجزء الأوّل من القرن الماضي، هي النّازية أو نظام ” هتلر ” في ألمانيا، والستالينيّة أو نظام ” ستالين ” في الاتّحاد السّوفييتي، والفاشيّة أو نظام ” موسوليني ” في إيطاليا. وقد لخَّصَت ” حنّة آرنِت” إحدى أبرز المنظِّرين السياسيّين في القرن العشرين، مفهوم الأنظمة الشموليّة بأنّها حيثيّة سياسيّة صارمة تَدمجُ الإيديولوجيا مع جهاز السّلطة القَمعي، لتُشكِّل مجتمعًا خاضعًا للحكم المُطلَق. وغالبًا ما تَستخدمُ الأنظمة الشّمولية التّخويف والتّرهيب والعنف لتحقيق أهدافها.
واستنادًا، هل يمكنُ اعتبار النّظام الشّمولي الثّيوقراطيّ، حيثيّة تستخدمُ القَمع والتّرهيب؟ لن نُجيب عن هذا السؤال، قبلَ تحديد النّظام الشّمولي، وخصائصه، وسلوك القيِّمين عليه في الحكم، والعلاقة بينه والتّرهيب.
إنّ النّظام الشّمولي هو واحدٌ من أنظمة الحُكم السّائدة في دُوَل العالَم. ويمكن أن يُطلَقَ عليه تسمية أخرى هي النّظام التّوتاليتاري، أو النّظام الكُلّي الذي يشمل كلّ نواحي الحياة في بلدٍ ما، ويتمُّ بسلوكٍ محدَّد، تمامًا، هو السيطرة الكاملة والمشدَّدة على جوانب الحياة، جميعها، السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصادية والأمنية والتربوية … الى حدّ التحكّم المُطلَق بتفاصيل حياة النّاس الشخصيّة، ما يعني أنّ النّظام الشّمولي، على مستوى الحريّات والحقوق، هو أكثرُ تشدُّدًا من النّظام السُّلطَوي، وأكثرُ سوءًا !!!
أمّا سلوك القيّمين على الحكم، في الأنظمة الشموليّة، فتتلخّص في إلغاء الحريّة، ولا سيّما الإعلاميّة منها، وإخضاع الناس بالإكراه لإيديولوجيا صارمة، ليتحوّل الفردُ جزءًا من مشروع النّظام، كما يعمل على مراقبة كلّ شيء، والقضاء على أيّ معارضة بالعنف والقتل، والسيطرة على الوعي الجَماعي بالتّضليل والتّخويف والتّرهيب، وتبرير الصّرامة باسم الأمن، والتّرهيب باسم الاستقرار…
ليس هنالك من قوانين مرعيّة في الحكم الشّمولي، بقَدر ما نواجه منظومة قواعد تشكّل نمطًا مستمرًّا لاحتكار السيطرة، بالقمع والهيمنة المتشدّدة في مجالات المجتمع كافةً. ومن أبرز مفاعيل هذه المنظومة هو اختراق الحياة الخاصة بشكل ممنهَج، ليتحوّل الفردُ، كما تقولُ ” حنّة آرنت “، الى ” كائنٍ معزول ضمنَ جماعةٍ مُطيعة “. أمّا خصائص هذه المنظومة فهي : أن تتركّز السلطة بيَدِ شخصٍ واحد; إلغاء الحريّات وتقييدُها وإخضاعُها لرقابةٍ مشَدَّدة; سيطرة السّلطة على الصّحافة بحيث لا يتلقّى الشّعبُ إلّا ما تريده السّلطة; اعتماد السّلطة على أجهزة أمنيّة وعسكريّة نافِذة لمراقبة النّاس وقَمع أي تحرّك مُعارِض; الإمساك الصّارم بالقضاء ليخدم أهداف السّلطة لا ليحقق العدالة; السيطرة على مقدّرات البلاد الاقتصادية وإنفاق مردودها حسبَ ما تقتضيه رغبة القائد لا حقوق المواطنين …
ويُضافُ، أيضًا، سلوك التمدّد خارج حدود الدّولة، بهدف توسيع رقعة النّفوذ، وتعزيز القوة، بجعل أنظمة البلدان المُستَهدَفة موالية بحُكم الامساك بقرارها، ما يعيدُها الى زمن الاحتلال والاستعمار، والانتداب، أو الى تَقَمُّص زمن الفتوحات.
أمّا الإرهاب فهو استخدام العنف والرّعب والقتل والاغتيال، لتحقيق أهدافٍ مشبوهة. وفي النّظام الشّمولي، يُمارَسُ التّرهيب بالاعتقالات التعسّفية، والتّعذيب، والإعدام، ونشر التّخويف لتطويع الجماعة، في ما يُسَمّى إرهاب الدولة.
واستنادًا، هل يُعتَبَر النظام الشموليّ الثيوقراطيّ إرهابيًّا ؟؟
لقد اختلفَت المواقف، في هذا الشّأن، بحسب إيديولوجيّة الباحث، ومصالحه، وانتمائه الى محورٍ ما… لذلك، هناك آراء متباينة. لن نناقش هذه الآراء، بقَدر ما نحاول أن نتبيّن، بموضوعيّة وواقعيّة، إجابةً علميّة دقيقة تستندُ الى تحليلٍ وبراهين وصولًا الى استنتاجٍ واضح.
إنّ النظام الشمولي الثيوقراطي، هو حيثيّةٌ تؤكّد على احتكار السّلطة بيدِ جهة واحدة تمتلك وحدَها القرار. كما يعتمدُ على استخدام القوة بواسطة أجهزة أمنيّة قمعيّة، كالمخابرات، لضبط الأنفاس وتقييد الحريّات وقتل المعارِضين والمتظاهرين، بالآلاف، ما يعني أنّ علاقة النّاس مع الحُكم هي علاقة هيمنة لا علاقة مواطنة. كما يعمل على فرض إيديولوجيا دينيّة تمنح النّفوذ لمؤسّسات دينيّة متطرّفة، كذلك، يسعى النّظام الى التوسّع خارج حدود الدولة الثيوقراطية بإنشاء أذرع تدين بالولاء لها، كمرجعيّة حصريّة، وليس للدُّوَل التي تنتمي إليها الأذرع. بالإضافة الى استثمار مقدّرات الدولة للتسلّح ودَعم الأذرع، ما يؤدّي الى فقرٍ مدقع وعَوَز في النسيج الشّعبي.
هذا الغَيض من فَيض، يُثبِتُ، بالأدلّة، أنّ النظام الشموليّ، البعيد عن الديمقراطيّة، والذي يقوم سلوكه على الإخضاع والقمع والتّرهيب والتوسّع، أي على العدائيّة الداخليّة والخارجيّة على حدٍ سواء، هو نظامٌ إرهابيّ بامتياز.
