
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
١ حزيران ٢٠٢٦
حين نخرج من التاريخ تسقط الجغرافيا
لم يكن سقوط قلعة الشقيف في يد الإسرائيلي حدثاً عسكرياً عابراً في تاريخ الجنوب اللبناني، بل شكّل لحظةً رمزيةً تختصر تحوّلًا أعمق في علاقة الأرض بالهوية، والجغرافيا بالتاريخ، والانتماء المحلي بالمشاريع الإقليمية. فالشقيف، بما تمثله من رمزية دفاعية وجغرافية وتاريخية، ليست مجرد حصن حجري يطل على الجنوب، بل شاهداً على قرون من الصراع والبقاء والارتباط العميق بين أهل الجنوب وأرضهم.
في القراءة السياسية التي يطرحها كثير من منتقدي النفوذ الإيراني في لبنان، لا تكمن المشكلة الأساسية في خسارة موقع أو تراجع نفوذ عسكري، بل في التحوّل الذي جعل جزءاً من البيئة الشيعية اللبنانية ينتقل من موقع الشريك في صياغة الكيان اللبناني إلى موقع الارتباط بمحور إقليمي تتقدّم أولوياته على الدولة اللبنانية ومصالحها. هنا يصبح سقوط الجغرافيا نتيجةً لسقوط المعنى الوطني الذي يحميها.
رغم اعتراض شيعة جبل عامل على لبنان الكبير سنة ١٩٢٠، وهم “العامليّون” الذين ثبّتوا وجودهم تاريخيّاً بوجه المماليك ومجازرهم، واستبداد الدولة العثمانيّة، فلقد أصبحوا، تاريخياً، جزءاً أصيلاً من النسيج اللبناني، مرتبطين بجبل عامل والجنوب والبقاع، وبفكرة الأرض والقرية والعائلة والانتماء المحلي. دفعوا أثماناً كبيرة عبر تاريخهم، وشاركوا في بناء لبنان الحديث سياسياً وثقافياً واجتماعياً. لكنّ التحولات التي رافقت صعود النفوذ الإيراني منذ ثمانينات القرن الماضي أعادت تشكيل الهوية السياسية لدى شريحة واسعة منهم، بحيث بات الانتماء العقائدي ـ السياسي العابر للحدود أكثر حضوراً من الانتماء الوطني الجامع في نظر خصوم هذا المشروع.
في هذا المنظور النقدي، لم تعد الجغرافيا اللبنانية هي مركز القرار، بل تحولت إلى ساحة ضمن حسابات أوسع تمتد من طهران إلى المتوسط. وصار الجنوب، بدل أن يكون خط الدفاع عن سيادة الدولة اللبنانية، ساحةَ رسائل متبادلة وحروبَ نفوذ وتوازناتٍ إقليمية. وحين تتحول الأرض إلى ورقة تفاوض في نزاعات الآخرين، تصبح الجغرافيا نفسها قابلة للسقوط، لا لأن أهلها فقدوا الشجاعة، بل لأن البوصلة تغيّرت.
إن أخطر ما في أي مشروع سياسي عابر لجغرافيا الدولة أنه يعيد تعريف الهوية على حساب التاريخ المحلي. فحين يُطلب من جماعة أن ترى نفسها أولاً من خلال سردية إقليمية أو مذهبية، يبهت حضور تاريخها الوطني. هذا ما أصاب قسماً من شيعة لبنان: انتقال تدريجي من إرث جبل عامل، بما يحمله من استقلالية فكرية وفقهية وثقافية، إلى تموضع سياسي مرتبط بمحاور المنطقة وصراعاتها.
لكنّ الوقائع أثبتت أيضاً أن كلفة هذا التموضع كانت باهظةً على لبنان عموماً وعلى البيئة الشيعية خصوصاً: دماراً، نزوحاً، خسائرَ بشرية، عزلةً سياسيةً واقتصادية، وتآكلاً لدور الدولة. وعندما تصبح القرارات المصيرية ـ الحرب والسلم ـ خارج المؤسسات الدستوريّة، تفقد الجغرافيا معناها السيادي، لأن الحدود لا تُحمى فقط بالسلاح، بل أيضاً بإجماع وطني حول وظيفة الأرض والدولة.
سقوط قلعة الشقيف، في هذا السياق الرمزي، لا يُقرأ فقط بوصفه خسارة عسكرية أو تكتيكية، بل كصورة مكثفة لسؤال أعمق: ماذا يحدث حين تنفصل جماعة عن تاريخها الوطني لصالح مشروع أكبر منها؟ وهل يمكن للأرض أن تبقى صلبةً إذا اهتزت فكرة الانتماء التي تمنحها معناها؟
مع ذلك، فإن المستقبل اللبناني لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء أو الاتهام الجماعي. فشيعة لبنان، مثل سائر اللبنانيين، جزءٌ مؤسس، ليس من الدولة فقط، بل من الوطن وتاريخه، وأي مشروع سيادي لبناني يحتاج إلى إعادة وصل كل المكونات بتاريخها الوطني المشترك، لا إلى دفعها نحو مزيد من الانقسام. فاستعادة الجغرافيا لا تكون فقط باستعادة الأرض، بل باستعادة فكرة لبنان بوصفه وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، تُتخذ فيه قرارات الحرب والسلم من داخل الدولة لا من خارجها، حينها فقط، قد تتوقف “القلاع” الوطنيّة عن السقوط، لأن الجغرافيا تستعيد معناها حين يعود التاريخ إلى أهله!
