
زياد الصَّائغ
١٥ تشرين الاول ٢٠٢٦
إيران وأذرُعَها…التصدّع الإنتِهائيّ!
تدخل التحوّلات الجيو-سياسيّة في الشرق الأوسط مرحلةً تتجاوز إعادة توزيع موازين القوى إلى إعادة النظر في البنية التي حكمت النظام الإقليميّ طوال عقود، وفي مقدّمها العلاقة بين سيادة الدول ومشاريع النفوذ العابرة لحدودها، وبين الشرعيّات الدستوريّة والتنظيمات المسلّحة التي استثمرت في هشاشة المؤسّسات الوطنيّة لتأسيس منظوماتٍ موازيةٍ للسلطة والقرار. في قلب هذه التحوّلات، يبرز المسار الممتدّ من مضيق هرمز إلى باب المندب بوصفه المجال الأكثر تعبيرًا عن أزمة المشروع الإقليميّ الإيرانيّ، وعن الحدود التي بلغتها استراتيجيّة توظيف الأذرع العسكريّة في صناعة النفوذ وإدارة الصراعات. ما يبدو، في القراءة العسكريّة المباشرة، استعادةً للمبادرة عبر التصعيد الحوثيّ ضدّ المملكة العربيّة السعوديّة وتهديد الملاحة الدوليّة، قد يكشف، في القراءة الاستراتيجيّة الأعمق، عن تصدّعٍ متراكمٍ في قدرة هذه المنظومة على تحويل العنف إلى مكاسب سياسيّةٍ مستدامة، وعن انتقالها التدريجيّ من توسيع النفوذ إلى الدفاع عن شروط بقائها.
إنّ مفهوم “التَصدُّع الانتهائيّ” الذي يمكن اعتماده لتفسير هذا المسار يشير إلى مرحلةٍ تفقد فيها منظومة النفوذ قدرتها على تجديد مشروعها السياسيّ، وإن احتفظت بأدواتٍ عسكريّةٍ مؤذية، فتتحوّل قدرتها على التعطيل إلى عبءٍ على شرعيّتها، ويصبح استمرار التصعيد تعبيرًا عن أزمة الخيارات المتاحة أمامها. لا يعني ذلك افتراض انهيارٍ عسكريٍّ وشيكٍ للحوثيين، أو انتهاء النفوذ الإيرانيّ بصورةٍ حتميّة، بل توصيف مسارٍ تتآكل فيه الجدوى الاستراتيجيّة لنموذجٍ اعتمد على تفكيك السيادة الوطنيّة، وإدامة النزاعات، واستخدام الجغرافيا العربيّة مجالًا للمساومة مع القوى الدوليّة. من هنا، فإنّ التمييز بين القدرة على إيقاع الضرر والقدرة على تحقيق النصر السياسيّ يشكّل المدخل الضروريّ لفهم اللحظة الراهنة، وتجنّب الخلط بين كثافة الهجمات ومتانة المشروع الذي يقف خلفها.
لقد أظهرت التطوّرات العسكريّة في اليمن، ولا سيّما المواجهات المتجدّدة حول الساحل الغربيّ ومضيق باب المندب، أنّ السيطرة على المواقع الاستراتيجيّة تبقى عرضةً للتبدّل، وأنّ الهجمات الحوثيّة على المطارات والمنشآت السعوديّة تتزامن مع محاولاتٍ لإعادة تشكيل الوقائع الميدانيّة لمصلحة الحكومة اليمنيّة المعترف بها دوليًّا. غير أنّ استمرار قدرة الحوثيين على توجيه ضرباتٍ مؤلمة، وما تسبّبت به الاعتداءات على المرافق المدنيّة من خسائر وتعطيل، يفرضان الحذر من إعلان هزيمتهم قبل تبلور نتائج سياسيّةٍ وعسكريّةٍ ثابتة. التصدّع الاستراتيجيّ لا يُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق، بل بمدى قدرة التنظيم المسلّح على الاحتفاظ بمشروعيّة السيطرة، وتأمين موارده، وحماية مجتمعه، وفرض تسويةٍ تضمن استمرار مشروعه خارج مرجعيّة الدولة. هذا ما يجعل التصعيد الحوثيّ، في دلالاته السياسيّة، قابلًا لأن يكون تعبيرًا عن مأزقٍ استراتيجيٍّ بقدر ما يبدو استعراضًا للقدرة العسكريّة.
مقارنات موضوعيّة
تكشف المقارنة بين مضيق هرمز وباب المندب عن تحوّلٍ نوعيٍّ في طبيعة الصراع. في هرمز، تسعى إيران إلى توظيف موقعها الجغرافيّ وقدراتها العسكريّة للتأثير في حركة الطاقة والتجارة الدوليّة، فيما يمثّل باب المندب المجال الذي اختبرت فيه، عبر علاقتها بالحوثيين، إمكان توسيع قدرتها على التأثير خارج حدودها المباشرة. بذلك تشكّلت معادلة ضغطٍ مزدوجةٌ تربط أمن الخليج العربيّ بأمن البحر الأحمر وقناة السويس، وتجعل تعطيل الممرّات البحريّة أداةً للتفاوض الجيو-سياسيّ. إلّا أنّ هذه المعادلة تنطوي على تناقضٍ بنيويّ، لأنّ استخدامها المتكرّر يدفع الدول المتضرّرة إلى تطوير بدائل تجاريّةٍ ودفاعيّة، ويحفّز قيام تحالفاتٍ أوسع لحماية حرّيّة الملاحة، ويحوّل التهديد من مصدر نفوذٍ إلى سببٍ مباشرٍ لإعادة تنظيم التوازنات ضدّ الجهة التي تمارسه. تكتسب هذه القراءة أهمّيّةً إضافيّةً بالنظر إلى أنّ السيطرة على الممرّات البحريّة، أو امتلاك القدرة على تهديدها، لا تمنح بالضرورة قدرةً مستدامةً على إدارة نتائج التصعيد. كلّما ارتفعت كلفة التأمين والنقل، واتّسعت دائرة الدول المتضرّرة، تعزّزت الحاجة إلى ترتيباتٍ أمنيّةٍ جماعيّةٍ لحماية التجارة الدوليّة، وتراجعت إمكانيّة تحويل التهديدات إلى مكاسب تفاوضيّةٍ ثابتة. من هنا، فإنّ المسار الممتدّ من هرمز إلى باب المندب يكشف حدود الاستراتيجيّة الإيرانيّة التي حاولت الجمع بين الردع غير المباشر وتوسيع النفوذ عبر التنظيمات المسلّحة، فيما باتت نتائج هذا التوجّه تسهم في دفع الدول العربيّة والشركاء الدوليّين نحو إعادة بناء منظومات الحماية والردع.
غير أنّ التحدّي الأساسيّ يكمن في قراءة السلوك الحوثيّ-الإيراني خارج الانطباع الذي تخلّفه قدرته المستمرّة على التصعيد. الإعتداءات على المملكة العربيّة السعوديّة بخلفيَّة إيرانيَّة، بما تحمله من استهدافٍ للمدنيّين والمرافق الحيويّة، تعكس قدرةً على ممارسة الضغط، لكنّها تكشف أيضًا حدود المشروع السياسيّ الذي يحتاج إلى العنف المتكرّر لإثبات حضوره. من هنا، فإنّ الحديث عن استرداد الحوثيين للمبادرة ينبغي إخضاعه لمعايير استراتيجيّةٍ تتجاوز الأداء العسكريّ، وتتناول قدرتهم على المحافظة على السيطرة الإقليميّة، وتوسيع الاعتراف السياسيّ، وتأمين الاستقرار الاقتصاديّ والاجتماعيّ، وإنتاج تسويةٍ يمنيّةٍ تحظى بالشرعيّة الوطنيّة والدوليّة. تبقى هذه المعايير غير متحقّقةٍ بصورةٍ تسمح باعتبار التصعيد انتصارًا استراتيجيًّا، وإن كان من غير الممكن تجاهل ما يحتفظ به الحوثيّون من قدرةٍ على الاستنزاف وفرض تكاليف مرتفعةٍ على مربَّع استِهدافاتهم.
يزداد هذا التناقض وضوحًا حين يُقرأ في سياق العلاقة بين الحوثيين والجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، التي جمعت، عبر مراحل مختلفة، الدعم العسكريّ والتقنيّ والسياسيّ بمصالح محلّيّةٍ يمنيّةٍ لا تتطابق دائمًا مع حسابات طهران. التنظيم الحوثيّ يمتلك بنيته القياديّة وطموحاته السياسيّة الخاصّة، الأمر الذي يجعل اختزاله في مجرّد أداةٍ إيرانيّةٍ توصيفًا قاصرًا، لكنّ ذلك لا ينفي الدور الذي أدّاه الدعم الإيرانيّ في تطوير قدراته العسكريّة وتعزيز موقعه ضمن شبكة النفوذ الإقليميّ. يبرز التصدّع هنا في صعوبة التوفيق بين مصالح إيران التفاوضيّة، وحسابات الحوثيين الميدانيّة، ومتطلّبات الاستقرار اليمنيّ، بما يجعل إدارة التصعيد أكثر تعقيدًا، ويحدّ من قدرة المركز الإيرانيّ على ضبط نتائج خيارات حلفائه.
تطرح هذه التطوّرات سؤالًا أكثر عمقًا يتّصل بمستقبل النموذج الإيرانيّ لإدارة النفوذ الإقليميّ. فقد قامت هذه الاستراتيجيّة، بدرجاتٍ متفاوتة، على استثمار الفراغات السياسيّة والأمنيّة في دولٍ عربيّة، وعلى بناء علاقاتٍ مع تنظيماتٍ مسلّحةٍ تمتلك القدرة على التأثير في القرارات السياديّة خارج المؤسّسات الدستوريّة. أدّى هذا النموذج إلى إضعاف الدولة الوطنيّة في لبنان والعراق وسوريا واليمن، وإلى تعميق الانقسامات المجتمعيّة وتوسيع اقتصاد الحرب، فيما باتت نتائجه تتعارض بصورةٍ متزايدةٍ مع حاجات المجتمعات إلى الاستقرار والتنمية والشرعيّة. تكمن أزمة المشروع الإيرانيّ في أنّ استدامة النفوذ عبر التنظيمات المسلّحة تحتاج إلى استمرار هشاشة الدول التي تنشط فيها، بينما يتطلّب الاستقرار الإقليميّ استعادة هذه الدول لسيادتها واحتكارها الشرعيّ للسلاح والقرار.
الأمن القومي العربي
في مقابل هذا التصدّع، تتقدّم الحاجة إلى إعادة صياغة منظومة الأمن الإقليميّ انطلاقًا من المصالح العربيّة المشتركة، وفي مقدّمها حماية سيادة الدول، وضمان أمن الممرّات البحريّة، ومنع استخدام التنظيمات المسلّحة أدواتٍ لفرض الوقائع السياسيّة. يكتسب مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة موقعًا محوريًّا في هذا التحوّل، بالنظر إلى ما تمتلكه دوله من قدراتٍ اقتصاديّةٍ ودفاعيّةٍ وتكنولوجيّة، وإلى دور المملكة العربيّة السعوديّة المتقدّم في تطوير المبادرات الدبلوماسيّة والاستراتيجيّة. من هنا، تبرز إمكانيّة بلورة منظومة دفاعٍ جماعيٍّ شرق أوسطيّة، يمكن توصيفها بمفهوم “ناتو شرق أوسطيّ”، شرط أن تستند إلى عقيدةٍ أمنيّةٍ واضحة، وإلى مؤسّساتٍ شرعيّةٍ مسؤولة، وأن تتجاوز منطق التحالفات الظرفيّة نحو ترتيباتٍ مستدامةٍ لحماية الأمن والاستقرار. غير أنّ استلهام نموذج حلف شمال الأطلسيّ يستوجب التمييز بين استنساخ بنيته المؤسّسيّة وتطوير صيغةٍ إقليميّةٍ تتلاءم مع خصوصيّات الشرق الأوسط. التجربة الأطلسيّة قامت على تحديدٍ مشتركٍ لمصادر التهديد، والتزاماتٍ دفاعيّةٍ متبادلة، وآليّاتٍ للتشاور والتخطيط والتنسيق العسكريّ، فيما تحتاج المنطقة العربيّة إلى معالجة تفاوت القدرات الدفاعيّة واختلاف الأولويّات الوطنيّة وتعقيدات العلاقات الإقليميّة. لذلك، فإنّ بناء منظومةٍ دفاعيّةٍ مشتركة ينبغي أن يبدأ بتطوير التكامل في الدفاع الجوّي والصاروخيّ، وتبادل المعلومات الاستخباريّة، وحماية الأمن السيبرانيّ، وتأمين الممرّات البحريّة والمنشآت الحيويّة، وصولًا إلى بلورة آليّاتٍ مؤسّسيّةٍ لاتّخاذ القرار والاستجابة للأزمات، تحت رقابة السلطات الدستوريّة المختصّة.
تستطيع المملكة العربيّة السعوديّة، بالتكامل مع دول مجلس التعاون الخليجيّ ومصر والأردن وسائر الدول العربيّة المعنيّة، الاضطلاع بدورٍ قياديٍّ في هذا المسار، مستندةً إلى ثقلها الاقتصاديّ والدبلوماسيّ وموقعها الاستراتيجيّ، وإلى قدرتها على تطوير شراكاتٍ متوازنةٍ مع الولايات المتّحدة الأميركيّة والاتّحاد الأوروبيّ والمملكة المتّحدة. لا تتحدّد قيمة هذه القيادة بحجم القدرات العسكريّة وحدها، بل بمدى قدرتها على تحويل المصالح المشتركة إلى التزاماتٍ مؤسّسيّةٍ قابلةٍ للتنفيذ، وعلى الجمع بين الردع المشروع والدبلوماسيّة الوقائيّة والتنمية الاقتصاديّة. يقتضي ذلك أن تتأسّس المنظومة المقترحة على احترام السيادة الوطنيّة، وأن تكون وظيفتها حماية الدول من الاعتداءات الخارجيّة والتهديدات العابرة للحدود، ضمن التزامٍ واضحٍ بالقانون الدوليّ وميثاق الأمم المتّحدة. في هذا الإطار، يبرز التحالف مع العالم الحرّ بوصفه رافعةً استراتيجيّةً لتطوير الأمن الإقليميّ، شريطة أن يقوم على المصالح المتبادلة والالتزامات المتكافئة، وأن يتجاوز المقاربات التي تعاملت مع المنطقة باعتبارها مجالًا لإدارة الأزمات أو موازنة النفوذ بين القوى الكبرى. الولايات المتّحدة والدول الأوروبيّة تمتلك قدراتٍ تكنولوجيّةً ودفاعيّةً واستخباريّةً يمكن أن تسهم في بناء منظومة ردعٍ إقليميّة، فيما تمتلك الدول العربيّة الموقع الجغرافيّ والموارد الاقتصاديّة والمصالح الحيويّة التي تجعلها شريكًا أساسيًّا في حماية الاستقرار الدوليّ. يستدعي نجاح هذه الشراكة وضوحًا في قواعد استخدام القوّة، وتحديدًا للمسؤوليّات، والتزامًا بمنع تحويل التحالف الدفاعيّ إلى أداةٍ لحروبٍ استباقيّةٍ مفتوحةٍ تزيد احتمالات التصعيد بدل احتوائه.
تتّصل هذه المقاربة بمستقبل العلاقات العربيّة-الإيرانيّة، حيث ينبغي التمييز بين ضرورة مواجهة مشاريع النفوذ المسلّح وبين إمكانيّة بناء علاقاتٍ طبيعيّةٍ مع إيران بوصفها دولةً إقليميّةً. المطلوب إعادة تنظيم العلاقات بين الدول على قاعدة احترام السيادة وعدم التدخّل في الشؤون الداخليّة، ووقف دعم التنظيمات المسلّحة الخارجة عن الشرعيّة، والامتناع عن استخدام الممرّات البحريّة والموارد الاقتصاديّة وسائلَ للابتزاز السياسيّ. من هنا، فإنّ منظومة الأمن الإقليميّ المقترحة ينبغي أن تجمع بين القدرة على الردع والاستعداد للتفاوض، وأن تربط أيّ تفاهماتٍ أمنيّةٍ بضماناتٍ قابلةٍ للتحقّق، تمنع استمرار الحروب بالوكالة وتعيد الاعتبار إلى العلاقات بين الدول ذات السيادة.
وقف الاستنزاف المتبادل
تفتح هذه التحوّلات المجال أمام ثلاثة سيناريوهاتٍ رئيسيّةٍ لمستقبل النظام الإقليميّ. يتمثّل الأوّل في استمرار الاستنزاف المتبادل، حيث تحتفظ التنظيمات المسلّحة بقدرتها على تعطيل الاستقرار، فيما تتوسّع الترتيبات الدفاعيّة العربيّة والدوليّة من دون الوصول إلى تسوياتٍ سياسيّةٍ شاملة، الأمر الذي يبقي المنطقة عرضةً لدوراتٍ متكرّرةٍ من التصعيد والتراجع. يقوم الثاني على تصاعد المواجهة العسكريّة المباشرة أو غير المباشرة، بما قد يؤدّي إلى اتّساع نطاق النزاعات وتهديد الممرّات البحريّة وأسواق الطاقة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر اقتصاديّةٍ وإنسانيّةٍ تتجاوز الشرق الأوسط. أمّا الثالث، وهو السيناريو الذي ينبغي العمل على ترجيحه، فيتمثّل في انتقال الدول العربيّة من إدارة التهديدات إلى بناء منظومةٍ مؤسّسيّةٍ للأمن الجماعيّ، بالتوازي مع تسوياتٍ سياسيّةٍ تعيد بناء الدول المتأثّرة بالنزاعات، وتحدّ من نفوذ التنظيمات المسلّحة، وتؤسّس لعلاقاتٍ إقليميّةٍ أكثر انتظامًا. على المستوى الدوليّ، ستنعكس مآلات هذه السيناريوهات على التنافس بين الولايات المتّحدة والصين وروسيا، وعلى موقع أوروبا في معادلات الأمن والطاقة والتجارة. استقرار الممرّات الممتدّة من هرمز إلى باب المندب يعزّز انتظام الاقتصاد العالميّ، ويحدّ من إمكانيّة استخدام سلاسل الإمداد أدواتٍ للضغط الجيو-سياسيّ، فيما يؤدّي استمرار التهديدات إلى توسيع عسكرة البحار وتعميق الانقسامات الدوليّة. من هنا، فإنّ تطوير منظومةٍ عربيّةٍ للأمن القوميّ يتيح للدول العربيّة الانتقال من موقع التأثّر بالتنافس الدوليّ إلى موقع المشاركة في تحديد قواعده، عبر شراكاتٍ متوازنةٍ تستند إلى مصالحها السياديّة وتمنع إخضاع أمنها للمقايضات بين القوى الكبرى.
غير أنّ بلورة مفهومٍ جديدٍ للأمن القوميّ العربيّ تستوجب تجاوز اختزاله في القدرات العسكريّة والتحالفات الدفاعيّة، نحو مقاربةٍ تربط حماية الحدود والممرّات البحريّة بصون الشرعيّات الدستوريّة وتعزيز الحوكمة الرشيدة والتنمية المستدامة. الأمن القوميّ، في جوهره، يتأسّس على قدرة الدولة على ممارسة وظائفها السياديّة، وعلى احتكارها الشرعيّ للسلاح والقرار، وعلى توفير الأمان الإنسانيّ لمواطناتها ومواطنيها. لقد أثبتت تجارب المنطقة أنّ هشاشة المؤسّسات وتآكل المواطنة المتساوية واتّساع الفجوات الاجتماعيّة والاقتصاديّة وفّرت بيئاتٍ ملائمةً لنشوء التنظيمات المسلّحة وتوسّعها. لذلك، فإنّ استعادة الدولة الوطنيّة لشرعيّتها وفاعليّتها تشكّل الشرط المؤسّس لأيّ نظامٍ أمنيٍّ إقليميٍّ مستدام.
تبرز في هذا السياق أهمّيّة لبنان والعراق وسوريا واليمن، بوصفها دولًا تأثّرت بدرجاتٍ مختلفةٍ بتعدّد مرجعيّات القوّة والقرار، وبالتداخل بين النزاعات الداخليّة ومشاريع النفوذ الخارجيّة، الأمر الذي أضعف قدرتها على ممارسة وظائفها السياديّة، وعرّض مؤسّساتها الدستوريّة ومجتمعاتها لتحدّياتٍ بنيويّةٍ متراكمة. إنّ إعادة بناء هذه الدول تستوجب دعم مؤسّساتها الشرعيّة، وتطوير مساراتٍ سياسيّةٍ تضمن وحدة أراضيها، وتمنع استمرار ازدواجيّة السلاح، وتعيد وصل السيادة الوطنيّة بحقوق المواطنين وحاجاتهم، ضمن رؤيةٍ تجعل قيام الدولة واستعادة فاعليّتها شرطًا للاستقرار الإقليميّ. في الحالة اللبنانيّة، يتطلّب هذا المسار استعادة الدولة لقرار السِّلم والحرب، وحصريّة السلاح بيد مؤسّساتها الشرعيّة، وتطبيق الدستور والقرارات الدوليّة ذات الصلة، وترسيخ الحياد الإيجابيّ خيارًا استراتيجيًّا ينبغي تحويله إلى مُعطًى دستوريّ، بما يحمي لبنان من صراعات المحاور، ويعيد تثبيت موقعه ضمن منظومة الأمن القوميّ العربيّ، في إطار دولة المواطنة الحاضنة للتنوّع المتساوي، حيث تتسيّد الشرعيّة الدستوريّة، وتنتظم العلاقات بين الدولة والمجتمع على قاعدة الحقوق والواجبات والمساءلة.
فلسطين محوريًّا
تبقى القضيّة الفلسطينيّة في صلب أيّ إعادة تأسيسٍ للنظام الإقليميّ، لأنّ استمرار الاحتلال وغياب الحلّ السياسيّ العادل يشكّلان مصدرًا بنيويًّا لعدم الاستقرار، ويتيحان توظيف الحقوق الفلسطينيّة في مشاريع نفوذٍ إقليميّةٍ تتجاوز الإرادة الوطنيّة للشعب الفلسطينيّ. من هنا، فإنّ تطوير منظومةٍ دفاعيّةٍ شرق أوسطيّةٍ يحتاج إلى أفقٍ سياسيٍّ واضحٍ يقوم على إنهاء الاحتلال، وإقامة دولةٍ فلسطينيّةٍ مستقلّةٍ وقابلةٍ للحياة على حدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقيّة، إلى جانب دولة إسرائيل، وفق قرارات الشرعيّة الدوليّة ومبادرة السلام العربيّة. يقتضي هذا المسار توفير الضمانات الأمنيّة المتبادلة، ومعالجة قضايا القدس واللاجئين والحدود، وإعادة بناء المؤسّسات الفلسطينيّة الشرعيّة، بما يتيح الانتقال من إدارة النزاع إلى تأسيس سلامٍ عادلٍ وشامل، يعيد للقضيّة الفلسطينيّة مرجعيّتها السياسيّة والحقوقيّة، ويمنع استمرار استخدامها لتبرير مشاريع التسلّح والنفوذ العابرة للحدود. تكتسب هذه المقاربة أهمّيّةً إضافيّةً لأنّ ربط الأمن الإقليميّ بالسلام العادل يحول دون إعادة إنتاج التحالفات العسكريّة بمعزلٍ عن معالجة أسباب النزاعات. التسوية الفلسطينيّة، حين تستند إلى الحقوق المشروعة والضمانات الدوليّة، تسهم في تقليص المساحات السياسيّة التي تستثمر فيها التنظيمات المسلّحة لتبرير استمرارها، وتعزّز قدرة الدول العربيّة على بناء شراكاتٍ إقليميّةٍ ودوليّةٍ قائمةٍ على المصالح المشتركة. كما أنّ حماية المدنيّين ورفض الاعتداءات على الدول والمجتمعات ينبغي أن يشكّلا مرجعيّةً ثابتةً في مقاربة النزاعات، بعيدًا عن ازدواجيّة المعايير التي أضعفت صدقيّة النظام الدوليّ وأتاحت توظيف المظالم المشروعة في مشاريع عنفٍ مفتوحة. هنا تتجلّى العلاقة العضويّة بين سيادة الدولة وشرعيّة السلام، باعتبارهما مرتكزين متكاملين لأيّ نظامٍ إقليميٍّ قادرٍ على الاستمرار.
إنّ التصدّع الذي يواجه المشروع الإيرانيّ وشبكات نفوذه المسلّحة، وفي مقدّمها الحوثيّون، يفتح المجال أمام إعادة تشكيل التوازنات الإقليميّة، لكنّ تحويل هذا التصدّع إلى تحوّلٍ مستدامٍ يتوقّف على قدرة الدول العربيّة على إنتاج بديلٍ مؤسّسيٍّ واضح. إضعاف التنظيمات المسلّحة لا يضمن، بذاته، استعادة الدولة لوظائفها، كما أنّ تطوير التحالفات الدفاعيّة لا يكفي لإنتاج الاستقرار من دون إصلاحاتٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ تعالج أسباب هشاشة المؤسّسات. من هنا، فإنّ مفهوم “التصدّع الانتهائيّ” ينبغي أن يُقرأ بوصفه احتمالًا استراتيجيًّا مشروطًا بتطوّر موازين القوى والشرعيّات، وبقدرة الدول على الانتقال من احتواء النفوذ المسلّح إلى إعادة تأسيس النظام الإقليميّ على قاعدة السيادة والقانون والمساءلة. التاريخ السياسيّ للمنطقة يُظهر أنّ تراجع منظومة نفوذٍ لا يؤدّي تلقائيًّا إلى قيام نظامٍ بديلٍ أكثر استقرارًا، ما لم تتوافر الإرادة السياسيّة والمؤسّسات القادرة على إدارة الانتقال وضمان استدامته.
الرَّدع الاستراتيجي
تستوجب هذه المرحلة بلورة مفهومٍ عربيٍّ للأمن القوميّ يتجاوز ردود الفعل العسكريّة إلى بناء قدرةٍ استراتيجيّةٍ جماعيّة، يكون مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة إحدى ركائزها المؤسّسيّة، وتضطلع المملكة العربيّة السعوديّة بدورٍ متقدّمٍ في تطويرها، بالتكامل مع الدول العربيّة والشركاء الدوليّين. يمكن لهذا المسار أن يفتح المجال أمام ترتيباتٍ دفاعيّةٍ شرق أوسطيّةٍ تستلهم من التجربة الأطلسيّة آليّات التنسيق والردع الجماعيّ، مع مراعاة الخصوصيّات السياسيّة والدستوريّة للمنطقة، وربط الأمن العسكريّ بالأمان الإنسانيّ والتنمية المستدامة. كما يفرض إعادة الاعتبار إلى دور جامعة الدول العربيّة، وتطوير آليّاتٍ للتقدير الاستراتيجيّ والإنذار المبكر وإدارة الأزمات، بما يمنح العمل العربيّ المشترك قدرةً فعليّةً على الانتقال من إعلان المواقف إلى إنتاج السياسات وتنفيذها ومساءلة المؤسّسات المعنيّة عنها. على المستوى الدوليّ، يطرح هذا التحوّل إمكانيّة إعادة تحديد موقع العالم العربيّ في منظومة العلاقات بين القوى الكبرى، بحيث تصبح الدول العربيّة شريكًا في صياغة الترتيبات الأمنيّة والاقتصاديّة التي تؤثّر في مستقبلها، انطلاقًا من مصالحها السياديّة ومن التزامها بالقانون الدوليّ. يكتسب التحالف مع العالم الحرّ معناه الاستراتيجيّ حين يعزّز استقلاليّة القرار العربيّ، ويدعم بناء المؤسّسات الشرعيّة، ويؤسّس لتوازنٍ بين متطلّبات الردع وضرورات الدبلوماسيّة، بعيدًا عن تحويل المنطقة إلى ساحةٍ للمقايضات الجيو-سياسيّة. في هذا الإطار، فإنّ حماية حرّيّة الملاحة من هرمز إلى باب المندب، ومنع الاعتداءات على الدول العربيّة، وإرساء سلامٍ عادلٍ للقضيّة الفلسطينيّة، تشكّل عناصر مترابطةً في إعادة تنظيم النظام الإقليميّ وعلاقته بالنظام الدوليّ.
إنّ المسار الممتدّ من مضيق هرمز إلى باب المندب يكشف حدود القوّة التي تقوم على التهديد والتعطيل، ويطرح في المقابل مسؤوليّة بناء نظامٍ إقليميٍّ قادرٍ على الجمع بين الردع والدبلوماسيّة، وبين حماية السيادة وضمان الحقوق، وبين المصالح الوطنيّة والمقتضيات الاستراتيجيّة المشتركة. المشروع الإيرانيّ القائم على توظيف التنظيمات المسلّحة يواجه تحدّياتٍ متراكمةً في شرعيّته وجدواه السياسيّة، لكنّ مآلات هذا التصدّع ستبقى مرتبطةً بقدرة الدول العربيّة على تحويل التحوّلات الجارية إلى خياراتٍ مؤسّسيّةٍ واضحة، تمنع إعادة إنتاج الفراغات التي سمحت أصلًا بتوسّع مشاريع النفوذ العابرة للحدود. إنّ التحدّي التاريخيّ الذي يواجه المنطقة يتمثّل في تحويل تصدّع منظومات النفوذ المسلّح إلى فرصةٍ لاستعادة الدولة الوطنيّة، وإنتاج نظامٍ إقليميٍّ أكثر توازنًا، وإعادة الاعتبار إلى الشرعيّات الدستوريّة والدوليّة، وصولًا إلى سلامٍ عادلٍ للقضيّة الفلسطينيّة على قاعدة حلّ الدولتين. مستقبل الشرق الأوسط يتحدّد بقدرة دوله على الانتقال من استنزاف القوّة في إدارة الصراعات إلى توظيفها في بناء الاستقرار، ومن تعدّد مرجعيّات السلاح إلى سيادة المؤسّسات الشرعيّة، ومن المقايضات الجيو-سياسيّة إلى شراكاتٍ تستند إلى القانون والمصالح المتبادلة. في هذه اللحظة، يصبح فعل الدولة، عربيًّا وإقليميًّا، الخيار الاستراتيجيّ القادر على تحويل التصدّع إلى تأسيس، والتحوّل إلى استقرار، والسلام إلى مشروعٍ سياسيٍّ وحضاريٍّ مستدام.
