
البروفسور أسعد قطّان
١٥ تشرين الاول ٢٠٢٦
عن التأصيل والعلاقة بين الثابت والمتحوّل
التأصيل، بحسب المعاجم، أن تجعل للشيء أصلاً يبنى عليه. والتأصيل في الفقه إرجاع القضايا والمسائل إلى أصولها ومصادرها الشرعيّة وضبطها بها. وتالياً، تقوم ديناميّة التأصيل على عنصرين: الاعتراف، أوّلاً، بأنّ التحدّيات المجتمعيّة والسياسيّة والأخلاقيّة المستجدّة ليست مسألةً يمكن التغاضي عنها، بل يجب أخذها في الحسبان والتعامل معها استناداً إلى عمليّة تفكيريّة عقليّة. والاعتراف، ثانياً، بقيمة التراث والقدرة على استلهامه في سبيل استنباط أجوبة عن أسئلة تُطرح على ضميرنا اليوم ليس لها ما يقابلها مباشرةً في الماضي. بهذا المعنى، يصبح التأصيل ضرباً من ضروب التجسير بين الحداثة والتراث.
الاعتراف بالانزياحات المتسارعة التي تطرأ على عالمنا أمر غاية في الأهمّيّة، لكنّه غير كاف. فالسؤال الذي يسوس العلاقة بين الحاضر والماضي يحيلنا على العلاقة بين الثابت والمتحوّل: هل الحيّز الذي يشغله الثابت في وجداننا أوسع من حيّز المتحوّل، أم إنّ مساحة المتحوّل تحوز الصدارة؟ والحقّ أنّ ثمّة من يعترف بالتبدّل، لكنّه يحسب أنّ العمليّة التأصيليّة تقوم على رصد ضروب من التشابه بين أسئلة الحاضر وأسئلة الماضي بالرغم من اختلافهما، بحيث يتحوّل التأصيل، في نهاية المطاف، إلى إسقاط للماضي على الحاضر، أو استنساخ للماضي في الحاضر، عبر عمليّة هي أشبه بالنقل، وإن تغيّرت المسمّيات. إنّ مقاربةً من هذا النوع غالباً ما يصاحبها تقديس للماضي يبلغ حدّ الأسطرة، فضلاً عن شبه تعطيل لملكة العقل. وليس من باب الصدفة أنّ الفلاسفة الأقدمين الناطقين بالعربيّة حسبوا أنّ ثمّة تضادّاً بين النقل والعقل. صحيح أنّ إيثار هذين المصطلحين محكوم بالسجع. لكنّ الثابت أيضاً أنّ تغليب النقل عبر استنساخ الماضي يثبط العقل ويحمله على الخمول والتراخي وصولاً إلى التهميش.
بيد أنّ التأصيل الحقّ لا يركن إلى الاستنساخ، بل يستخرج من التراث مبادئ عامّة، كالمحبّة والرحمة والأخوّة الإنسانيّة والمحافظة على النفس البشريّة، من شأنها أن تنير العمليّة التفكيريّة من دون أن تملي عليها مخرجات سابقة. لا ريب في أنّ هذه المبادئ تنتسب إلى فصيلة الثابت. لكنّ المهمّ في الموضوع أنّها تعترف بالمتحوّل بوصفه نواة الديناميّة المجتمعيّة وقلبها النابض، ولا تسعى إلى حجبه. ومن ثمّ، يبدو أنّ الكلام على «التوازن» بين الثابت والمتحوّل لا معنى له، إذ لا مناص من ترسيم العلاقة بينهما على نحو متواصل ومتجدّد، وذلك تبعاً لتغيّر السياقات في كلّ زمان ومكان. لذا، على النخب في كلّ دين من الأديان أن تضطلع بمهمّة تفكيريّة مزدوجة: أوّلاً، نحو الداخل عبر رصد مدى انسجام الكمّ الهائل من العناصر التي نعثر عليها في التراثات الدينيّة مع هذه المبادئ العامّة. وثانياً، نحو الخارج عبر توسّل حدّ أدنى من التوافق على مرجعيّة هذه المبادئ ومعياريّتها، ما يتيح أن يضحي التأصيل منهجاً يستهدي به الجميع ويركنون إليه.
