
بقلم : الدكتور جورج شبلي
٤ كانون الاول ٢٠٢٥
لقد عرف العالَم، منذ نشوء الدّولة، أنظمة حُكم عديدة لإدارة شؤون السّلطة، وصنع القرار السياسي، وأبرزُها النّظام الديمقراطي الذي هو حكم الشّعب بالشّعب للشّعب، بمعنى أنّ الشّعب هو مصدر السّلطات، ويمتاز بالحريّة وتَداول السّلطة بالانتخابات. وهناك النّظام المَلكي وهو على نَوعَين: مُطلَق يَملك فيه الملك ويحكم، ودستوري يَملك فيه الملك ولا يحكم فتكون السلطة بيَد الحكومة. وهناك النّظام الجمهوري وهو على أنواع: رئاسي بمعنى أنّ الرئيس يملك صلاحيات تنفيذيّة واسعة – برلماني تكون السلطة فيه للحكومة المنبثقة عن البرلمان، والرئيس غالبًا ما يكون وجوده رمزيًّا – شبه رئاسي بمعنى أنّ رئيس الدولة ورئيس الحكومة يتقاسمان السلطة. وهناك النظام الديكتاتوري حيث تكون السلطة بيَد فرد واحد، أو حزب واحد، ومن دون مشاركة الشّعب، ويتّصف بالتعسّف، وقمع الحريّات، وغياب الانتخابات. وهناك النّظام الثّيوقراطي أي أنّ الحاكم يستمدّ سلطته من الدِّين، ويُعتَبَر ممثِّلًا للإرادة الإلهية…
أمّا نظام ” الإينبتوقراطيا ” فهو نظامٌ تتحكّم فيه مجموعة، أو طبقة غير كفؤة تفتقر الى الجدارة والأهلية في تولّي السّلطة، ويتمّ انتخابها من غير الأكفّاء، لتحكم غير الأكفّاء، ما جعلَ بعض متعاطي الشأن السياسي يُطلق على هذا النّوع من الأنظمة تسمية نظام الفشل. وقد برَّر هذا البعض التّسمية استنادًا الى عدم اعتراف النّظام بالكفاءة معياراً لتولّي السلطة التي يتحكّم بها الجَهَلَة غير المؤهَّلين، ما يؤدّي الى الفوضى، والاعتباطيّة، والمحسوبيّات، واستبعاد أهل الرأي والخِبرة والتّخطيط، لتسود الأنارشيّة وانهيار القانون.
واستنادًا الى مفهوم ” الإينبتوقراطيا “، هل يمكن اعتبار أنّ النّظام الديمقراطي في لبنان، كان شعاراً صُوَريّاً، ومجرّدَ يافطة خالية من المضمون، في حين كان الوطنُ محكومًا، منذ وجودِه الاستقلالي المزعوم، وحتى السّاعة، بنظام ” الإينبتوقراطيا ” ؟؟؟
إذا راجعنا الواقع اللبناني، على مَرّ العُقود والعُهود، لا نقفُ إلّا على شللٍ في المؤسّسات، من أعلاها الى أسفلها، وغياب الاستراتيجية الوطنية وفي مقدّمها التّوجيه التّوعَوي إلى مفهوم المواطنة انتماءً وولاءً، وعدم القدرة على اتّخاذ قرارات فاعلة تأخذ بالاعتبار مصلحة الوطن والشّعب. ونواجهُ، كذلك، تَنامي الفساد والمحسوبيّات، والمحاصصة، والهدر، والسمسرات، والصّفقات المشبوهة، واستبدال الكفاءة في التّعيينات بالولاء للمرجعيّات، واغتيال التّرشيد الاقتصادي والمالي، ما أدّى الى اللّاثقة بالدولة وأركانها. إنّ هذا الانهيار أفسح في المجال الى نموّ الاقتصاد الموازي، من تهريب، وغسل أموال، ومتاجرة بالممنوعات، والتهرّب الضريبي… وهذا يعني، بوضوح، عدم وجود تصوّر حضاري للبنان الوطن والدولة، بغياب التّخطيط السياسي الاستراتيجي الذي يجعل أولويَّتَه المصلحة اللبنانيّة.
لقد حوّلت العُهود المتعاقبة لبنان إسمًا من دون دولة، وحُطامَ بلاد، فلا همَّ للقيِّمين إلّا جعل جراح الوطن مَعرَضاً ” للشّحادة ” من الأقربين والأبعدين، حتى ضاع من أهله جواز المرور الى الفرح والأمان. وقد شنّف المسؤولون الآذان بالخطابات والبيانات والتّصريحات الرنّانة المُنَمَّقة التي فصلَت هوّةٌ سحيقة بين مضمونها المُكَرَّر وتطبيقها غير المُقَرَّر، حتى أَنشبَت الخيبة أظافرَها في آمال النّاس الذين، لطالما، كانوا موعودين بنقلة نوعيّة إصلاحيّة لمّا تزلْ حبرًا على ورق.
أوليس حريًّا بالوطن أن ينبذَ الزّنادقة الذين رسّخوا نظام ” الإينبتوقراطيا ” ترسيخًا لمصالحهم الصّدئة التي عرقلَت كلَّ تغيير يمكنُ أن ينقلَ البلاد الى مناخ التّعافي ؟؟؟