
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
١٢ آذار ٢٠٢٦
أمام لبنان خياران: السلام أو الفصل السابع
مبادرة الرئيس اللبناني جوزف عون باتجاهِ مفاوضاتِ سلامٍ مع إسرائيل هي بدايةُ نهايةِ الدورِ الاستراتيجيِّ لحزبِ الله الإيراني.
على وقعِِ النارِ المشتعلةِ من الخليج إلى المتوسط، والحربِ الأمريكيّة – الإسرائيليّة على إيران، يشهدُ الشرقُ الأوسطُ تحوّلاتٍ جيوسياسيّةً عميقةً تعيدُ رسمَ موازينِ القوى والتحالفات. وفي قلبِ هذه التحولاتِ يبرز لبنان، الذي كان طوالَ عقودٍ ساحةً لصراعاتٍ إقليميّةٍ تتجاوزُ حدودَه. في هذا السياق، تبدو مبادرةُ الرئيسِ اللبنانيِّ جوزف عون باتجاهِ مفاوضاتِ سلامٍ مع إسرائيل خطوةً جريئةً ومفصليّةً خارجةً عن “المألوف” اللبنانيّ، فلا تقتصر على محاولةِ إنهاءِ حالةِ الحربِ بين البلدين، بل تحملُ في طياتها تداعياتٍ استراتيجيّةً تشكّلُ بدايةَ النهايةِ للدورِ العسكريِّ والسياسيِّ الذي يلعبه حزبُ الله كذراعٍ إقليميّةٍ لإيران.
تحوّلٌ في العقيدةِ السياسيّةِ للدولةِ اللبنانيّة
منذُ انتهاءِ الحربِ الأهليّةِ اللبنانيّة، ظلَّ القرارُ السياديُّ اللبنانيُّ موزّعاً بين الدولةِ ومراكز قوىً موازية، أبرزها حزب الله الذي بنى شرعيتَهُ السياسيّةَ والعسكريّةَ على شعارِ “المقاومة” ضدَّ إسرائيل. غير أنّ أيَّ انتقالٍ رسميٍّ للدولةِ اللبنانيّةِ نحو مسارٍ تفاوضيٍّ مع إسرائيل يعني عملياً إعادةَ تعريفِ مفهومِ السيادة، بحيث تُفعِّلُ الدولةُ قرارَ الحربِ والسلم، والذي أقرتهُ حكومةُ الرئيس نوّاف سلام.
هذا التحولُ يضعُ حزبَ الله، الذي يلعبُ مع إيران اليوم اللعبةَ “الشمشونيّة”، أمامَ معادلةٍ صعبة: فالحزب، الذي برّرَ امتلاكَهُ للسلاحِ بمواجهةِ إسرائيل، سيجدُ نفسَهُ داخلَ الركام، ليس في الضاحية، والبقاع، والجنوبِ المُدمّرِ فحسب، بل تحتَ ركامِ الإيديولوجيا المتهالكةِ التي أحرقت نفسَها والإقليم، وهوَ لا بُدَّ، أي حزب الله، معَ تغييرِ المزاجِ الشعبيِّ اللبنانيِّ التقليديِّ نتيجةَ الحروبِ العبثيّة، وسقوطِ “التابو”، سيجدُ نفسَهُ في مواجهةِ واقعٍ جديد، حيثُ تسعى الدولةُ اللبنانيّةُ نفسها إلى تسويةٍ سياسيّةٍ مع “العدو” الذي قامت عقيدتُهُ على محاربتِه.
تراجعُ الوظيفةِ الإقليميّةِ للحزب
لا يمكن فهم هذه المبادرة بمعزلٍ عن التحولاتِ الأوسعِ في المنطقة، حيث يتراجعُ النفوذُ العسكريُّ لإيران في عددٍ من الساحات، وتتزايدُ الضغوطُ الدوليّةُ لإعادةِ ضبطِ الصراعاتِ الإقليميّة، فلطالما اعتمدت إيران لعقودٍ على شبكةٍ من الوكلاءِ المسلحينَ في المنطقة، وكان حزبُ الله أبرزَهم وأكثرَهم تنظيماً وتأثيراً.
لكن، إذا دخلَ لبنانُ في مسارِ سلامٍ أو تسويةٍ طويلةِ الأمد مع إسرائيل، فإن الدورَ الاستراتيجيَّ للحزبِ كقوةِ مواجهةٍ عسكريٍّةٍ على الحدودِ الجنوبيّةِ سيفقدُ حتماً مبرّراتِ وجوده، عندها سيتحوّلُ وجودُهُ المسلحُ من “ورقةِ مقاومة” إلى عبءٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ داخليّ.
إعادةُ إدماجِ لبنانَ في النظامِ الإقليمي
إن أيَّ مفاوضاتِ سلامٍ محتملةٍ بين لبنانَ وإسرائيل لا تعني فقط إنهاءَ النزاعِ الحدوديّ، بل قد تفتحُ البابَ أمامَ إعادةِ دمجِ لبنانَ في شبكةٍ اقتصاديّةٍ وسياسيّةٍ إقليميّةٍ جديدة. فمشاريعُ الطاقةِ في شرقِ المتوسط، وممراتُ التجارةِ بين آسيا وأوروبا، والتحالفاتُ الاقتصاديّةُ الجديدةُ في المنطقة، كلها تتطلبُ بيئةَ استقرارٍ سياسيٍّ وأمنيّ.
في مثلِ هذا السياق، تصبحُ الدولةُ اللبنانيّةُ المستقرّةُ شريكاً محتملاً في مشاريعَ إقليميّةٍ كبرى، بينما تصبحُ القوى المسلحةُ خارجَ إطارِ الدولةِ عائقاً أمامَ هذا الاندماج.
منطقُ الدولةِ مقابلَ منطقِ المَحاور
تكشفُ هذه المبادرةُ أيضاً عن صراعٍ عميقٍ بين منطقين: منطقِ الدولةِ الوطنيّةِ التي تسعى إلى حمايةِ مصالحِ شعبِها واستقرارِها، ومنطقِ المَحاورِ الإقليميّةِ التي تستخدمُ الساحاتِ المحليّةَ لخوضِ صراعاتِها.
إذا نجحَ لبنانُ في الانتقالِ من ساحةِ صراعٍ إلى دولةٍ تفاوضُ وتقرّرُ مصيرَها، فإن ذلك سيشكّلُ الضربةَ الاستراتيجيّةَ لمشروعِ تحويلهِ إلى قاعدةٍ مُستمرّةٍ مُتقدّمةٍ للصراعِ الإيرانيِّ–الإسرائيليّ.
بدايةُ مرحلةٍ سياسيّةٍ جديدة
لا يعني ذلك أن الطريقَ نحوَ السلامِ سيكونُ سهلاً أو سريعاً. فالمشهدُ اللبنانيُّ معقّد، والانقساماتُ الداخليّةُ عميقة، كما أنّ الصراعَ مع إسرائيل يحملُ إرثاً طويلاً من الحروبِ والدمار. غير أنّ مجردَ طرحِ فكرةِ المفاوضاتِ من قبل رئيسِ الجمهوريّةِ يمثّلُ تحوّلاً رمزيّاً وسياسيّاً كبيراً.
ففي لحظةٍ إقليميّةٍ تتغيرُ فيها التحالفاتُ وتتراجعُ فيها الحروبُ التقليديّةُ لصالحِ التفاهماتِ السياسيّة، قد تكونُ مبادرةُ جوزف عون بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ في تاريخِ لبنان: مرحلةٍ تنتقلُ فيها البلادُ من زمنِ الميليشياتِ والمَحاورِ إلى زمنِ الدولةِ والسيادة.
وإذا تحقّقَ ذلك، فإن الدورَ الاستراتيجيَّ لحزبِ الله كقوّةٍ عسكريّةٍ إقليميّةٍ سينتهي، وسوف يصارعُ ليبقى حزباً سياسيّاً لبنانيّاً “طبيعيّاً” داخلَ الدولة، لأنّ التهديدَ الأساسيَّ لبقاء الحزبِ يأتي من داخِلهِ، وبالتحديد، يكمن في الإيديولوجيا الكربلائيّةِ الولائيّةِ “الخُمينيّةِ” المرتبطةِ بالجهادِ بحد ذاتها، والتي ستتراجع، مع تراخي النفوذِ العسكريِّ والماديِّ الممنوحِ من إيران، أمامَ الفكرِ “العامليِّ” النجفي، والذي سيعيدُ لشيعةِ لبنانَ انفتاحَهم وتفاعلَهم الإيجابيَّ معَ اللبنانيّينَ من جهة، ومعَ العربِ من جهةٍ أخرى، خاصةً دول الخليج التي تدفع ثمناً باهظاً للحربِ الإيرانيّة عليها اليوم، والتي لن تسامحَ بسهولةٍ فريقاً من اللبنانيّينَ شاركَ الديكتاتوريّةَ التيولوجيّةَ الإيرانيّةَ في تهديدِ أمنِها، وأهلِها، واقتصادِها!
يبقى أن نقولَ لرئيسِ مجلسِ النواب نبيه بري، والذي يتذاكى، كالعادة، بعدمِ تسميةِ مندوبِ شيعيٍّ في لجنةِ المفاوضات، إنَّ لعبةَ “الأرانب” المُعتادةَ لن تُعيدَ لجنةَ “الميكانيزم” إلى الحياة، واتفاقَ وقفِ النارِ المُرتبطة بهِ مات، ومن قتله هو حزبُ الله الذي فتحَ المعركةَ إسناداً لإيران، بالإضافةِ إلى أنَّ موقفَ برّي يُخفي وراءَهُ حقَّ الڤيتو على أيِّ اتفاق، وعليه، إمّا أن يقفَ الشيعةُ المعارضونَ لحزبِ الله، سرّاً، أو علانيةً، ومن ضمنهم حركة أمل، في مُقدّمةِ المُفاوضينَ باسم الدولةِ من أجلِ السلام، أو فلتنتقلْ الحكومة، ومن خلفِها الأكثريةُ الساحقةُ من اللبنانيّين، خاصةً قُبيلَ انتهاءِ دورِ قواتِ الطوارئِ الدوليّة، إلى طلبِ وضعِ لبنانَ تحتَ الفصلِ السابعِ من قِبَلِ مجلسِ الأمن، إذا كنّا لا نريد أن نرى مستعمراتٍ إسرائيليّةً على أرضِ الجنوب!