
بقلم : الدكتور جورج شبلي
١٤ نيسان ٢٠٢٦
شكرًا نوّاف سلام
لقد اعتبر بعض المتطرّفين أنّ السياسة دَجَلٌ وهرطقة ينسحبان على أداء مُتعاطي هذا المقام، برمّتهم. لكن، وبالرّغم من إقرارنا بوجود مرتزقة حجريّين يمارسون العمل السياسي ابتغاءً لمصالح ووصوليّة باهتة، لا بدّ من الاعتراف بوجود قياديّين مُلهَمين تبوَّؤوا صدارة صُنوف السياسة، فاكتملت، معهم، محاسنُها، وأفضَت الى نتائج إيجابيّة على البلاد، لأنّ محورَ اهتمامهم كان مصلحة الوطن، وأمن النّاس، ومشروع الدولة.
إنّ الرئيس نوّاف سلام هو، بالتّاكيد، واحدٌ من هؤلاء الذين يتمتّعون بالحسّ الوطنيّ السّليم، وبجرأة الموقف، هذه الجرأة التي لم توجَد، معه، لتوظيفها شعبويًّا، بل لِتَفعلَ في السياسة، أي لتمنحها أن تكون حرّةً، طليقة، فأسوأُ الضّلال قمعُ الجرأة في جهالات الخوف، والتردّد في المواجهة خضوعًا لإرهابٍ أرعن.
لقد استقلَّ الرئيس نوّاف سلام مَتنَ المسؤوليّة، فوفّى لزوميّاتها، بقَدر المستطاع، وبقَدر ما أُتيح له من مساحةِ تَحَرُّك بالرّغم من تَطويقِه بأشخاصٍ مشبوهي الوطنيّة، وبظروفٍ جرَّت على البلد موبقاتِ مسَبِّبيها، حربًا عبثيّة قاتلة أنتجَت ضحايا ودمارًا وتنزيحًا، واحتلالًا اسرائيليًّا لأكثر الجنوب الذي تحوَّلَ غزَّةً ثانية.
في ظلِّ الاستعمار الجديد، وانتداب الملالي، خطفًا لسيادة لبنان ولقراره الحُرّ، وكأنّه محميّةٌ مسلوبة الإرادة استولى عليها مستَقوون لا صلةَ لهم بكيانها وهويّتها، لم يخضع نوّاف سلام لمرجعيّةٍ بصماتُها مؤذِية في جسم الدولة، توسّلَت الخطاب الإيديولوجي الدّيني لتثوير النّاس عنصريًّا، بشعاراتٍ مُستَمَدَّة من نَفَقِ التخلّف والانحطاط. فكان جَسورًا، رفضَ أن تُملى عليه القرارات والمواقف، وأبى أن يكون فريسةً في شِدقِ العملاء ومُحرِّكيهم المعروفين، وذلك، لاستعادة كرامة الوطن، وبسط سلطة الدولة دون سواها على كامل مساحة البلاد.
لقد صمدَ الرئيس نوّاف سلام في وجه مُمتَهِني الأزمات، السّاعين الى الهيمنة الأمنيّة، والسياسيّة، والتي تهدم مقوّمات الحريّة والحقوق، وتُعيدُ لبنان الى نظام الخلافة العقيم. لقد رفضَ الرئيس سلام تَهويلَ الذين أنكروا الهويّة الوطنيّة، وهمّشوا شرعيّة الدولة، وحاولوا أن يفرضوا ثيوقراطيّة راكدة بديلًا عن الديمقراطيّة الحضاريّة. لقد واجهَ، بمواقفَ وطنيّة صَلبة، أولئك الذين جاهروا بولائهم لمرجعيّاتٍ وراء الحدود، وعاثوا فسادًا في مؤسّسات الدولة، وفتحوا للبلاد وأهلها أبواب الجحيم.
إنّ مواقف الرئيس سلام تُلوِّنُ حُلمَ التّراب بالأمل، وليس غريبًا أن نجدَ في شخصِه ملامحَ المواجهة، فأداؤُه، حيثُ كان في المحكمة الدوليّة، خيرُ برهانٍ على التّمييز بين الرِّجال وأنصاف الرِّجال. لقد كان قويًّا ليصفعَ بالحقيقة وجوهَ الأقوياء، ولم يكن ضعيفًا ليستجديَ تصفيقَ الضّعفاء.
أيّها السيّد، إذا كان الأقلّون جاحدين في معرفتِك، فأكثر اللبنانيّين يعرفُ بأنّك رَجُل اللحظة، عَصِيٌّ على التّدجين، فلا تقبلْ أن ينجح العملاءُ بِلَيِّ يَدِك، مهما طعنوا بانتمائك، واعتبروك خائنًا، فهؤلاءِ تسري عليهم حكمةُ الصّين التي تقول : ” إذا أشارَ العاقلُ ( أنتَ ) بإصبعِه الى الشّمس، فالبُلَهاءُ ( هم ) لا تتخطّى أَبصارُهم الإصبع “.
أيّها الرئيس الطّليعيّ، إنّ كلمتَك تختصرُ سُنَّةَ الوطنيّة بأكملِها، تمتلكُ سحرَ المهابة والإقناع، لذلك، انتَ لا تُشبهُ هَمَجَ ثقافة الموت، مُدمِني الهلوساتِ والكراهيّة. إِعلَمْ بأنّ هؤلاءِ الذين يعيشون الزّمنَ الرّديء، لا يكرهونَك لعُيوبِك، بل لمزاياك، وتَيَقَّنْ بأنّك سوف تتركُ خَطًّا يقول : يفخرُ لبنان بأنّكَ مَرَرتَ من هنا …
