
زياد الصَّائغ
٢٠ آذار ٢٠٢٦
مساحَةُ الدَّولة… ذهنيَّة الشرعيَّة!
ما كانت الدَّولة مساحةً جغرافيَّةً فحسب، بل هي مجالٌ سياديٌّ تتجسَّدُ فيهِ الشَّرعيَّةُ عبرَ المؤسَّساتِ، وتُمارَسُ فيهِ السُّلطةُ ضمنَ إطارٍ دستوريٍّ واضحٍ. وفي الحالةِ اللُّبنانيَّةِ، لا تكمنُ الأزمةُ في غيابِ المساحةِ، بل في تآكلِ معناها السِّياديِّ، حيثُ تتزاحمُ عليها قوى ما فوقَ الدَّولةِ، فتُفرغُها من مضمونِها الشَّرعيِّ، وتُحوِّلُها إلى ساحاتِ نفوذٍ متنازعةٍ، بدلَ أن تكونَ حيِّزًا جامعًا لإرادةٍ وطنيَّةٍ واحدةٍ.
إنَّ استعادةَ “مساحةِ الدَّولةِ” لا تعني مجرَّدَ إعادةِ انتشارِ السُّلطةِ على الأرضِ، بل تسييدَ الشَّرعيَّةِ كمرجعيَّةٍ حصريَّةٍ لكلِّ فعلٍ عامٍّ. فالشَّرعيَّةُ ليست شعارًا، بل نظامُ عملٍ يُحدِّدُ مَن يقرِّرُ، وكيفَ يُقرِّرُ، ولمصلحةِ مَن. وعندما تتعدَّدُ مصادرُ القرارِ خارجَ المؤسَّساتِ، تتآكلُ هذه الشَّرعيَّةُ، وتفقدُ الدَّولةُ قدرتَها على احتكارِ السُّلطةِ المشروعةِ، وهو الشرطُ الأوَّلُ لأيِّ كيانٍ سياديٍّ.
في هذا الإطارِ، يبرزُ مفهومُ “قضمِ المساحةِ” كمسارٍ تراكميٍّ، لا يحدثُ دفعةً واحدةً، بل عبرَ اختراقاتٍ تدريجيَّةٍ تُعيدُ تشكيلَ موازينِ القوى داخلَ المجتمعِ والدَّولةِ. فكلُّ مرَّةٍ يُسمحُ فيها لفاعلٍ ما فوقَ الدَّولةِ بأن يُمارسَ دورًا سياديًّا، ولو تحتَ ذرائعَ مرحليَّةٍ، تُنتزعُ قطعةٌ من هذه المساحةِ، وتُضافُ إلى خارجِها. وهكذا، يتكوَّنُ واقعٌ مزدوجٌ، تتعايشُ فيهِ الشَّرعيَّةُ الدُّستوريَّةُ مع شرعيَّاتٍ موازيةٍ، في تناقضٍ بنيويٍّ يُضعفُ الكيانَ ويُربكُ وظائفَهُ.
غيرَ أنَّ المسارَ المعاكسَ ممكنٌ، بل ضروريٌّ. فتسييدُ مساحةِ الدَّولةِ يعني عمليًّا استعادةَ هذه المساحةِ عبرَ قضمٍ عكسيٍّ لكلِّ ما هو خارجُ الشَّرعيَّةِ، بحيثُ تعودُ الدَّولةُ إلى موقعِها الطبيعيِّ كمرجعيَّةٍ عليا. وهذا لا يتحقَّقُ عبرَ شعاراتٍ تصعيديَّةٍ، بل من خلالِ ذهنيَّةٍ جديدةٍ تنأى عن مراكمةِ التَّسوياتِ الزُّئبقيَّةِ التي اعتادَتْ عليها السِّياسةُ اللُّبنانيَّةُ.
التَّسوياتُ، في جوهرِها، ليست إشكاليَّةً بحدِّ ذاتِها، لكنَّها تصبحُ خطِرةً عندما تتحوَّلُ إلى بديلٍ دائمٍ عن تطبيقِ الدُّستورِ. إذ إنَّ التَّسوياتِ الزُّئبقيَّةَ، القائمةَ على التَّوازناتِ الظَّرفيَّةِ، تُنتجُ استقرارًا هشًّا، وتُبقي المساحةَ السِّياديَّةَ معلَّقةً بينَ قوى متعدِّدةٍ، لا تخضعُ كلُّها للمرجعيَّةِ نفسِها. وهكذا، بدلَ أن تُعيدَ هذه التَّسوياتُ بناءَ الدَّولةِ، تُساهمُ في تكريسِ ازدواجيَّتِها.
من هنا، تبرزُ الحاجةُ إلى تحوُّلٍ نوعيٍّ في الذهنيَّةِ الحاكمةِ، يقومُ على الانتقالِ من إدارةِ التَّوازناتِ إلى بناءِ السِّيادةِ، ومن تدويرِ الزَّوايا إلى تثبيتِ القواعدِ. وهذا التحوُّلُ يمرُّ حتمًا عبرَ العودةِ الصَّارمةِ إلى الدُّستورِ، ليس كنصٍّ مرجعيٍّ فحسب، بل كإطارٍ ناظمٍ لكلِّ السِّياساتِ العامَّةِ، وعلى رأسِها سياساتُ الأمنِ القوميِّ والأمانِ الإنسانيِّ.
فالأمنُ القوميُّ، في معناهُ الدَّستوريِّ، لا يقتصرُ على حمايةِ الحدودِ، بل يشملُ حمايةَ وحدةِ القرارِ، واحتكارَ استخدامِ القوَّةِ، وضمانَ استقلالِ المؤسَّساتِ. ولا يمكنُ تحقيقُ هذا الأمنِ في ظلِّ تعدُّدِ المرجعيَّاتِ أو ازدواجيَّةِ السُّلطةِ. أمَّا الأمانُ الإنسانيُّ، فهو الوجهُ الآخرُ للسِّيادةِ، إذ لا معنى لدولةٍ لا تؤمِّنُ لمواطنيها الحدَّ الأدنى من الكرامةِ، والخدماتِ، والعدالةِ.
إنَّ الربطَ بينَ الأمنِ القوميِّ والأمانِ الإنسانيِّ يُشكِّلُ مدخلًا أساسيًّا لإعادةِ تعريفِ مساحةِ الدَّولةِ. فهذه المساحةُ لا تُقاسُ فقط بمدى انتشارِ السُّلطةِ، بل بقدرتِها على إنتاجِ الأمانِ بمختلفِ أبعادِهِ. وعندما تُنجحُ الدَّولةُ في ذلك، تُصبحُ أكثرَ قدرةً على استعادةِ شرعيَّتِها، وتقليصِ نفوذِ الفاعلينَ خارجَها.
بَيدَ أنَّ هذا المسارَ يتطلَّبُ وضوحًا في الخياراتِ، لا سيَّما في ما يتعلَّقُ بالسِّياساتِ العسكريَّة-الأمنيَّةِ. فلا يمكنُ الجمعُ بينَ منطقِ الدَّولةِ ومنطقِ اللَّادولةِ في آنٍ واحدٍ. ولا يمكنُ بناءُ سيادةٍ فعليَّةٍ في ظلِّ مساوماتٍ مستمرَّةٍ تُبقي القرارَ موزَّعًا بينَ أطرافٍ متعدِّدةٍ. إنَّ الحسمَ في هذا المجالِ ليس ترفًا، بل ضرورةٌ وجوديَّةٌ لبقاءِ الكيانِ.
في هذا السِّياقِ، تُصبحُ الشَّرعيَّةُ أكثرَ من مجرَّدِ مفهومٍ قانونيٍّ؛ إنَّها فعلُ استعادةٍ مستمرٍّ لمساحةِ الدَّولةِ، عبرَ إعادةِ توحيدِ القرارِ، وتكريسِ مرجعيَّةِ المؤسَّساتِ، وتفعيلِ المساءلةِ. فالدَّولةُ لا تستعيدُ نفسَها دفعةً واحدةً، بل عبرَ مسارٍ تراكميٍّ من القراراتِ التي تُعيدُ رسمَ حدودِها السِّياديَّةِ.
في الخلاصةِ، إنَّ “مساحةَ الدَّولةِ” في لبنانَ ليست معطًى ثابتًا، بل هي ساحةُ صراعٍ بينَ الشَّرعيَّةِ وما فوقَها. وتسييدُ هذه المساحةِ يتطلَّبُ كسرَ ذهنيَّةِ المقايضات المرحليَّة، والعودةَ إلى الدُّستورِ كمرجعيَّةٍ وحيدةٍ، واعتمادَ سياساتٍ واضحةٍ في الأمنِ القوميِّ والأمانِ الإنسانيِّ. عندها فقط، يمكنُ للدَّولةِ أن تستعيدَ امتدادَها، وتُثبِّتَ شرعيَّتَها، وتُحوِّلَ مساحتَها من حيِّزٍ متنازعٍ عليهِ إلى فضاءِ سيادةٍ جامعةٍ لكلِّ بناتِها وأبنائِها.
