
بقلم : الدكتور جورج شبلي
٤ ايار ٢٠٢٦
بكركي وزمنُ الهَمَج
ما دفعَ بي الى دعوةِ الهَمَجِ مَعصوبي الجماجم للكَفِّ عن الهلوسةِ الستالينيّةِ، والتّعاطي النَّجِس مع قاماتِ الوطن، هو غصنُ الزيتونِ الذي لا يزالُ سيّدُ بكركي يرفعُه، آمِلًا في أن يُنتِجَ زيتَ الشّفاءِ لوطنٍ ينبغي أن يعودَ “نَعيمًا” كما يرتجيهِ البطريركُ وأهلُ السيادة الذين يمحضونَ لبنانَ ولاءَهم.
إنّ واقعَ الحالِ الذي آلَ الوطنُ اليه، من خلالِ الأداءِ المُعوَجِّ، قَصدًا، لبعض القيِّمينَ على الحكم فيهِ، والذين يَلوذونَ بهم، استقواءً وترهيبًا، وتدميرًا، هو، بالذّات، ما حدا بالبطريركِ الى أن يعلنَ، ولمرّات، المبادرةِ الإنقاذيّةِ لاستعادةِ لبنانَ من جهنّم، ولتَنقيتِهِ من الحالاتِ الهجينةِ التي استَقوَت عليهِ بوسائلَ مشبوهةٍ مرفوضة، ولنُجدتِهِ، بالتّفاوض، منَ القلقِ على الكيانِيةِ التي يُرادُ لها أن تُختَمَ بفعلٍ تدميريٍّ عنيف.
إذا عادَت بنا الذّاكرةُ الى زمنٍ مضى، واستَرسلنا في كَشفِ صفحاتِ بكركي، في موضوعِ ارتباطِها بكيانِ الوطن، لا يمكنُ أن نغفلَ عن وِقفاتٍ مجيداتٍ لمَنْ تعاقبوا على سدّتِها، اولئكَ الدّاعينَ الى تحصينِ مشروعِ الدولةِ، والى النّهوضِ بلبنانَ السيّدِ المُتَمَيّز، والى التشبّثِ بالنّموذجِ الديمقراطيِّ الفريدِ الذي يصونُ الحريّات، والى طَيِّ صفحةِ الخِصامِ، وطُلْيِ قبرِ الحربِ بالكِلسِ ليُسجَنَ ذِكرُها، مع ثقافةِ الموتِ ومروِّجيها، الى الأبد. وإنْ دلَّت المواقفُ، هذه، على شيء، فعلى النّضالِ الوطنيِّ في مشيئةِ بكركي التي هالَتها هلهلةُ سقفِ الدولةِ، فانبرَت، كعادتِها، لتتبوَّأَ الدّورَ الطليعيَّ في نُصرةِ حقِّ لبنانَ الذي نريدُ أن نَحيا فيهِ ليَحيا بِنا.
أمامَ تعليقِ الوطنِ والمواطنِ على وترٍ ضعيفٍ فوق هاوية، وأمامَ بشاعةِ التسلّط الذي افتعلَه المستَقوون الطّارِئونَ بأَذرعٍ تدميريّة، بعيدًا عن أيّ ولاء، وأمامَ نَحرٍ للوطنِ، بالفسادِ المافياوي، وبالسّلاح غير الشّرعي، لم تقفْ بكركي جليديّةَ الحركةِ تُجاهَ هذه السّقطةِ التراجيديّةِ للبلدِ، وتُجاهَ وجعِ الناس. وكانت صرخةٌ للبطريركِ الرّاعي، لم تحملْ تهديدًا، أو تهويلًا، كما يحلو لبعضِ الهَمَجِ أن يوصّفَها، بل هي دعوةٌ حرَّةٌ، صادقةٌ، لنُصرةِ لبنانَ بالتّفاوضِ المودي الى السّلام العادل، عَمَلًا بمفهومِ الدّستورِ، وبمبادئِ الحقِّ بالحياةِ الكريمةِ الآمنةِ المُتَطَلِّعةِ لِغَدٍ أفضل، وهذا، بالذات، ما أَكسبَ، ويُكسِبُ بكركي أن تكون، دائمًا، ضميرَ لبنان.
إنّ مصلحةَ لبنانَ، كما ظهَّرَتها بكركي، تكمنُ في حياديّتِهِ وتَبَنّيهِ موقفًا يبعدُه عن التكتّلاتِ والمَحاورِ المتواجِهة، تجنيبًا لارتدادِ سلبيّاتِ الصراعاتِ عليه، والتي لا يحتملُها. وإنّ مصلحة لبنان تكون في المَضيِّ الى محادثات السّلام، ومفاوضات إقراره، ما يوقي الوطنَ من حروبٍ شرورُها كثيرة، تُضَعضِعُ استقرارَه، وتُضاعفُ خسائرَه، بَشَرًا وحَجرًا، وتدمّرُ اقتصادَه وحضورَه الحضاري… إنّ التّفاوضَ للسّلام يحصِّنُ الوطنَ، داخليًّا ودَوليًّا، فبدلًا من تحويلِه ساحةً لتصفيةِ حساباتِ المَحاور، حربًا على أرضِه، يجهدُ مواطنوه الآمِنين، المطمئنّين بالسّلام والسّلامة، الى تنشيط المجالِ التّنمَويِّ لِبَثِّ ثقةِ الأجيالِ بالوطنِ رائدًا حضاريًّا، ومجالًا آمنًا لتحقيقِ مستقبلٍ مُشرِق.
إنّ مصلحةَ لبنان تكمنُ في عمليّة التّفاوض لإحلال الأمان في ربوعه، بعدَ أن عانى من زجِّه في حروبٍ لا شأنَ له فيها، ولا مصلحة. فالذين انتهكوا البلادَ بالتسلّط المسلَّح، وإجهضوا المُبادراتِ الخارجيّةِ في الحُلولِ الإنقاذية، جعلوا الوطنَ يتجوّلُ في كَفَنٍ نازِفٍ بعدَ أن ساقوا أهلَه الى الذَّبحِ على حَدِّ أوهامهم الخنفشاريّة… وبسببهم، واجَهَ لبنانُ خيبةً مدَّت سلاسلَ حولَ رجاءِ شعبِه، وحَوَّلَته كَبشَ مِحرقة، وقد قرأت بكركي هذا الواقع المَرير، ودَعَت الى الاحتكامِ لمفاوضاتٍ مُلِحّة، لانتشالِ الوطن من الزّمنِ الرّديءِ، ومن دائرةِ النّار، ليستعيدَ الأمنَ، والنّظامَ، والحكمَ السّديد، والنّهوضَ الإقتصاديّ، والسيادةَ على كاملِ الأرض، ومَذاقَ الحريّة، وبذلك، يعودُ المشهدُ اللبنانيُّ، كما كان، انتصارًا للإنسان.
إنّ موقفَ بكركي الصَّلبَ، والمُتَصَدّيَ، بِحَزمٍ، لمَن يريدُ تَمريغَ لبنانَ بالجوعِ، والفَقرِ، والتبعيّة، وثقافة الحرب والموت، لم يكن عَبَثيًّا، كما حاولَ بعضُ المُهَرطقينَ من الهَمَجِ تصويرَه، فمنهجيّةُ المَضِيّ الى مفاوضات السّلام تلبسُ موضوعيّةً وطنيّةً تُحدِثُ نقلةً نوعيّةً في التّعاطي الجدّي مع قضيةِ لبنانَ الشّائكة. أمّا التَنَطُّحُ لتحديدِ ما يحقُّ لبكركي وما لا يحقُّ لها، والإساءة المُهينة التي تعرَّضَ لها سيّدُها، فهما بدعةٌ خسيسةٌ أكلَها الصَّدأُ، ولم يَعدْ يُعَوَّلُ عليهما كتجارةٍ مُربِحةٍ في أسواقِ التّعاطي الوطنيّ.
لقد علّمتنا بكركي، بِوَعيِها الصّريحِ للأصولِ الوطنية، ألّا نكونَ دمعةً يصفعُها اليأسُ، وجِباهًا يكسرُها الذلّ، لِذا، فَلْيَطمُرِ الهَمَجَ وَحلُ الأرض.
