
زياد الصَّائغ
٢٣ نيسان ٢٠٢٦
إنتِصارُ الشَّرعيَّةِ والاغتِيالُ المُتَمادي!
زياد الصَّائغ
في مَشهَدٍ لُبنانيٍّ مُثقَلٍ بتَراكماتِ الأزماتِ وتَشابُكِ التَّحدِّياتِ، يَتَقدَّمُ خِيارُ الدَّولةِ بوصفِهِ المسارَ الوحيدَ القادِرَ على إخراجِ لبنانَ مِن دَوّامةِ الصِّراعِ والاستباحةِ. هذا الخِيارُ، الذي تَتَجسَّدُ مَعالِمُهُ في مَوقِفِ الدَّولةِ اللُّبنانيَّةِ مُمثَّلةً برئيسِ الجُمهوريَّةِ ورئيسِ الحُكومةِ ومَجلِسِ الوُزراءِ، لِتَبَنّي مَسارِ المُفاوضاتِ مع إسرائيل ضمنَ مَعاييرَ إنقاذيَّةٍ مُحكَمةٍ، ليس خُروجاً عن الثَّوابتِ، بل عَودةٌ إليها، لأنَّهُ يَنبَثِقُ مِن جَوهَرِ الشَّرعيَّةِ الدُّستوريَّةِ التي تُحدِّدُ مَن يَملِكُ حَقَّ اتِّخاذِ القرارِ في القَضايا المصيريَّةِ.
إنَّ هذا الخِيارَ، في بُعدِهِ السِّياديِّ، لا يُمكِنُ اختزالُهُ في مَعادَلاتٍ تَكتيكيَّةٍ أو في تَجاذُباتٍ آنيَّةٍ، بل يَندَرِجُ ضمنَ مَسارٍ أوسعَ يَهدُفُ إلى استعادةِ الدَّولةِ لِدَورِها الطَّبيعيِّ كمرجعيَّةٍ حاسمةٍ في إدارةِ الصِّراعِ وحِمايةِ المَصلحةِ الوطنيَّةِ. فالدُّستورُ، بوصفِهِ العَقدَ النَّاظِمَ للحياةِ السِّياسيَّةِ، يُنيطُ بالسُّلطةِ الإجرائيَّةِ، تحتَ رِعايةِ رَأسِ الدَّولةِ، مَسؤوليَّةَ تَحديدِ خَياراتِ السِّياسةِ الخارجيَّةِ، بما في ذلكَ خَيارُ التَّفاوضِ، حينَ تَقتَضي الضَّرورةُ الوطنيَّةُ ذلكَ.
غيرَ أنَّ ما يُقابِلُ هذا الخِيارَ مِن حَملاتِ تَخوينٍ وتهويلٍ لا يَندَرِجُ في إِطارِ النِّقاشِ الدِّيموقراطيِّ المشروعِ، بل يَتَجاوَزُهُ إلى مَحاولةِ نَسفِ أُسُسِ الشَّرعيَّةِ ذاتِها. فالتَّخوينُ، حينَ يُستَخدَمُ كسِلاحٍ لإِسكاتِ أيِّ مَسارٍ سياديٍّ، يُصبِحُ أداةً لِإدامةِ حالةِ اللَّادولةِ، لا وسيلةً لحِمايةِ الوطنِ. وهو، في هذا السِّياقِ، يُعبِّرُ عن عَبَثيَّةِ التَّمترُسِ في أيديولوجيَّةٍ أَلفَتِ نَفيَ الآخَرِ، واعتادتِ الارتِكانَ إلى القُوَّةِ بَدلاً مِن الحُجَّةِ. إنَّ هذه الأيديولوجيَّةَ، التي احترَفَتِ الاغتِيالَ المُتَماديَ للشَّرعيَّةِ، لم تَكتَفِ بإضعافِ الدَّولةِ، بل عَمِلَت على تَفريغِها مِن مَضمونِها، عبرَ تَكريسِ ازدواجيَّةٍ في السُّلطةِ، وتَغليبِ مَنطِقِ الأمرِ الواقعِ على مَنطِقِ المؤسَّساتِ. فالاغتِيالُ هنا لا يَقتَصِرُ على البُعدِ الجَسديِّ، بل يَتَجاوَزُهُ إلى اغتِيالِ الفِكرةِ، واغتِيالِ المَرجعيَّةِ، واغتِيالِ إمكانيَّةِ قِيامِ الدَّولةِ بوظيفتِها الطَّبيعيَّةِ.
في مُواجَهةِ هذا المَسارِ، يَبرُزُ إنتِصارُ الشَّرعيَّةِ كحاجَةٍ وطنيَّةٍ لا تَحتَمِلُ التَّأجيلَ. فهذا الإنتِصارُ لا يَكونُ بالشِّعاراتِ، بل بِتَكريسِ مَبدأِ حَصريَّةِ القرارِ بيدِ المؤسَّساتِ الشَّرعيَّةِ، وبإعادةِ الاعتبارِ للدُّستورِ كمرجعيَّةٍ عُليا لا يُمكِنُ الالتِفافُ عليها. إنَّ استعادةَ الشَّرعيَّةِ تَعني، في جوهرِها، إنهاءَ حالةِ الفَوضى المُنظَّمةِ التي أَنهَكَتِ البلادَ، ووَضعَ حدٍّ لِتَغوُّلِ البُنى الخارجةِ عن القانُونِ. ولعلَّ الأهمَّ في هذا السِّياقِ هو إدراكُ أنَّ خِيارَ التَّفاوضِ، حينَ يَصدُرُ عن الدَّولةِ، لا يَعني التَّفريطَ بالحقوقِ، بل السَّعيَ إلى حِمايَتِها بأدواتٍ مُختلفةٍ، تُراعي مَوازينَ القُوَّةِ وتَحمي الكِيانَ مِن الانهيارِ. فالسِّياسةُ، في نهايةِ المَطافِ، هي فَنُّ إدارةِ المُمكِنِ، لا الارتهانُ لِمُقارَباتٍ جامِدةٍ تَتَجاهَلُ تَحَوُّلاتِ الواقعِ. إنَّ التَّصدّي لِهذا الاغتِيالِ المُتَمادي للشَّرعيَّةِ يَستَدعي تَحصيناً شامِلاً، لا يَقتَصِرُ على الدّاخلِ، بل يَمتَدُّ إلى الفَضاءاتِ الاغترابيَّةِ والعربيَّةِ والدُّوليَّةِ. فلبنانُ، بحُكمِ تَكوينِهِ ودَورِهِ، لا يَعيشُ في عُزلةٍ، بل يَتَفاعَلُ مع مُحيطِهِ، ويَتَأثَّرُ بِما يَجري فيهِ. ومن هنا، تَكمنُ أهميَّةُ بناءِ شَبَكَةِ دَعمٍ تُسانِدُ خِيارَ الدَّولةِ، وتُعزِّزُ مَوقِعَها في مُواجَهةِ الضُّغوطِ.
على المُستوى الوطنيِّ، يَتَطلَّبُ هذا التَّحصينُ تَوافُقاً عَريضاً حولَ أَولويَّةِ استعادةِ الدَّولةِ، بعيداً عن الانقِساماتِ الحادَّةِ التي أَضعَفَتِ القُدرةَ على الفِعلِ الجماعيِّ. فالشَّرعيَّةُ لا تَكونُ قويَّةً إلّا بِاحتِضانِ مُجتَمَعيٍّ واسِعٍ، يُدرِكُ أنَّ مَصلَحَتَهُ تَكمُنُ في قِيامِ دولةٍ قادِرةٍ وعادِلةٍ. أمّا على المُستوى الاغترابيِّ، فإنَّ الدُّورَ الذي يُمكِنُ أن يَلعَبَهُ اللُّبنانيّون/ات في الخَارِجِ يُشكِّلُ رافِعَةً أساسيَّةً لِهذا المَسارِ. فهُم، بحُضورِهِم في مَراكزِ القرارِ والاقتصادِ والإعلامِ، قادِرونَ على نَقلِ صُورةٍ مُغايرةٍ عن لبنانَ، تُبرِزُ إرادةَ بناتِه وأبنائِهِ في استعادةِ دولتِهِم، وتُواجِهُ السَّرديّاتِ التي تُبرِّرُ استِمرارَ اللَّادولةِ. وعلى المُستوى العربيِّ، يَبقى لبنانُ جُزءاً لا يَتَجزَّأُ مِن مَحيطِهِ، ولا يُمكِنُ لَهُ أن يَستَعيدَ تَوازُنَهُ من دونِ عَلاقاتٍ سَليمةٍ ومُنتِجةٍ مع دُوَلِهِ. إنَّ تَحصينَ الشَّرعيَّةِ يَمرُّ أيضاً عبرَ إعادةِ بناءِ هذه العَلاقاتِ على أُسُسِ الاحترامِ المُتَبادَلِ والمَصالحِ المُشتَرَكةِ، بما يُعزِّزُ استقرارَ لبنانَ ويُخفِّفُ مِن وطأةِ الضُّغوطِ عليهِ. يبقى المُستوى الدُّوليِّ، حيثُ دَعمَ الشَّرعيَّةِ اللُّبنانيَّةِ يَتَبَدَّى عامِلاً حاسِماً في إنجاحِ أيِّ مَسارٍ إصلاحيٍّ أو سياديٍّ. فالمُجتَمَعُ الدُّوليُّ، يُدرِكُ أنَّ استقرارَ لبنانَ يَرتَبِطُ بِقُدرةِ دولتِهِ على بَسطِ سُلطَتِها، وإدارةِ شُؤونِها وفقَ قواعدِ الحُكمِ الرَّشيدِ.
في المُحصِّلةِ، إنَّ إنتِصارَ الشَّرعيَّةِ ليس مَسألةً إجرائيَّةً، بل هو مَسارٌ تَاريخيٌّ يَتَطلَّبُ إرادةً سياسيَّةً صُلبةً، ووعياً مُجتَمَعيّاً عَميقاً، وتَعاوُناً على مُختَلِفِ المُستوياتِ. أمّا الاغتِيالُ المُتَمادي الذي تَتَعرَّضُ لهُ هذه الشَّرعيَّةُ، فلن يَتَوَقَّفَ ما لَم يُواجَه بِخِطابٍ واضِحٍ، وبِسِياساتٍ حازِمةٍ تُعيدُ الاعتبارَ للدَّولةِ. إنَّ صَونَ المَصلحةِ الوطنيَّةِ يَبقى البُوصَلةَ التي يَجِبُ أن تَهدي هذا المَسارَ. فهذه المَصلحةُ لا تُختَزَلُ في شِعاراتٍ، بل تَتَجسَّدُ في قُدرةِ لبنانَ على البَقاءِ كدولةٍ، وعلى تَأمينِ كَرامةِ مُواطنيهِ، وعلى استعادةِ دَورِهِ كجِسرٍ بينَ الشَّرقِ والغَربِ، وكفَضاءٍ للحُرِّيَّةِ والتَّعدُّديَّةِ. وفي هذه اللُّحظةِ الحاسِمةِ، يَبقى الرِّهانُ على أن يَنتَصِرَ مَنطِقُ الدَّولةِ، وأن يَتَراجَعَ مَنطِقُ الاغتِيالِ، لأنَّ لبنانَ، في نِهايَةِ المَطافِ، لا يُمكِنُ أن يَستَمِرَّ إلّا كدولةٍ، ولا يُمكِنُ أن يَنهَضَ إلّا بِشَرعيَّتِهِ.
