
بقلم: الياس كساب
رئيس التحرير، باحث في الشؤون الاغترابية، واللبنانيّة، والعربيّة
٣ ايار ٢٠٢٦
مماطلة إيران في المفاوضات مع أمريكا تدمّر لبنان:
حزب الله المهزوم والشتيمة، والهروب إلى الانتحار
أمام الدماءِ التي تُسفَك بغزارة، ومشاهدِ الدمارِ الذي يمحو، ليس قرىً ومدناً فحسب، بل ذاكرةً وطنيّةً، وتعبَ أجيالٍ لمئاتٍ من السنين في الجنوب، ونضالاً فكريّاً، وتراثاً روحيّاً في جبلِ عامل، ومواجهةً تاريخيّةً للظالمين، وعلى رأسهم المماليك والعثمانيّين، حيث تقاسمَ شيعةُ لبنان مع الطوائف الأخرى جَورَ الحُكمين: المملوكي والعثماني، واستبدادَهما، يقف حزبُ الله مهزوماً خائراً في الأرض التي فخّخ باطنها بسراديبَ تخفي، ليس السلاح وحده، بل مشروعاً إيديولوجيّاً، لا يناقض الفكر العامليَّ فقط، بل قِيمَ لبنان وأهله، فاكتشف بذهول، وبثمنٍ كبير، أنّ الإيديولوجيا المُستوردة لا مكان لها في لبنان، وأنّ السلاح الذي “يبني” يُدمِّر، والذي “يحمي” بحاجةٍ لمن يحميه، فغرق في اللعبة الوحيدة المُتبقية: لعبة شدِّ العصب، فلم يبقَ إلا الطائفة ملاذاً! وبدَلَ أن يعود إلى قِيمها التاريخيّة ناقداً في ذاتيّته، وبواقِعيّة، أسطورةَ الوليّ الفقيه الماورائيّة، ومشروعها التدميريَّ للوطن، والطائفة، والإنسان، فيلتجِىءْ إلى الطوائف الأخرى حِمايةً، وإلى الدولة إنقاذاً، استنفر الشتيمة، على الطريقة “الثوريّة” المتوارثة في شرقنا، فكلُّ من ليس معنا خائن، وكلُّ من ينتقدنا عميل، وتدنّى السُبابُ حتى غدا “الحذاء” بديلَ المنطق، نرفعه فوق الرؤوس الحامية التي تحاول أن تجعل من الهزيمة انتصاراً، في محاولةٍ للهروب من قدَرها المأزوم، حيث أيقنت أنها مُجرّدُ ورقة، نعم ورقة، يستعملها الوليُّ الفقيه، ويحرُقها ساعةَ يشاء!
المماطلة الإيرانيّة ستزيدُ الجبهةَ الجنوبيّةَ التهاباً واستنزافاً، بالحجر والبشر، ومن راهنَ يوماً، ومن ملعب بنت جبيل، على أنَّ “إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”، عليه “واجبٌ شرعي” إذا لم يكنْ واجباً وطنيّاً وبراغماتيّاً بامتياز، وإذ ينظر بحزنٍ شديدٍ إلى العلم الإسرائيلي مرتفعاً فوق هذا الملعب، أن يُعيد النظر بـ “التكليف الشرعي” الذي حوّلَ لبنان إلى جبهةٍ متقدّمةٍ لإبعاد الحرب عن حدود إيران، وأصبح بعدَ الحرب الأمريكيّةِ الإسرائيليّةِ عليها وقوداً ساخناً تُطبخُ عليه المفاوضات الإيرانيّة، ليس مع الولايات المتحدة فحسب، بل مع دول الخليج، والمجتمع الدولي، وليس بمقدور لبنان أن يتحمّل هذه الكلفة الباهظة بالإنابة عن نظامِ الملالي المُترنّح!
وإذا كانت رؤوس الحزب الحامية، في الشارع، وعلى تطبيقات التواصل الاجتماعي، والشاشات، غير قادرةٍ على التبصُّرِ من قاعِ الهزيمة، وهي تحتمي بكربلائيّةٍ نادبةٍ تُخوِّنُ المعترضين، فلقد تمادى التخوين حتى دقَّ أبوابَ الفتنة، وحسناً انتفض الرئيس نبيه برّي مُصوِّباً، ولكنّ المطلوب ليس موقفاً إعلاميّاً فحسب، بل إعادة نظر، ونقد ذاتي، على المفكرين في الطائفة الشيعيّة الكريمةِ في لبنانَ أن يقوموا به، وبأسرع وقت، وأن يُفضي ذلك إلى تسليم السلاح، بعد النقد والاستخلاص، كما فعلت الطوائف الأخرى في لبنان، حيث أيقنت أنَّ الدولةَ وحدها، بدستورها، وقواها، وشرعيتها الدوليّة، وبحصريّةِ قراري الحرب والسلم لها، هي القادرة على حماية لبنان واللبنانيّين. إنَّ السلاحَ الغريب سيبقى، رغم إيمان حامليه واستشهادهم، سلاحَ فتنةٍ مؤجّلة، وفي أحسن حال، يتحول حاملوه المؤدلجون من مدافعين عن الأرض، إلى مدافعين عن السلاح، أي عن القوّة التي لن يرضى اللبنانيّون أن تُصرفَ مكاسبَ في السلطة تستمرّ في تغطية الارتهان للخارج، والفساد في الداخل! فالسلاح الذي دمّر البلادَ والعِباد، وهُزِمَ في الحرب، لن يُصرف بالسياسة!
إنّ من بدأ الحرب العبثيّة عليه أن يعي أنّ اللعبةَ الإقليميّة أكبر منه ومن لبنان، وأنَّ من احتفل بـ”التحرير” سنة ٢٠٠٠ هو نفسه من استجلب الاحتلال: لم يتعلم الدرس سنة ٢٠٠٦، وأخفق في الامتحان في حرب إسناد غزة سنة ٢٠٢٣، وهو على طريق الانتحار في حرب إسناد إيران سنة ٢٠٢٦، وإذا كان الإنتحارُ خيارَه، فهو ليس خيار اللبنانيّين، بل خيارهم السلام، يدعمون رئيسهم، ورئيس حكومتهم، بعيداً عن مصالح الجميع، شرقاً وغرباً، في مفاوضاتٍ مهما كان شكلها، تنهي الحرب وتعيد السلام، وتبسط سلطة الدولة على الحدود، للمرة الأولى، ربما، منذ سنة ١٩٦٩!
علَّ الموتورين، والمتوتِّرين يعون أنَّ الشهداء لا يجب أن يستحيلوا، بِقِصَرِ النظر، إلى ضحايا!
