
زياد الصَّائغ
٢٣ نيسان ٢٠٢٦
لُبنان نحو أُفُق الحياة…!
ليسَ الانتقالُ نحوَ مقاربةٍ جديدةٍ تُخرجهُ من دوَّامةِ الصِّراعاتِ هُو أخطر ما يواجهَهُ لبنان اليوم، بلِ الإصرارُ على البقاءِ داخلَ النموذجِ الذي دمَّرَ الدَّولةَ والمجتمعَ والاقتصادَ على مدى عقودٍ طويلةٍ. فلبنانُ لم يعد يحتملُ أن يبقى ساحةً مفتوحةً للحروبِ المتنقِّلةِ، ولا أن يستمرَّ رهينةَ معادلاتٍ عسكريَّةٍ وأمنيَّةٍ تتجاوزُ مصالحَهُ الوطنيَّةَ وقدرتَهُ الفعليَّةَ على الاحتمالِ والصُّمودِ. لقد دفعَ اللبنانيُّونَ/ات أثمانًا هائلةً من دمائِهم واستقرارِهم وودائعِهم ومستقبلِ أولادِهم نتيجةَ منطقِ الاشتباكِ الدَّائمِ. مع كلِّ حربٍ أو مواجهةٍ أو تصعيدٍ، كانَ لبنانُ يخسرُ جزءًا إضافيًّا من صورتِهِ وميزاتِه التفاضُليَّة الاقتصاديَّةِ والثَّقافيَّةِ والإنسانيَّةِ. أمَّا المنطقةُ والعالمُ، فكانا يتحرَّكانِ تدريجيًّا نحوَ أولويَّاتٍ جديدةٍ مرتبطةٍ بالاستقرارِ والطَّاقةِ والتكنولوجيا والاستثمارِ والتَّكاملِ الاقتصاديِّ، فيما بقي لبنانُ يغرقُ في إدارةِ الأزماتِ، والحروبِ، والانقساماتِ العقائديَّةِ، والولاءَات العابِرة للحُدود. من هنا، فإنَّ أيَّ انتقالٍ جدِّيٍّ من حالةِ الصِّراعِ المفتوحِ إلى منطقِ السَّلامِ والاستقرارِ يجب الَّا يُقرأَ بوصفِهِ تراجعًا أو ضعفًا أو تنازلًا، بل بوصفِهِ فرصةً تاريخيَّةً لإعادةِ بناءِ لبنانَ على أسسٍ مختلفةٍ تمامًا. السَّلامُ ليسَ بالنِّسبةِ إلى الدُّولِ شعارًا أخلاقيًّا مجرَّدًا، بل هُو مشروعُ استقرارٍ وتنميةٍ وإعادةِ إنتاجٍ للقوَّةِ الوطنيَّةِ. والدُّولُ التي تعرفُ كيفَ تُحوِّلُ الجغرافيا من خطوطِ نارٍ إلى منصَّاتِ تعاونٍ تكونُ أقدرَ على حمايةِ مجتمعاتِها ومصالحِها وسيادتِها. إنَّ لبنانَ يمتلكُ عناصرَ قوَّةٍ هائلةً ما تزالُ كامنةً رغمَ الانهيارِ العميقِ. موقِعُهُ الجغرافيُّ، وطاقاتُهُ البشريَّةُ، وانتشارُهُ الاغترابيُّ، وقطاعُهُ الخدماتيُّ، ودورُهُ الثَّقافيُّ، وتُراثُه الدّينيّ، وخيارُه الحضاريّ في العيش المُشتَرك، وقدرتُهُ على أن يكونَ منصَّةَ تفاعلٍ اقتصاديٍّ وفكريٍّ في شرقِ المتوسِّطِ، كلُّها عناصرُ تحتاجُ فقط إلى بيئةِ استقرارٍ حقيقيَّةٍ كي تعودَ إلى الحياةِ. أمَّا استمرارُ لبنانَ في منطقِ الاشتباكِ الدَّائمِ، فهو عمليًّا حُكمٌ دائمٌ بإقفالِ أبوابِ الاستثمارِ والنُّموِّ وإعادةِ الإعمارِ والثِّقةِ العربيَّةِ والدُّوليَّةِ.
لا يمكنُ اليَوم، لأيِّ اقتصادٍ أن ينهضَ تحتَ سقفِ الحروبِ المفتوحةِ وعدمِ اليقينِ الأمنيِّ. المستثمرونَ يهربونَ منَ الفوضى، والسِّياحةُ تموتُ في مناخاتِ التَّهديدِ، والقطاعُ المصرفيُّ ينهارُ داخلَ بيئةٍ متفجِّرةٍ، والشَّبابُ يستمرُّونَ في الهجرةِ حينَ يشعرونَ أنَّ مستقبلَهُم معلَّقٌ على احتمالاتِ الحربِ أكثرَ من احتمالاتِ الحياةِ. لذلكَ فإنَّ أيَّ انتقالٍ نحوَ مناخِ تهدئةٍ واستقرارٍ سوفَ يفتحُ البابَ تدريجيًّا أمامَ إعادةِ تشغيلِ الاقتصادِ اللبنانيِّ، واستعادةِ حركةِ الاستثمارِ والسِّياحةِ والخدماتِ والتَّعليمِ والاستشفاءِ.
كما أنَّ خروجَ لبنانَ من حالةِ الصِّراعِ سوفَ يُعيدُ وصلَهُ طبيعيًّا بمحيطِهِ العربيِّ. فالعالمُ العربيُّ يتغيَّرُ بسرعةٍ كبيرةٍ، ويتَّجهُ نحوَ أولويَّاتِ التَّنميةِ والانفتاحِ الاقتصاديِّ والتَّكنولوجيا والطَّاقةِ والبُنى التَّحتيَّةِ الكبرى. ولبنانُ، إذا استعادَ استقرارَهُ، قادرٌ على أن يكونَ جزءًا من هذهِ الحركةِ الجديدةِ بدلَ أن يبقى معزولًا داخلَ أزماتهِ وصراعاتِهِ الدَّاخليَّةِ والخارجيَّةِ. ولعلَّ أحدَ أهمِّ المكاسبِ المرتقبةِ لأيِّ مرحلةِ استقرارٍ هو إعادةُ الاعتبارِ لفكرةِ الدَّولةِ نفسِها. فالدَّولةُ في لبنانَ تراجعتْ لمصلحةِ منطقِ الجماعاتِ والمحاورِ والولاءاتِ المتعدِّدةِ، ما أدَّى إلى تفكُّكِ الثِّقةِ الوطنيَّةِ الجامعةِ. أمَّا حينَ تَعودُ المؤسَّساتُ الشَّرعيَّةُ المرجعيَّةَ الوحيدةَ لإدارةِ الأمنِ والسِّلمِ والعلاقاتِ الخارجيَّةِ، فإنَّ اللبنانيّينَ/ات يستعيدونَ تدريجيًّا شعورَهُم بأنَّهم يعيشونَ داخلَ دولةٍ لا داخلَ مجموعةِ ساحاتٍ متجاورةٍ ومتصارعةٍ.
ثمَّةَ أيضًا بُعدٌ إنسانيٌّ عميقٌ لهذا التَّحوُّلِ المحتملِ. فالمجتمعاتُ التي تعيشُ طويلًا تحتَ ضغطِ الحروبِ والتَّهديداتِ تُصابُ تدريجيًّا بحالةِ إنهاكٍ نفسيٍّ وجماعيٍّ خطيرٍ. والخوفُ الدَّائمُ من الانفجارِ أو المواجهةِ أو الانهيارِ يُنتجُ ثقافةَ قلقٍ مزمنةٍ تُدمِّرُ الإبداعَ والثِّقةَ والاستقرارَ الاجتماعيَّ. لذلكَ فإنَّ أيَّ انتقالٍ نحوَ السَّلامِ سوفَ يكونُ أيضًا فرصةً لإعادةِ ترميمِ المجتمعِ اللبنانيِّ نفسيًّا وثقافيًّا وإنسانيًّا بعدَ سنواتٍ طويلةٍ منَ الاستنزافِ الجماعيِّ. غيرَ أنَّ الوصولَ إلى هذهِ المرحلةِ لن يكونَ سهلًا. فثمَّةَ منظوماتٌ كاملةٌ بَنَتْ نفوذَها ومصالحَها وخطابَها على استدامةِ الصِّراعِ والخوفِ والانقسامِ. وهذهِ المنظوماتُ سوفَ تُقاومُ أيَّ انتقالٍ نحوَ منطقِ الدَّولةِ والاستقرارِ لأنَّهُ يهدِّدُ البنيةَ التي راكمتْ عبرَها سلطتَها ونفوذَها. ولذلكَ فإنَّ المعركةَ الحقيقيَّةَ في المرحلةِ المقبلةِ لن تكونَ فقط حولَ التَّفاهماتِ الخارجيَّةِ، بل حولَ قدرةِ اللبنانيّينَ/ات أنفسِهِم على إعادةِ تعريفِ معنى المصلحةِ الوطنيَّةِ والأمن القومي خارجَ منطقِ التَّخويفِ والتَّعبئةِ السَّلبيَّة الدَّائمةِ. لا يحتاجُ لبنان اليومَ إلى انتصاراتٍ وهميَّةٍ جديدةٍ بقدرِ ما يحتاجُ إلى استعادةِ القدرةِ على الحياةِ. يحتاجُ إلى جامعاتٍ تستقطبُ العقولَ بدلَ تهجيرِها، وإلى اقتصادٍ يُنتجُ فرصًا بدلَ اقتصادِ الحربِ والانهيارِ، وإلى مؤسَّساتٍ تحمي المواطنَ بدلَ أن تتركَهُ رهينةَ الانقساماتِ، وإلى سياسةٍ خارجيَّةٍ تُعيدُ بناءَ الجسورِ بدلَ تكريسِ العُزلةِ والصِّدامِ الدَّائمِ.
إنَّ الانتقالَ من حالةِ الصِّراعِ إلى منطقِ السَّلامِ لا يعني إلغاءَ القضايا المُحِقَّة، ولا التَّخلِّي عن الحقوقِ، ولا القبولَ بالاستباحةِ، بل يعني بناءَ دولةٍ قادرةٍ على حمايةِ هذهِ الحقوقِ بعقلانيَّةٍ واستقرارٍ وقوَّةِ مؤسَّساتٍ. فالحروبُ قد تصنعُ لحظاتِ تعبئةٍ عاطفيَّةٍ، لكنَّ السَّلامَ وحدَهُ قادرٌ على بناءِ الدُّولِ والمجتمعاتِ والأمان والمستقبلِ. ربَّما يكونُ التَّحدِّي الأكبرُ أمامَ اللبنانيّينَ/ات اليومَ هو أن يجرؤوا على تخيُّلِ لبنانَ خارجَ منطقِ الحربِ المستدامةِ، وأن يكتشفوا أنَّ القوَّةَ الحقيقيَّةَ ليستْ في البقاءِ داخلَ الخرابِ، بل في القدرةِ على الخروجِ منهُ نحوَ دولةٍ تستحقُّ الحياةَ.
