
زياد الصَّائغ
١١ حزيران ٢٠٢٦
من اللَّادولة المهتزَّة… إلى الدَّولة الثَّابِتَة!
ليسَ أخطرَ على لبنان من اعتيادِ الأزمات، ولا أشدَّ ضررًا من تحويلِ الإستثناء إلى قاعدةٍ، والخلل إلى واقعٍ دائمٍ، والإنهيار إلى نمطِ حكمٍ مقبولٍ بحكمِ الأمرِ الواقع. منذ عقودٍ طويلةٍ، يعيشُ اللبنانيّون/ات بينَ محاولاتِ بناءِ دولةٍ وبينَ وقائعَ تُعيدُ إنتاجَ اللَّادولة، حتى بدا المشهدُ وكأنّه صراعٌ مستمرٌّ بينَ شرعيّةٍ دستوريّةٍ منشودةٍ ومنظوماتِ نفوذٍ متشابكةٍ تُضعفُ المؤسّسات وتُقيّدُ قدرتَها على القيامِ بوظائفِها الطبيعيّة.
غيرَ أنّ الخروجَ من هذا المأزقِ التاريخيِّ لا يكونُ بالشعاراتِ ولا بالتمنّياتِ ولا بإعادةِ تدويرِ الخطاباتِ ذاتِها. الدَّولةُ لا تُبنى بالخطابة، بل بالسياساتِ العامّة، والمؤسّساتِ الفاعلة، والشرعيّاتِ المتجدّدة. من هنا تحديدًا تبرزُ الانتخاباتُ النيابيّةُ باعتبارِها المدخلَ الأساسَ للانتقالِ من اللَّادولةِ المهتزَّة إلى الدَّولةِ الثَّابتة.
الإنتخاباتُ النيابيّةُ ليست استحقاقًا إجرائيًّا فحسب، وليست مناسبةً دوريّةً لتبادلِ المواقعِ السياسيّة. إنّها في جوهرِها معيارُ استقامةِ النظامِ البرلمانيِّ الديموقراطيِّ، ومؤشّرُ سلامةِ العلاقةِ بينَ الدولةِ والمجتمع، وآليّةُ إنتاجِ الشرعيّةِ السياسيّةِ وتجديدِها. عندما تضعفُ الانتخاباتُ أو تُشوَّهُ أو تُفرَّغُ من مضمونِها التمثيليِّ الحقيقيِّ، يصبحُ النظامُ برمّتِه عرضةً للاهتزاز، وتفقدُ الدولةُ إحدى أهمِّ ركائزِ وجودِها.
في التجربةِ اللبنانيّة، لا يمكنُ الحديثُ عن إصلاحٍ دستوريٍّ أو اقتصاديٍّ أو إداريٍّ من دونِ استعادةِ المعنى الفعليِّ للانتخابات. ذلك أنّ المجلسَ النيابيَّ هو المؤسّسةُ التي تنبثقُ عنها عمليًّا سائرُ السلطاتِ الدستوريّة، سواءٌ بصورةٍ مباشرةٍ أو غيرِ مباشرةٍ. من هنا فإنّ أيَّ محاولةٍ جادّةٍ لإعادةِ بناءِ الدولةِ تبدأُ من ضمانِ انتخاباتٍ حرّةٍ ونزيهةٍ وتنافسيّةٍ، تُعبّرُ عن الإرادةِ الشعبيّةِ الحقيقيّةِ وتُنتجُ تمثيلًا وطنيًّا يتجاوزُ الحساباتِ الفئويّةَ الضيّقة.
لكنّ المسألةَ لا تقتصرُ على الجانبِ الانتخابيِّ التقنيِّ. لبنانُ يحتاجُ بالتوازي إلى مسارٍ وطنيٍّ لترميمِ الذّاكرةِ الجماعيّة. إذ لا يمكنُ لدولةٍ أن تستقرَّ إذا ظلَّ مجتمعُها أسيرَ ذاكراتٍ متنازعةٍ وسرديّاتٍ متناقضةٍ وتفسيراتٍ متضاربةٍ لتاريخِه الحديث. الإنقساماتُ العميقةُ التي تراكمت عبرَ الحروبِ والصراعاتِ والأزماتِ المتعاقبةِ لم تُعالجْ بصورةٍ جدّيّةٍ، بل جرى غالبًا تجاوزُها سياسيًّا من دونِ معالجتِها وطنيًّا. ترميمُ الذاكرةِ الجماعيّةِ لا يعني إعادةَ فتحِ الجراحِ أو اجترارَ الماضي. بل يعني بناءَ سرديّةٍ وطنيّةٍ جامعةٍ تُنصفُ الحقيقةَ وتُكرّمُ الضحايا وتمنعُ تكرارَ الأخطاء. كما يعني الاعترافَ بأنّ الاستقرارَ الحقيقيَّ لا يقومُ على النسيانِ القسريِّ، بل على المصالحةِ الواعيةِ مع الوقائعِ والتجاربِ والدروس.
في هذا السياق، يصبحُ الخيارُ الدستوريُّ إطارًا جامعًا لهذه العمليّة. الدستورُ ليس نصًّا قانونيًّا جامدًا، بل عقدٌ وطنيٌّ يؤسّسُ للعيشِ المشتركِ ويحدّدُ قواعدَ الانتظامِ العامِّ ويصونُ الحقوقَ والحريّات. وعندما يُعادُ الاعتبارُ للدستورِ بوصفِه المرجعيّةَ العليا، تُعادُ في الوقتِ نفسِه المكانةُ الطبيعيّةُ للإنسانِ بوصفِه الغايةَ الأولى لأيِّ سياسةٍ عامّة.
الإنسانُ في الدولةِ الحديثةِ ليس رقمًا انتخابيًّا ولا مجرّدَ عنصرٍ في معادلاتِ السلطة. إنّه قيمةٌ دستوريّةٌ وأخلاقيّةٌ وسياسيّةٌ في آنٍ معًا. لذلك فإنّ أيَّ مشروعٍ لبناءِ الدولةِ يجبُ أن يُعيدَ وضعَ الكرامةِ الإنسانيّةِ في صدارةِ الأولويّات. كرامةٌ ترتبطُ بالعدالةِ الاجتماعيّةِ، وبسيادةِ القانونِ، وبالمساواةِ أمامَ المؤسّسات، وبحقِّ المواطنِ في الخدماتِ الأساسيّةِ وفي المشاركةِ السياسيّةِ الفعّالة.
في موازاةِ ذلك، يحتاجُ المجتمعُ اللبنانيُّ إلى إعادةِ بناءِ مفهومِ السَّلامِ الأهليِّ على أسسٍ أكثرَ رسوخًا. السَّلامُ لا يعني غيابَ الحربِ فقط، بل يعني أيضًا وجودَ مؤسّساتٍ قادرةٍ على إدارةِ الاختلافاتِ بصورةٍ حضاريّةٍ، واقتصادٍ يوفّرُ الحدَّ الأدنى من العدالةِ والفرصِ، وقضاءٍ مستقلٍّ يحمي الحقوقَ ويُحاسبُ المعتدين. أمّا السّيادةُ، فهي بدورِها ليست شعارًا ظرفيًّا يُرفعُ عندَ الحاجة. السّيادةُ مشروعُ استدامةٍ وطنيّةٍ يتطلّبُ احتكارَ الدولةِ لقرارِها الدستوريِّ والأمنيِّ والاستراتيجيِّ، وتمكينَ مؤسّساتِها الشرعيّةِ من القيامِ بواجباتِها كاملةً. لا استقرارَ من دونِ سيادةٍ، ولا سيادةَ من دونِ دولةٍ، ولا دولةَ من دونِ شرعيّةٍ متجدّدةٍ تُنتجُها انتخاباتٌ حرّةٌ وشفّافةٌ ودوريّة.
إنّ التحدّيَ الأكبرَ أمامَ لبنانَ اليومَ لا يتمثّلُ فقط في معالجةِ نتائجِ الأزماتِ المتراكمةِ، بل في تحديدِ وجهةِ البلادِ للسنواتِ المقبلة. هل يبقى لبنانُ ساحةً مفتوحةً لتقاطعاتِ الصراعاتِ الإقليميّةِ والدوليّةِ؟ أم يتحوّلُ إلى دولةٍ طبيعيّةٍ تُديرُ مصالحَها الوطنيّةَ وفقَ أولويّاتِها الدستوريّة؟
من هنا تبرزُ الأولويّةُ الوطنيّةُ الكبرى، إخراجُ لبنانَ من دائرةِ الصراعِ إلى مربّعِ الاستقرار. ليس المقصودُ بذلك الانعزالَ عن محيطِه أو التخلّي عن دورِه الحضاريِّ والتاريخيِّ، بل الانتقالُ من موقعِ التلقّي والتأثّر إلى موقعِ المبادرةِ وصناعةِ القرار. الدولُ لا تُقاسُ بحجمِ النزاعاتِ التي تنخرطُ فيها، بل بقدرتِها على حمايةِ مصالحِ شعوبِها وضمانِ استقرارِها واستمراريّتِها.
وعليه، فإنّ بناءَ الدولةِ الثابتةِ يمرُّ عبرَ مسارٍ مترابطِ الحلقات، انتخاباتٌ نيابيّةٌ تُجدّدُ الشرعيّة، ومسارُ ترميمٍ للذاكرةِ الجماعيّة، وإحياءُ المرجعيّةِ الدستوريّة، وتعزيزُ كرامةِ الإنسان، وترسيخُ السَّلامِ الأهليِّ، وتثبيتُ السيادةِ الوطنيّة، واعتمادُ خيارِ الاستقرارِ بوصفِه مصلحةً عليا للدولة.
هذه ليست أولويّاتٍ متوازيةً يمكنُ الاختيارُ بينها، بل منظومةٌ متكاملةٌ لا ينجحُ أحدُ عناصرِها من دونِ العناصرِ الأخرى. الدولةُ لا تُبنى بالتجزئة، ولا تُستعادُ بالترقيع، ولا تُحمى بالمساوماتِ الدائمة. إنّها تُبنى بإرادةٍ سياسيّةٍ واضحةٍ وشجاعةٍ، وبمؤسّساتٍ دستوريّةٍ فاعلةٍ، وبمجتمعٍ يختارُ الاستقرارَ طريقًا والسيادةَ هدفًا والإنسانَ بوصلةً. عندها فقط، يصبحُ الانتقالُ من اللَّادولةِ المهتزَّة إلى الدَّولةِ الثَّابتةِ مشروعًا وطنيًّا قابلًا للتحقّق، لا مجرّدَ عنوانٍ جميلٍ يُضافُ إلى أرشيفِ الأزمات. وعندها فقط، يستعيدُ لبنانُ معناه بوصفِه دولةً لا ساحةً، ووطنًا لا ممرًّا، ومستقبلًا لا رهينةً لماضٍ لم يُحسَم بعد.
