
المحامي البروفيسور نبيه الشرتوني
١٣ تموز ٢٠٢٦
الرجل الذي تعلّم البقاء
لم تكن السنوات هي التي جعلتني شيخًا.
بل كانت السنوات هي التي شاخت وهي تحاول اللحاق بي.
لم ينحنِ ظهري قطّ،
بل كان الزمن هو الذي انحنى أمامي، في صمتٍ لا يراه إلا من عرف معنى الثبات.
في الثمانين من عمري، أدركت أن الزمن لم يكن يومًا خصمي، بل كان أصدق أساتذتي وأشدّهم صرامة. لم يعدني بسعادة، ولا بثروة، ولا بانتصارات، وإنما منحني فرصة نادرة لأكتشف من أكون، حين أخذ كل ما كنت أظنه ضروريًا يتوارى واحدًا بعد آخر.
نولد ونحن نظن أننا جئنا لنفتح العالم ونملكه، ثم لا نلبث أن نكتشف أن العالم لم يكن يومًا ملكًا لأحد. نحن عابرون، أُودِعت بين أيدينا، لبرهة قصيرة، زاوية صغيرة من هذا الكون، لنبرهن ممَّ خُلقت الروح الإنسانية.
فالوجود لا يعني أن نستمر في التنفس.
بل أن نمنح كل نَفَسٍ مبررًا يستحق أن يُعاش.
رأيت شبابًا أنهكهم العمر قبل أن يبلغوا الأربعين، لأنهم فقدوا دهشة الاكتشاف. وعرفت شيوخًا بقيت في أعينهم صفاءُ الفجر الأول، لأنهم لم يتوقفوا يومًا عن التعلّم.
العمر شأن الجسد.
أما البقاء، فهو شأن الروح.
ولا يزال ظهري منتصبًا، لا لأنه يجهل أثقال الحياة، بل لأنه تعلّم أن الأعباء التي تُحمل بكرامة تمنح الإنسان قوةً أكثر مما تسلبه. وكل هزيمة وضعت حجرًا على كتفي، ثم اكتشفت، مع مرور الزمن، أن تلك الحجارة لم تكن أثقالًا، بل درجاتٍ ارتقيتُها لأرى أفقًا أرحب.
لم تسألني الحياة يومًا إن كنت مستعدًا.
لقد حدثت. فحسب.
وعندها فهمت أن الشجاعة ليست في ألّا نسقط، بل في أن ننهض من سقوطنا مراتٍ حتى يفقد السقوط هيبته ومعناه.
ومع السنين تعلّمت حقيقة أخرى:
للإنسان ميلادان.
الأول حين يفتح عينيه على الدنيا.
والثاني حين يفتح قلبه لمعنى وجوده.
وكثيرون يمضون أعمارهم كلها دون أن يولدوا الميلاد الثاني.
ومنذ ذلك الحين، كففت عن مطاردة النجاح؛ فالنجاح أسيرُ تصفيق الآخرين، أما البقاء فلا يولد إلا يوم يصالح الإنسان نفسه.
لا أرجو أن يبقى اسمي في ذاكرة الدنيا.
بل أرجو أن تبقى كلمة قلتها، أو يدٌ امتدت بالخير، أو موقفٌ صامتٌ انتصر للعدل، بعد أن يعجز صوتي عن النطق.
فالاسم ينتهي إلى تراب.
أما الأعمال، فلها ذاكرة.
وأما المحبة، فإنها تكتسب صفة الخلود.
وشَعري الأبيض ليس إعلان هزيمة أمام الزمن، بل هو النور الذي خلّفته معارك لا تُحصى خضتها في وجه اليأس. كل شعرة منه تحفظ ذكرى قرارٍ عسير، أو وداعٍ موجع، أو حلمٍ استعاد أنفاسه، أو ليلةٍ اخترت فيها الإيمان، بينما كان كل شيء يدعوني إلى الاستسلام.
لقد تعلّمت أن الألم ليس عقوبة.
إنه لغة.
ولا يفهمها إلا من رضي أن يُصغي إليها.
وفي تلك اللغة اكتشفت أن دمعةً واحدة لا تضيع. فكل دمعة تروي بذرةً خفية، ستزهر يومًا، ربما بعد أن نغادر نحن هذا العالم.
ولهذا لم أعد أسأل الحياة: كم بقي لي؟
بل أسألها: كم بقي لي لأمنح؟
فالزمن لا يُكرَّم بتكديسه.
بل يُكرَّم بتقاسمه.
ولا ثروة تضاهي ضميرًا هادئًا عند نهاية النهار، ولا سلطان يسمو على حرية إنسان ينام وقلبه خالٍ من الكراهية، ولا انتصار يعدل القدرة على الصفح دون أن ننسى الحكمة التي علمتنا إياها الجراح.
ولقد راودني خاطرٌ عميق:
لعلّ الله لا يقيس أعمارنا بعدد السنوات التي عشناها.
بل بعدد بذور الرجاء التي زرعناها في قلوب الآخرين.
فإن صحّ ذلك،
فكل كلمة مواساة هي صلاة.
وكل فعل رحمة امتدادٌ لفعل الخلق.
وكل عناقٍ صادق انتصارٌ للحياة على النسيان.
أما اليوم، فأنا أمشي ببطء.
لا لأن قوتي خارت.
بل لأنني أريد أن أتأمل ما فاتني وأنا أركض طوال عقود خلف عقارب الساعات.
لقد أدركت أخيرًا أن الأزهار لم تستعجل التفتح قط.
وأن الأشجار لم تدخل منافسةً مع غيرها.
وأن الجبال بقيت ثابتةً بينما كانت الإمبراطوريات تولد وتموت.
فالطبيعة لم تخلط يومًا بين الحركة والتقدّم.
أما نحن… فقد فعلنا.
وإن كان لي أن أترك إرثًا لمن يواصلون الطريق بعدي، فلن أترك لهم أجوبة.
فالأجوبة تشيخ.
أما الأسئلة الصادقة، فإنها تُبقي العقل حيًّا.
فالإنسان يبدأ بالموت يوم يكف عن أن يسأل نفسه:
من أنا؟
ولأي غاية أُرسلت إلى هذا العالم؟
وأعظم ما اكتشفته بعد ثمانية عقود، ليس أنني عرفت الناس أكثر.
بل أن الإنسان لا يفرغ أبدًا من بناء نفسه.
فكل فجر يمنحنا المواد نفسها.
ونحن وحدنا من يختار: أن نبني مأوى للخوف.
أم هيكلًا للرجاء.
وحين يأتي يوم الرحيل أخيرًا، لا أود أن يقال: لقد عاش طويلًا.
بل أتمنى أن يُقال ما هو أعسر وأجمل:
هنا مرّ رجلٌ لم يسمح للزمن أن يسلبه القدرة على الحب، وعلى التعلّم، وعلى الامتنان، وعلى البقاء.
ففي نهاية المطاف، أدركت أبسط الحقائق، وربما أعظمها جميعًا:
إن الخلود لا يبدأ بعد الموت.
إنه يبدأ يوم تكفّ الحياة عن أن تكون ملكًا لصاحبها، لتغدو نورًا يهتدي به الآخرون في طريقهم.