
زياد الصَّائغ
٩ تموز ٢٠٢٦
بناءُ الاستقرار…. واستعادةِ الدَّولة!
لا تُبنى الدُّولُ المستقرّة بانتهاءِ الحروبِ فحسب، بل بقدرتِها على تحويلِ لحظاتِ ما بعد الصراع إلى فرصةٍ لإعادةِ بناءِ المؤسّسات. الاستقرارُ ليس نقيضَ الحربِ فقط، بل هو نتيجةُ سياساتٍ عامّةٍ متكاملةٍ تُعيدُ تنظيمَ العلاقةِ بين السلطةِ والدولة، وبين المؤسّساتِ والمجتمع، وبين الأمنِ والتنمية. ولهذا، فإنّ الانتقالَ من إدارةِ النزاعات إلى بناءِ الاستقرار يمثّلُ اليوم أحدَ أهمّ التحدّيات في علمِ السياساتِ العامّة، ولا سيّما في الدول التي شهدت نزاعاتٍ طويلةً أو تعدّدًا في مراكزِ القرار. يُعدّ لبنان من أكثر الحالات تعقيدًا في هذا المجال. فقد تراكمت عبر عقود عواملُ داخليةٌ وإقليميةٌ ودوليةٌ جعلت إدارةَ الأمن والسياسة الخارجية تتجاوز، في مراحل مختلفة، الإطارَ المؤسّساتيَّ التقليدي. نتيجةً لذلك، لم تعد الأزمة مقتصرةً على وجود تحدّياتٍ أمنية، بل أصبحت أزمةَ قدرةٍ مؤسّساتية، انعكست على الاقتصاد، والإدارة العامة، والثقة بالدولة، ونوعية الحوكمة. من هنا، لا يعود السؤال الأساسي كيف تُدار أزمةٌ معيّنة؟ بل يصبح كيف تستعيد الدولة قدرتها المؤسّساتية على إدارة الأزمات وصناعة الاستقرار في آنٍ واحد؟
- الدولة بوصفها الإطار المؤسّساتي للسيادة
في الفكر الدستوري الحديث، لا تُختزل السيادة في مفهومٍ قانونيٍّ مجرّد، بل تُقاس بقدرة الدولة على ممارسة وظائفها الحصرية بصورةٍ منتظمة وخاضعة للمساءلة. وتُعدّ إدارة العلاقات الخارجية، والسياسات الدفاعية، والأمن الوطني، من أبرز هذه الوظائف، لأنّها تعبّر عن وحدة الإرادة العامة للدولة. تشير أدبيات بناء الدولة إلى أنّ هشاشة المؤسّسات لا تنشأ فقط من ضعف الموارد، بل أيضًا من تداخل الصلاحيات، وتعدّد مراكز القرار، وغياب المرجعية المؤسّساتية الواضحة. لذلك، فإنّ تعزيز الدولة يبدأ باستعادة وضوح الاختصاصات، وترسيخ مبدأ وحدة القرار العام ضمن الأطر الدستورية.
- إدارة النزاعات كسياسة عامة
تميّز أدبيات العلاقات الدولية بين إدارة النزاع (Conflict Management) وتسوية النزاع (Conflict Resolution) وبناء السلام (Peacebuilding). فإدارة النزاع تهدف إلى الحدّ من التصعيد وتقليل المخاطر، بينما تسعى تسوية النزاع إلى معالجة أسبابه المباشرة، أمّا بناء السلام فيركّز على تأسيس بيئةٍ مؤسّساتية تمنع تكرار النزاع. من هذا المنظور، فإنّ أيّ آلية تعتمدها الدولة في إدارة ملفّات خارجية أو أمنية ينبغي تقييمها وفق معايير الحوكمة العامة، وليس انطلاقًا من الانطباعات أو الاصطفافات. فالسياسة العامة الناجحة هي التي تعزّز قدرة الدولة، وتزيد من قابليتها للمساءلة، وتُحسن إدارة المخاطر، وتخدم المصلحة العامة على المدى الطويل.
- المؤسّسات قبل الأدوات
تُظهر التجارب المقارنة أنّ النقاش العام كثيرًا ما ينشغل بالأدوات أكثر من انشغاله بالمؤسّسات. بينما تشير الخبرة الدولية إلى أنّ نجاح أي أداةٍ سياسية أو دبلوماسية أو أمنية يتوقّف، قبل كل شيء، على البيئة المؤسّساتية التي تُستخدم ضمنها. التفاوض، على سبيل المثال، ليس هدفًا في ذاته، ولا يحمل قيمةً سياسيةً أو قانونيةً مستقلّة عن سياقه. إنّه أداة من أدوات الدولة، تُقاس فعاليتها بمدى ارتباطها باستراتيجية وطنية واضحة، وبقدرة المؤسّسات على إدارتها، وبخضوعها للمساءلة الدستورية. لهذا، فإنّ النقاش المنتج لا ينبغي أن يتمحور حول الأداة بحدّ ذاتها، بل حول موقعها ضمن مشروع أشمل لبناء الدولة وتعزيز الحوكمة.
- التحولات الجيو-سياسية وإعادة تعريف المصلحة الوطنية
تفرض التحولات الإقليمية والدولية على الدول الصغيرة والمتوسطة مراجعة سياساتها بصورة دورية. غير أنّ هذه المراجعة لا تعني تبديل المبادئ، بل إعادة تقييم الأدوات بما يحفظ المصالح الوطنية في بيئة متغيّرة. يُبرز علم السياسات العامة مفهوم “القدرة على التكيّف المؤسّساتي” باعتباره أحد أهم عناصر صمود الدولة. الدول التي تنجح ليست تلك التي ترفض التغيير، ولا تلك التي تتكيّف معه بصورة عشوائية، بل تلك التي تمتلك مؤسّسات قادرة على اتخاذ قرارات عقلانية تستند إلى البيانات، والقانون، والمصلحة العامة. في الحالة اللبنانية، يقتضي ذلك الانتقال من منطق إدارة اللحظة إلى بناء رؤية استراتيجية طويلة الأمد، تتكامل فيها السياسة الخارجية مع الإصلاح الاقتصادي، والإدارة العامة، والأمن الوطني، والعدالة.
- جودة النقاش العام
إنّ جودة السياسات العامة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بجودة النقاش العام. الاختلاف حول الخيارات أمرٌ طبيعي في الأنظمة الديموقراطية، لكنّه يصبح أكثر إنتاجية حين يستند إلى تحليل البدائل، وقياس الكلفة والمنفعة، وتقييم الآثار المؤسّساتية. في المقابل، تؤدّي المقاربات التي تكتفي بالأحكام القطعية أو بالشعارات إلى إفقاد النقاش بعده العلمي، لأنّها لا تقدّم إطارًا لتقييم الخيارات ولا بدائل عملية قابلة للتنفيذ. وعندها يصبح الجدل غايةً في ذاته، بدل أن يكون وسيلةً لتحسين القرار العام.
- نحو إطار متكامل لبناء الاستقرار
إنّ بناء الاستقرار لا يتحقق عبر مسار منفصل عن مشروع بناء الدولة، بل يشكّل أحد مخرجاته الطبيعية. كلما ازدادت قدرة المؤسّسات على أداء وظائفها وفق قواعد الدستور وسيادة القانون، ازدادت قدرة الدولة على إدارة المخاطر وتقليل احتمالات العودة إلى الأزمات المتكررة. يقتضي ذلك مقاربة تكاملية تربط بين الإصلاح الدستوري، وتحديث الإدارة العامة، وتعزيز استقلال القضاء، وتطوير الحوكمة المالية، وبناء قطاع أمني مهني وخاضع للمساءلة، إلى جانب سياسة خارجية تنطلق من المصلحة الوطنية وتُدار عبر المؤسّسات المختصّة. هذه المسارات ليست متوازية فحسب، بل متداخلة، ويؤدي ضعف أحدها إلى إضعاف المنظومة بأكملها. كما أنّ الاستقرار لا يُقاس فقط بمؤشرات الأمن، بل أيضًا بمؤشرات الثقة العامة، وجودة الخدمات، والقدرة على جذب الاستثمار، واستدامة المالية العامة، وفاعلية المؤسسات. من هنا، فإنّ الأمن والتنمية والحوكمة ليست ملفات منفصلة، بل أبعاد مختلفة لمشروع وطني واحد.
خاتمة
يُظهر مسار بناء الدول في التجارب المقارنة أنّ الاستقرار المستدام لا يُنتجُه عامل واحد، ولا قرار منفرد، بل منظومة متكاملة من السياسات العامة التي تُعلي من شأن المؤسّسات، وتُرسّخ سيادة القانون، وتضمن وحدة القرار العام، وتُخضع ممارسة السلطة للمساءلة. بالنسبة إلى لبنان، فإنّ التحدّي لا يكمن فقط في التعامل مع الأزمات المتعاقبة، بل في القدرة على تحويلها إلى فرصة لإعادة تأسيس الدولة على قواعد أكثر صلابة. كل انتقال ناجح من إدارة النزاعات إلى بناء الاستقرار يمرّ، حتمًا، عبر استعادة الثقة بالمؤسّسات، وتعزيز قدرتها على صنع القرار وتنفيذه، وربط الأمن الوطني بالإصلاح الدستوري والإداري والاقتصادي. إنّ مستقبل الدولة اللبنانية لن يتحدد بقدرتها على تجاوز أزمة بعينها، بل بقدرتها على ترسيخ نموذج حوكمة يجعل المؤسّسات هي المرجعية، والدستور هو الإطار، والمصلحة العامة هي البوصلة. عندئذٍ فقط يصبح الاستقرار سياسةً مستدامة، لا هدنةً مؤقتة، ويغدو بناء الدولة مشروعًا متواصلًا يتجاوز اللحظة السياسية إلى أفق التنمية والسيادة المؤسّساتية.
