
زياد الصَّائغ
٢٢ تشرين الاول ٢٠٢٦
الشّرق الأوسط في سيكولوجيا الصّراع الجيو-سياسيّ!
لم يعد الصّراع في الشّرق الأوسط مجرّد مواجهة بين مشاريع إقليميّة-دوليّة تتنازع النّفوذ، أو اشتباك عسكريّ تتبدّل فيه موازين القوى تبعًا لتقدّم الجيوش وتراجعها. نحن أمام تحوّل بنيويّ يطال فلسفة القوّة، وسيكولوجيا السّلطة، ووظيفة الدّولة، وحدود الشّرعيّات الوطنيّة في نظام إقليميّ يتشكّل على إيقاع اختلالات النّظام الدّوليّ. المسألة لم تعد محصورةً بمن يربح الحرب، بل بمن يستطيع تحويل نتائجها إلى انتظام سياسيّ مستدام، وبمن يمتلك القدرة على الانتقال من إدارة الصّراعات إلى إنتاج منظومة أمن جماعيّ تمنع إعادة توليدها. بين إيران التي تواجه تحدّي إعادة تعريف موقعها الإقليميّ، وإسرائيل التي تختبر حدود تفوّقها العسكريّ وإمكانات تحويله إلى مكاسب سياسيّة، والدّول العربيّة المدعوّة إلى تجاوز التكيّف مع الأزمات نحو صناعة التّوازنات، يقف لبنان أمام سؤال وجوديّ يتجاوز طبيعة الحكم إلى معنى الدّولة نفسها.
إنّ المقاربة الجيو-سياسيّة التي تكتفي برصد انتشار القواعد العسكريّة، وخطوط الإمداد، والممرّات البحريّة، وتوازنات الرّدع، تبقى قاصرةً ما لم تقترن بقراءة سيكولوجيّة لصانعي القرار، وللمجتمعات التي تتلقّى نتائج قراراتهم، وللجماعات المسلّحة التي بنت هويّاتها السّياسيّة على استدامة المواجهة. ذلك أنّ الحروب لا تُدار بالسّلاح وحده، بل بمنظومات إدراكيّة تتداخل فيها ذاكرة الهزيمة، وقلق البقاء، ونزعة الانتقام، والخوف من فقدان المكانة، ووهم القدرة على فرض الوقائع بلا حدود. من هنا، تصبح دراسة السّلوك الإيرانيّ والإسرائيليّ والعربيّ، بما فيه السّلوك اللّبنانيّ، مدخلًا ضروريًّا لفهم السّيناريوهات المقبلة، بعيدًا من الحتميّات الأيديولوجيّة والتّوقّعات الانفعاليّة.
لقد أثبتت التّجربة الإقليميّة-الدّوليّة أنّ امتلاك القدرة على التّعطيل لا يساوي امتلاك القدرة على البناء، وأنّ شبكات النّفوذ العابرة للحدود تستطيع إضعاف الدّول من دون أن تنجح في إقامة نظام بديل قابل للحياة. كما أظهرت أنّ التّفوّق العسكريّ الإسرائيليّ، مهما بلغت فعاليّته التّكنولوجيّة والاستخباريّة، لا يمنح تلقائيًّا شرعيّةً سياسيّةً أو أمنًا مستدامًا، وأنّ تهميش الحقوق الوطنيّة الفلسطينيّة لا يؤدّي إلى اختفائها، بل يعيد إنتاج الصّراع بأشكال أشدّ تعقيدًا. في المقابل، فإنّ الدّول العربيّة التي تمتلك الموارد الاقتصاديّة والدّيموغرافيّة والدّبلوماسيّة لم تعد تستطيع الاكتفاء بموقع الوسيط بين المشاريع المتنازعة، لأنّ غياب مشروع عربيّ متكامل للأمن القوميّ يترك المجال مفتوحًا أمام الآخرين لتعريف مصالح المنطقة بالنيابة عن شعوبها ودولها.
النّفوذ والبقاء
في هذا السّياق، لا يمكن فهم المأزق الإيرانيّ من دون التوقّف عند البنية النّفسيّة والسّياسيّة التي حكمت المشروع الإقليميّ للجمهوريّة الإسلاميّة منذ العام 1979. فقد تأسّست عقيدته على تلازم حماية النّظام وتصدير النّفوذ، بحيث تحوّل الأمن القوميّ الإيرانيّ تدريجيًّا من مفهوم دفاعيّ مرتبط بالحدود إلى مشروع توسّعيّ يستند إلى إنشاء ساحات متقدّمة للصّراع. لم تكن الأذرع المسلّحة مجرّد أدوات تكتيكيّة، بل أصبحت جزءًا من تعريف النّظام لذاته، ومن تصوّره لمكانته في الإقليم. لذلك، فإنّ أيّ تراجع يصيب هذه الأذرع لا يُقرأ في طهران بوصفه خسارةً عسكريّةً فحسب، بل تهديدًا رمزيًّا لمنظومة الهيبة التي استُخدمت لتبرير الكلفة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة لهذا التمدّد. هنا تبرز سيكولوجيا النّظام المحاصر بين هاجسين متناقضين. الخشية من الانكفاء بما يوحي بالهزيمة، والخوف من الاستمرار في المواجهة بما قد يهدّد بقاءه. السّلطة التي راكمت شرعيّتها التّعبويّة على خطاب المقاومة والممانعة تجد نفسها أمام امتحان الانتقال من عقيدة المواجهة المفتوحة إلى حسابات البقاء الدّولتيّ. هذا الانتقال ليس تقنيًّا، لأنّه يفرض إعادة النّظر في العلاقة بين المؤسّسات الإيرانيّة، والحرس الثّوريّ، والقرار السّياسيّ، والاقتصاد الوطنيّ، فضلًا عن موقع المجتمع الإيرانيّ الذي يتحمّل تداعيات العقوبات والعزلة واستنزاف الموارد. وكلّما اتّسعت الفجوة بين مقتضيات بقاء النّظام ومصالح الدّولة والمجتمع، ازدادت احتمالات التوتّر داخل بنية القرار، من دون أن يعني ذلك حتميّة انهيارها.
عليه، يمكن استشراف ثلاثة مسارات أساسيّة للتعامل مع إيران. يتمثّل أوّلها في استمرار الاحتواء الصّارم، من خلال الضّغوط الاقتصاديّة والعقوبات وتقييد القدرات العسكريّة والماليّة للشّبكات المرتبطة بها، مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحةً لمنع الانزلاق إلى حرب إقليميّة شاملة. أمّا المسار الثّاني، فيقوم على تفاهمات مشروطة تتناول الملفّ النّوويّ والصّواريخ الباليستيّة والتدخّلات الإقليميّة، بحيث تصبح إعادة إدماج إيران تدريجيًّا في علاقات طبيعيّة مرتبطةً بتحوّل قابل للتحقّق في سلوكها. فيما يتمثّل المسار الثّالث في تصعيد عسكريّ متدرّج أو واسع، قد يستهدف تقليص قدراتها الاستراتيجيّة وفرض وقائع ردعيّة جديدة، لكنّه يحمل مخاطر تفكّك الضّوابط، واتّساع المواجهة، وتحويل المنطقة إلى فضاء استنزاف طويل الأمد. ليس من الدقّة اعتبار أيّ من هذه المسارات محسومًا، إذ قد تتداخل عناصرها ضمن سياسة ضغط وتفاوض وردع متزامنة. غير أنّ المعيار الحاسم لا يكمن في مقدار الضّرر الذي يمكن إلحاقه بإيران، بل في مدى القدرة على إنتاج سلوك إيرانيّ مختلف يحترم سيادة الدّول وعدم التّدخّل في شؤونها. إضعاف القدرة العسكريّة من دون معالجة البنية السّياسيّة التي تعيد إنتاجها قد يحقّق ردعًا مؤقّتًا، لكنّه لا يؤسّس بالضّرورة لاستقرار مستدام. في المقابل، فإنّ التّسويات التي تكتفي بتجميد الملفّ النّوويّ وتتجاهل شبكات السّلاح والقرار الموازي داخل الدّول العربيّة قد تعيد تدوير الأزمة بدل إنهائها. من الواضِح أنَّ قرار إنهاء النفوذ الإيراني المدمّر في الشرق الأوسط قيد الاقتِلاع.
أمّا الأذرع الإيرانيّة، فلا يجوز التعامل معها باعتبارها كتلةً واحدةً متجانسة. حزب الله في لبنان، والحوثيّون في اليمن، والتشكيلات المسلّحة المرتبطة بطهران في العراق، تختلف في نشأتها وبنيتها الاجتماعيّة ومدى اندماجها في المؤسّسات المحلّيّة، وإن اشتركت في درجات متفاوتة من الارتباط الاستراتيجيّ بإيران. تفرض هذه الفوارق مقاربات وطنيّة متمايزة، لا تختزل المجتمعات التي نشأت فيها هذه التشكيلات بالمنظّمات المسلّحة، ولا تمنح الأخيرة حقّ مصادرة التمثيل السّياسيّ لتلك المجتمعات. المعضلة ليست في الهويّات المذهبيّة، بل في ازدواجيّة الشّرعيّة والسّلاح والقرار، وفي تحويل الانتماءات الأهليّة إلى أدوات لتجاوز سيادة الدّولة.
تكشف التّجربة اليمنيّة، تحديدًا، أنّ امتلاك القدرة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لا يساوي امتلاك مشروع حكم قادر على بناء دولة مستقرّة. الممرّات البحريّة ليست مجرّد مساحات جغرافيّة، بل شرايين للاقتصاد الدّوليّ، وأيّ تهديد مستدام لها يوسّع دائرة المتضرّرين ويستدعي ردود فعل تتجاوز الحسابات المحلّيّة. من مضيق هرمز إلى باب المندب، تتكشّف حدود استخدام الجغرافيا أداةً للابتزاز الاستراتيجيّ، لأنّ تدويل الممرّات الاقتصاديّة يفرض في المقابل تدويل مسؤوليّة حمايتها. غير أنّ الحلّ المستدام في اليمن يبقى مرتبطًا بإعادة بناء الشّرعيّة والمؤسّسات، وتسوية سياسيّة تضمن وحدة الدّولة، لا بمجرد نقل موازين الرّدع من طرف إلى آخر. في العراق، يبرز امتحان أكثر تعقيدًا، لأنّ الدّولة تمتلك مؤسّسات دستوريّة وموارد سياديّة، لكنّ تعدّد مراكز القوّة المسلّحة يحدّ من قدرتها على احتكار القرار الأمنيّ. لذلك، فإنّ إعادة الاعتبار للشّرعيّة العراقيّة تقتضي تحصين المؤسّسات، وضبط السّلاح ضمن المرجعيّات القانونيّة، ومنع تحويل البلاد إلى ساحة تصفية حسابات بين إيران والولايات المتّحدة. أمّا سوريا، فإنّ مستقبلها يرتبط بقدرتها على الانتقال من منطق مناطق النّفوذ والتدخّلات الخارجيّة إلى انتظام دستوريّ جامع، يضمن وحدة الأرض والمؤسّسات، وحقوق المواطنات والمواطنين المتساوية، ويمنع إعادة إنتاج الاستبداد أو التطرّف أو الوصايات الإقليميّة تحت تسميات مختلفة. لبنان حالة شديدة التعقيد إذ هي القيادة السّياسيّة ما زالت تستدعي منطق الاحتِواء على فشلِه مع حزب الله.
القوّة والشّرعيّة
في المقابل، تواجه إسرائيل مفترقًا استراتيجيًّا لا يقلّ تعقيدًا. سيكولوجيا الأمن الإسرائيليّ، المتأثّرة بذاكرة التهديد الوجوديّ وبالاختلالات التي كشفتها المواجهات الأخيرة، تميل إلى توسيع مفهوم الرّدع من منع الهجوم إلى محاولة تعطيل مصادر التهديد قبل تبلورها. يطرح هذا التحوّل سؤالًا خطيرًا حول الحدود الفاصلة بين الدّفاع المشروع والعقيدة الهجوميّة المفتوحة، وبين ضمان الأمن والسّعي إلى إعادة هندسة البيئة الإقليميّة بالقوّة. الدّولة التي تعتبر كلّ تهديد محتمل مبرّرًا لعمل عسكريّ استباقيّ قد تنجح في تقليص أخطار محدّدة، لكنّها تواجه احتمال تحويل الاستثناء الأمنيّ إلى حالة دائمة تُضعف فرص التّسوية وتستنزف شرعيّتها الدّوليّة. تتوزّع الخيارات الإسرائيليّة المحتملة بين الاستمرار في استراتيجيّة التّفوّق العسكريّ والضّربات الاستباقيّة، أو الانتقال إلى تفاهمات أمنيّة إقليميّة تستند إلى ضمانات متبادلة، أو اعتماد صيغة هجينة تجمع الضّغط العسكريّ بالتّسويات المرحليّة. غير أنّ هذه الخيارات تصطدم جميعها بالعقدة الفلسطينيّة، التي لا يمكن اختزالها بملفّ أمنيّ أو إنسانيّ. المسألة الفلسطينيّة قضيّة شعب وحقّ تقرير مصير وقيام دولة، وأيّ تصوّر لمستقبل الشّرق الأوسط يتجاوز هذه الحقيقة يؤسّس لاستقرار هشّ مهما بلغت كثافة الترتيبات العسكريّة والاقتصاديّة. إنّ استمرار الاحتلال والاستيطان، وتوسيع منطق الضّمّ أو فرض الوقائع الأحاديّة، من شأنه تقويض إمكانات التّسوية وإضعاف الأطراف المؤمنة بالحلّ السّياسيّ، فضلًا عن توفير مادّة تعبويّة للمشاريع المتطرّفة التي تتغذّى من انسداد الأفق. من هنا، لا يمكن فصل الأمن الإسرائيليّ المستدام عن قيام دولة فلسطينيّة قابلة للحياة، على قاعدة حلّ الدّولتين وقرارات الشّرعيّة الدّوليّة، مع ضمانات أمنيّة متبادلة وترتيبات سياسيّة واقتصاديّة تحمي المدنيّين وتمنع عودة العنف. لا يصحّ أن يتحوّل مطلب الأمن إلى ذريعة لتعطيل العدالة، كما لا يجوز توظيف الحقوق الفلسطينيّة لتبرير استهداف المدنيّين أو مصادرة القرار الوطنيّ الفلسطينيّ.
التكيّف والمبادرة
في القراءة السّيكولوجيّة للصّراع، تتجلّى إحدى أخطر الإشكاليّات في تحوّل الخوف المتبادل إلى عقيدة حكم. إيران قد تقرأ التّراجع بوصفه مقدّمةً للسّقوط، وإسرائيل قد تقرأ أيّ تسوية غير مكتملة بوصفها تهديدًا لبقائها، فيما تنظر مجتمعات عربيّة إلى التّفاهمات الإقليميّة بعين الرّيبة نتيجة تراكم الخيبات والتدخّلات والحروب. عندما تصبح الذّاكرة الجمعيّة مصدرًا وحيدًا لصناعة القرار، تتراجع القدرة على التمييز بين المخاطر الحقيقيّة والمتخيّلة، وبين المصالح الوطنيّة والانفعالات الأيديولوجيّة. لذلك، فإنّ تفكيك سيكولوجيا الصّراع لا يعني تجاهل المظالم أو التهديدات، بل إخضاعها لمنطق المؤسّسات والقانون والمساءلة، بدل تركها رهينةً لخطابات التعبئة المفتوحة. هنا تحديدًا يبرز موجب بلورة حالة عربيّة فاعلة، لا بوصفها اصطفافًا عسكريًّا عابرًا، بل مشروعًا استراتيجيًّا يستند إلى مفهوم متكامل للأمن القوميّ العربيّ. المنطقة العربيّة ليست محكومةً بأن تكون ساحةً لتوازنات الآخرين، خصوصًا أنّها تمتلك عناصر قوّة نوعيّة في الاقتصاد والطّاقة والموقع الجغرافيّ والتّكنولوجيا والموارد البشريّة والدّبلوماسيّة. غير أنّ تحويل هذه العناصر إلى قدرة استراتيجيّة يتطلّب الانتقال من التنسيق الظّرفيّ إلى بناء منظومة مؤسّسيّة تحدّد المصالح المشتركة، وتضع آليّات لإدارة المخاطر، وتربط الأمن بالتنمية والحكم الرّشيد والشّرعيّات الدستوريّة.
في هذا الإطار، يكتسب مجلس التّعاون لدول الخليج العربيّة، وفي طليعته المملكة العربيّة السّعوديّة، موقعًا محوريًّا في بلورة مقاربة عربيّة جديدة. المملكة العربيّة السّعوديّة، بما تمتلكه من ثقل سياسيّ واقتصاديّ ودبلوماسيّ، قادرة على الإسهام في نقل الأمن الإقليميّ من منطق ردود الفعل إلى منطق المبادرة، شريطة أن يتكامل ذلك مع أدوار مصر والأردن وسائر الدّول العربيّة، ومع إعادة تفعيل مؤسّسات العمل العربيّ المشترك. وليس المطلوب إنشاء محاور مواجهة جديدة تستنسخ صراعات الماضي، بل تطوير قدرة عربيّة مستقلّة على التّفاوض والرّدع وحماية المصالح، وعلى تحديد شروط الشّراكات الدّوليّة بدل الاكتفاء بتلقّي نتائجها. قد تبدو فكرة بناء منظومة دفاع جماعيّ شرق أوسطيّة، تستفيد من بعض وظائف حلف شمال الأطلسيّ في التّنسيق والتخطيط والتّشغيل المشترك، خيارًا يستحقّ البحث الجدّيّ. غير أنّ استنساخ نموذج “ناتو شرق أوسطيّ” من دون توافق على تعريف التهديدات، أو من دون حلّ عادل للقضيّة الفلسطينيّة، قد يؤدّي إلى إنتاج تحالف هشّ تتناقض أولويّات أعضائه. لذلك، ينبغي أن يبدأ البناء من قاعدة عربيّة واضحة، تشمل أمن الحدود والممرّات البحريّة، والدّفاع الجوّيّ، والأمن السّيبرانيّ، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظّمة، وحماية البنى التحتيّة الاستراتيجيّة، قبل الانتقال إلى ترتيبات أوسع مع شركاء إقليميّين ودوليّين، ضمن قواعد شفّافة لا تساوم على سيادة الدّول.
إنّ الأمن القوميّ العربيّ، بهذا المعنى، ليس مشروعًا موجّهًا ضدّ شعب أو دولة بحكم هويّتها، بل منظومة لحماية الشّرعيّات الوطنيّة ومنع التدخّلات الخارجيّة وتكريس مبدأ عدم استخدام أراضي الدّول منصّات لتهديد جيرانها. كما أنّه لا يكتمل من دون معالجة الاختلالات الدّاخليّة التي تجعل بعض الدّول عرضةً للاختراق، وفي مقدّمها الفساد، وضعف المؤسّسات، والتفاوت الاقتصاديّ، وغياب المواطنة المتساوية، وتسييس الانتماءات الدينيّة والمذهبيّة. الأمن الذي يحمي الحدود ويهمل الإنسان يبقى ناقصًا، والدّولة التي تحتكر القوّة من دون خضوعها للدّستور والقانون قد تستبدل الفوضى بالاستبداد، بدل أن تنتج استقرارًا شرعيًّا. أمّا على مستوى النّظام الدّوليّ، فإنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة ستبقى لاعبًا رئيسًا في تحديد اتّجاهات الأمن الإقليميّ، من دون أن يعني ذلك امتلاكها القدرة المنفردة على هندسة التّوازنات أو فرض التّسويات. التّحوّلات في أولويّات واشنطن، وتصاعد التّنافس الاستراتيجيّ مع الصّين، واستمرار الحضور الرّوسيّ بأشكال متفاوتة، تجعل الشّرق الأوسط أمام معادلة دوليّة أكثر تعقيدًا. في هذا السّياق، يصبح الرّهان العربيّ على الحماية الخارجيّة وحدها خيارًا محفوفًا بالمخاطر، كما أنّ الانفتاح على تعدّديّة الشّراكات الدّوليّة لا ينبغي أن يتحوّل إلى تبعيّات متنافسة. المطلوب قدرة عربيّة على إدارة المصالح مع القوى الكبرى من موقع الشّراكة، لا من موقع الارتهان، بما يحفظ استقلال القرار ويمنع تحويل المنطقة إلى ساحة إضافيّة للصّراع على النّفوذ العالميّ.
إذا كانت السّيناريوهات الإقليميّة تتراوح بين التّصعيد الشّامل، والاحتواء المتبادل، والتّسويات المشروطة، فإنّ السّيناريو الأكثر قابليّة للاستدامة يبقى ذاك الذي يجمع بين الرّدع المشروع والتّفاوض السّياسيّ وإعادة الاعتبار إلى الدّولة الوطنيّة. غير أنّ الانتقال إلى هذا السّيناريو يقتضي كسر الحلقة السّيكولوجيّة التي تجعل كلّ طرف يعتبر تراجع خصمه انتصارًا نهائيًّا، وتجعله في الوقت نفسه يخشى أيّ تنازل باعتباره هزيمةً وجوديّة. فالتّسويات لا تُبنى على إنكار المصالح المتعارضة، بل على تنظيمها ضمن قواعد تمنع تحويلها إلى حروب دائمة.
سيكولوجيا الخوف…
ليس لبنان تفصيلًا جغرافيًّا في الصّراع الإقليميّ، ولا مجرّد ساحة تتلقّى ارتدادات المواجهة الإيرانيّة الإسرائيليّة. إنّه نموذج مكثّف لأزمة الشّرعيّة والسّيادة في الشّرق الأوسط، حيث تتقاطع هشاشة المؤسّسات مع تعدّد الولاءات، ويتداخل الدّاخليّ بالخارجـيّ إلى حدّ يصبح معه القرار الوطنيّ موضوعًا للنّزاع بدل أن يكون مرجعيّةً جامعةً لإدارته. من هنا، فإنّ السؤال اللّبنانيّ لا ينحصر في كيفيّة حماية الحدود أو إعادة الإعمار، على أهمّيّتهما، بل يتعلّق أساسًا بمن يمتلك قرار الحرب والسّلم، وكيف تُستعاد وحدة الشّرعيّة، وما إذا كان النّظام السّياسيّ قادرًا على الانتقال من إدارة التّناقضات الأهليّة إلى إنتاج دولة مواطنة فاعلة. لقد أظهرت التّجربة اللّبنانيّة أنّ استمرار ازدواجيّة السّلاح والقرار لا يؤدّي إلى تكريس توازن مستقرّ، بل يضع المجتمع والدّولة أمام احتمالات مواجهة لا يمتلكان بالضّرورة قرار اندلاعها أو شروط إنهائها. لا يمكن معالجة هذه الإشكاليّة من خلال خطاب الغلبة أو منطق الانتقام أو التّعميم المذهبيّ، لأنّ ذلك يعيد إنتاج الأسباب التي أضعفت الدّولة أصلًا. إنّ الانتقال إلى احتكار الدّولة الشّرعيّ للقوّة ينبغي أن يكون مسارًا وطنيًّا دستوريًّا واضحًا، يرتكز إلى بسط سلطة المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة الشّرعيّة، وإلى استراتيجيّة أمن وطنيّ تحدّد المخاطر والقدرات والمسؤوليّات، وتمنع تحويل أيّ جماعة لبنانيّة إلى طرف مستهدف في هويّتها أو حقوقها السّياسيّة.
في هذا الإطار، لا يجوز الخلط بين حقّ لبنان في الدّفاع عن سيادته وأرضه، وبين احتكار تنظيم هذا الدّفاع خارج المؤسّسات الدستوريّة. كما لا يجوز أن تتحوّل الاعتداءات الإسرائيليّة أو استمرار الاحتلال لأيّ أرض لبنانيّة إلى مبرّر دائم لتعليق قيام الدّولة، مثلما لا يمكن أن تصبح استعادة السّيادة ذريعةً لتجاهل واجب حماية المواطنات والمواطنين أو الالتزامات التي يفرضها القانون الدّوليّ. إنّ التّطبيق الكامل للقرارات 1559، 1680، 1701، والالتزام باتّفاق وقف الأعمال العدائيّة وترتيباته ذات الصّلة، وتثبيت الحدود، وتعزيز قدرات الجيش اللّبنانيّ، وتفعيل الدّبلوماسيّة، تشكّل عناصر متكاملة في سياسة وطنيّة لا تفصل بين حماية الأرض واستعادة القرار. لكنّ استعادة السّيادة لا تختزل بالمسألة العسكريّة. لبنان يحتاج إلى إعادة بناء الثّقة بالدّولة من خلال انتظام المؤسّسات الدستوريّة، واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وإصلاح الإدارة، وإعادة هيكلة الاقتصاد والقطاع المصرفيّ وفق قواعد العدالة والمساءلة. لا يمكن مطالبة المواطنات والمواطنين بالالتفاف حول الدّولة فيما تستمرّ هذه الدّولة عاجزةً عن حماية حقوقهم ومدّخراتهم وتأمين الخدمات الأساسيّة. الشّرعيّة الوطنيّة لا تُستعاد بالخطاب وحده، بل بممارسة الحكم الرّشيد، وبإثبات قدرة المؤسّسات على إنتاج الحماية والعدالة والفرص المتكافئة.
هنا تبرز ضرورة إعادة تعريف موقع لبنان في محيطه العربيّ. العروبة اللّبنانيّة، التي كرّسها اتّفاق الطّائف في هويّة لبنان وانتمائه، ليست اصطفافًا أيديولوجيًّا ولا انقطاعًا عن التعدّديّة التي تميّز مجتمعه، بل إطار انتماء استراتيجيّ يربط السّيادة الوطنيّة بمنظومة مصالح عربيّة مشتركة. إنّ استعادة لبنان علاقاته العربيّة الطبيعيّة، ولا سيّما مع دول مجلس التّعاون الخليجيّ، ينبغي أن تقوم على الثّقة المتبادلة، واحترام السّيادة، والامتناع عن التدخّل في الشّؤون الدّاخليّة، وضمان ألّا يكون لبنان منصّةً للإضرار بأمن أشقّائه أو تهديد مصالحهم. لا يُفترض بهذا التوجّه أن يجعل لبنان طرفًا في محور عسكريّ جديد، بل أن يعيده دولةً عربيّةً مستقلّةً، قادرةً على الإسهام في بلورة مفهوم للأمن القوميّ العربيّ، وعلى الاستفادة من شراكات اقتصاديّة وتنمويّة مشروطة بالإصلاح والشّفافيّة. كما أنّ الحياد عن صراعات المحاور لا يعني الحياد عن الحقوق العربيّة أو القضيّة الفلسطينيّة، ولا التخلّي عن حقّ لبنان في الدّفاع المشروع عن نفسه، بل يعني رفض تحويل أرضه ومؤسّساته ومجتمعه إلى أدوات في مشاريع إقليميّة تتجاوز المصلحة الوطنيّة.
لعلّ الامتحان الأكثر حساسيّة يكمن في قدرة القوى السّياسيّة اللّبنانيّة على تجاوز سيكولوجيا الخوف المتبادل التي حكمت جانبًا كبيرًا من تاريخ البلاد الحديث. المكوّنات اللّبنانيّة التي تبحث عن ضمانات وجوديّة خارج الدّولة تساهم، ولو من حيث لا تقصد، في إضعاف الإطار الوحيد القادر على حماية الجميع. كما أنّ أيّ مشروع لإعادة بناء السّلطة يستند إلى الإقصاء أو الاستقواء بالخارج سيؤسّس لأزمة جديدة، مهما بدا قادرًا على فرض توازن مرحليّ. لذلك، فإنّ الدّولة المدنيّة العادلة، القائمة على المواطنة المتساوية واحترام التعدّديّة والميثاقيّة الدستوريّة، ليست ترفًا إصلاحيًّا، بل شرطًا للأمن الوطنيّ. عليه، تفرض المرحلة المقبلة على لبنان خيارات محدّدة. تثبيت احتكار الدّولة لقرار الحرب والسّلم، وحماية الحدود عبر المؤسّسات الشّرعيّة والضّمانات الدّوليّة، وإطلاق إصلاح مؤسّسيّ واقتصاديّ جادّ، وإعادة وصل علاقاته العربيّة، وتحييد قراره السّياديّ عن حسابات النّفوذ الإيرانيّ والمواجهات الإسرائيليّة. هذه ليست مطالب متفرّقة، بل مرتكزات سياسة عامّة متكاملة، لأنّ الاستقرار الأمنيّ من دون إصلاح سياسيّ واقتصاديّ يبقى هشًّا، والإصلاح الاقتصاديّ من دون سيادة يبقى عرضةً للابتزاز والتعطيل.
إنّ التّحوّل الجيو-سياسيّ في الشّرق الأوسط قد يفتح أمام لبنان فرصةً تاريخيّةً للخروج من وظيفة السّاحة إلى موقع الدّولة، لكنّ هذه الفرصة ليست تلقائيّةً، ولا تصنعها التّفاهمات الخارجيّة بالنيابة عن اللّبنانيّين. التّسويات الإقليميّة قد تتيح هوامش للحركة، غير أنّ استثمارها يتطلّب إرادةً وطنيّةً ومؤسّسات قادرةً على ترجمتها إلى سياسات. وإذا كان انهيار التّوازنات القديمة يفرض على إيران مراجعة مشروعها، وعلى إسرائيل مواجهة حدود القوّة العسكريّة، وعلى العرب بلورة مشروع أمن جماعيّ، فإنّه يفرض على لبنان مراجعةً أكثر جذريّةً لعلاقته بالدّولة والسّيادة والشّرعيّة.
في المحصّلة، لن يُقاس مستقبل الشّرق الأوسط بعدد الحروب التي تُحسم، بل بعدد الدّول التي تستعيد قدرتها على منع الحروب وإدارة الاختلافات وحماية مجتمعاتها. لن يكون الأمن القوميّ العربيّ فاعلًا ما لم يتحوّل من شعار سياسيّ إلى منظومة مؤسّسيّة متكاملة، تجعل من سيادة الدّول وحقوق الشّعوب والتّنمية المستدامة مرتكزات مترابطة. كما أنّ أيّ تسوية مع إيران لن تكون مستدامةً إذا لم تُنهِ منطق الأذرع العابرة للحدود، وأيّ تصوّر للأمن الإسرائيليّ سيبقى ناقصًا ما لم يعترف بالحقوق الفلسطينيّة وبحدود استخدام القوّة. أمّا لبنان، فإنّ قدره ليس أن يبقى صندوق بريد للصّراعات، ولا منطقةً عازلةً بين المشاريع، ولا نموذجًا دائمًا للتّسويات المؤقّتة. إنّه معنيّ بأن يستعيد موقعه دولةً سيّدةً حرّةً مستقلّةً، متجذّرةً في انتمائها العربيّ، ومنفتحةً على العالم، وقادرةً على إدارة تعدّديّتها ضمن وحدة الدّستور والمؤسّسات. السؤال الحاسم ليس ما إذا كان الشّرق الأوسط سيتغيّر، فالتّغيير حاصل في بنية موازينه ومفاهيم أمنه، بل ما إذا كان لبنان سيشارك في صناعة موقعه ضمن هذا التّحوّل، أم سيكتفي مجدّدًا بدفع أثمان الخيارات التي يتّخذها الآخرون. بين هذين الاحتمالين تتحدّد مسؤوليّة القيادة السّياسيّة اللّبنانيّة، ويتحدّد معها معنى الانتقال من جمهوريّة الأزمات المتوارثة إلى دولة السّيادة والمواطنة والشّرعيّة. لبنان لا يحتاج إلى ضمانة لبقائه خارج منطق الدّولة، بل إلى دولة تشكّل الضّمانة الوحيدة لبقائه. هذا هو جوهر الخيار اللّبنانيّ في المرحلة المقبلة. أن نكون دولةً في شرق أوسط يعاد تشكيله، لا ساحةً تنتظر نتائج إعادة تشكيله.
