
البروفسور أسعد قطّان
٣٠ حزيران ٢٠٢٦
مشقّات بائع الأرانب
يقف الرئيس نبيه برّي شارد العينين، مطأطأ الرأس، كسير الجانحين. يهرع إلى القبّعة، ثمّ يحملق في ثنيّاتها، لكنّه يجدها فارغةً من الأرانب.
لقد هزمته السنتان الأخيرتان ثلاث مرّات: مرّةً حين أعلن صديقه المعمّم حرب إسناد غزّة، ثمّ أعلن الحرس الثوريّ بصواريخه الستّة حرب إسناد إيران من لبنان. ومرّةً حين أنزل الساحر الأميركيّ عقوبات بمقرّبين منه في المكتب والجيش، وبخلّه الوفيّ، صاحب بنشعي. ومرّةً حين قرّر اللاعبون الإقليميّون أنّه مجرّد رئيس للندوة البرلمانيّة، لا المتحكّم الفعليّ بلعبة السياسة في لبنان.
يقف النبيه مذهولاً أمام كلّ هذا الخراب. كيف تحوّل كلّ ما شيّده إلى أثر بعد عين؟ بقي يداهن بائعي السجّاد على ضفاف قزوين عاماً بعد عام. يبيعونه السلطة، ويبتاعون منه الإذعان. يبيعونه كذبة الأخ الأكبر، ويشترون منه المواقف الرماديّة. يبيعونه الأسطورة، ويشترون منه الحقيقة. لكن بعد المغامرة التي خاضها يحيى السنوار، ومن خلفه الوليّ الفقيه، ثمّة من أعلن أنّ اللعبة شارفت على الانتهاء. فالتبدّلات السراع لا تحتمل الالتباس. ولعبة الالتباس، التي يتقنها رئيس المجلس كما لا يتقنها أحد سواه، عادت غير ذات جدوى.
يتفكّر الأخ الأكبر في كلّ ما يحصل، ثمّ يصمت مطرقاً. هل حقيقيّ ما يشاهده في واشنطن، في مضيق هرموز، في قصر بعبدا، وعلى تلّة السراي؟ لا بدّ من أنّ مرارةً داخليّةً تعتصره حتّى يعلن أنّ اتّفاق ١٧ أيّار، الذي أسقطه هو بأمر عمليّات من حافظ الأسد، أفضل بعشر مرّات من اتّفاق الإطار الذي وقّعته السفيرة ندى معوّض حمادة في واشنطن. لماذا يا ترى؟ هل لأنّه يُسقط سرديّة المقاومة التي بنى عليها رئيس البرلمان عمارته الإيديولوجيّة على مدى سنين طويلة؟ ربّما. لكن ثمّة ما هو أشدّ عمقاً وأبعد غوراً. فاتّفاق الإطار يؤذن بنهاية الدولة العميقة التي وضع برّي مداميكها، وهو يتزعّمها منذ فجر التاريخ. ولم يبقَ إلّا التنفيذ الذي من دونه سيظلّ لبنان المهزوم محتلّاً وأهل جنوبه مذلّين مهانين. يدرك برّي أنّ الخطر اليوم يحيق بالدولة التي بناها ضمن الدولة، وأنّ الانهيارات لن توفّر أحداً. هذا كلّ ما في الأمر: لا السلام مع إسرائيل هو الموضوع، ولا حزب الله هو الموضوع، ولا أهل الجنوب ومصالحهم بطبيعة الحال.
يقف الرئيس نبيه برّي شارد العينين، مطأطأ الرأس، كسير الجانحين. هل يطرح على ذاته أسئلةً أخرى من خارج الصندوق: ماذا يفعل الساسة يا ترى حين يصبح انتهاء اللعبة مرادفاً للموت؟ وكيف يسلك أهل الحكم متى آذن الموت بانتفاء لغة السياسة؟ وهل يدوس تراب تبنين قبل أن يردّه الربّ إلى التراب؟ إنّها الأسئلة الحقيقيّة التي تحيل على المشقّات.. مشقّات النبيه، بائع الأرانب.
