
د. زياد الصَّائغ
٤ كانون الاول ٢٠٢٥
يَدخُلُ لبنانُ مرحلةً دقيقةً من تاريخِه الوطنيِّ، إذ يلتقي فيها الانهيارُ الذي عاشَهُ منذُ أعوامٍ مع فُرصةٍ حقيقيّةٍ لِإعادةِ بناءِ الدَّولةِ عبرَ مَسارِ استِعدادٍ لمُفاوَضات نحو تهدئة مُحتَمَلة، أساسُها اتّفاقيَّة الهدنَة. هذا الانتقالُ من إدارةِ الصِّراعِ إلى البدءِ في صناعةِ السَّلامِ ليس مجرّدَ خيارٍ ظرفيّ، بل هوَ تحوُّلٌ بنيويٌّ في فلسفةِ الحكمِ والقرارِ، يُعيدُ تموضعَ لبنانَ في الإقليمِ ويُرمِّمُ موقعَهُ في النظامِ الدَّوليِّ. وفي لُبنانَ المُثقَلِ بالأزماتِ، يبدو هذا الأفقُ كأنَّهُ استدعاءٌ لِبناءِ دولةٍ جديدةٍ تُحسِنُ صوغَ مستقبلِها وفقَ الدُّستورِ، والقانونِ، والسِّيادة الناجِزة وتقطعُ نهائيًّا مع ثقافةِ الدُّويلاتِ، والهيمناتِ المتناسِلةِ من فائضِ السِّلاحِ ومراكِزِ النفوذِ غيرِ الشرعيّةِ.
في سياقِ هذا التحوُّلِ، يكتسبُ تَعيينُ السَّفيرِ سيمون كرم رئيسًا لِلوَفدِ التَّفاوُضيِّ في لجنةِ “الميكانيزم” قيمةً وطنيّةً تتجاوزُ مجرّدَ التعيينِ الإداريِّ، إذ إنَّ السّفير كرم يُمثِّلُ عودةَ الاعتبارِ إلى الدِّبلوماسيّةِ اللبنانيّةِ كأداةِ الدولةِ الطبيعيّةِ في صوغِ السَّلامِ، ويُشيرُ إلى أنَّ لبنانَ يُريدُ أن يدخلَ المُفاوضاتِ بوفدٍ شرعيٍّ، مُوحَّدِ الرؤيةِ، مُمتَثِلٍ لِمنطِقِ المؤسَّسةِ لا مَحاورِ القوّةِ المتفلِّتةِ. يَحمِلُ كرم، بخبرتِه وموقعيّتِه اللُّبنانيَّة، قدرةً على إعادةِ إنتاجِ صورةِ لبنانَ كدولةٍ تسعى بصدقٍ إلى استعادةِ سِيادتِها، وإلى إخراجِ ملفِّ الأمنِ من يدِ التَّجاذباتِ إلى مَسارٍ مؤسَّساتيٍّ مُحكَمٍ.
لكنَّ التَّعيينَ وحدَه لا يكفي. المعركةُ الفِعليّةُ هيَ في إعدادِ مِلفٍّ تَفاوُضيٍّ مُتكاملٍ، مُؤسَّسٍ على رؤيةٍ استراتيجيّةٍ واضحةٍ، تُدرِكُ أنَّ السَّلامَ ليس اتفاقًا حدوديًّا-أمنيًّا، بل هوَ تحديدٌ لسياسة خارجيَّة مبنيَّة على الحياد الإيجابي يجب أن يعتمدها لبنان. هذا المِلفُّ يجبُ أن يُرتِّبَ الأولويّاتِ وفقَ ثلاثِ دَعائمَ لا غِنى عنها:
أوّلًا، حَسمُ مسألةِ احتكارِ الدَّولةِ لِلسِّلاحِ، لأنَّها الشرطُ التأسيسيُّ لِقيام دولة حقيقيَّة.
ثانيًا، بناءُ منظومةِ ضماناتٍ سياديّةٍ وأمنيّةٍ، تُؤكِّدُ وحدةَ القرارِ الوطنيِّ وتُعيدُ الطمأنينةَ إلى مُواطِني/ات دولةٍ أنهكَتها الحروبُ والتَّدخُّلاتُ الخارجيّةُ.
ثالثًا، إدراجُ خُطّةِ نهوضٍ اقتصاديٍّ اجتماعيٍّ تُحَوِّلُ التهدئة من مفهومٍ مجرَّدٍ إلى مشروعِ حياةٍ، وتُنتِجُ بيئةً مُستقرّةً تُمهِّدُ لِمُواطَنةٍ عادلةٍ تُوازِنُ بين الحقوقِ والواجباتِ.
في موازاةِ هذا كلِّه، يبرُزُ الإغتِرابُ كقوّةٍ وطنيّةٍ فاعلةٍ تزدادُ أهميّتُها في هذه اللحظةِ التاريخيّة. فالإغتِرابُ ليس كتلةً شعوريّةً داعمةً، بل هوَ امتدادٌ استراتيجيٌّ لِلبنانَ في العالَمِ، يمتلكُ مَساحاتِ تأثيرٍ سياسيٍّ وإعلاميٍّ واقتصاديٍّ، ويُمثِّلُ رافعةً أساسيّةً لِترسيخِ الرِّوايةِ اللبنانيّةِ في سياقِ المُفاوضاتِ. إنَّ إشراكَ الإغتِرابِ في مواكبةِ هذا المسارِ يُعيدُ وصلَ لبنانَ بعُمقِه العربي والدوليِّ، ويُعطي للمسار التَّفاوُضيِّ شرعيّةً إضافيّةً تَنبُعُ من شبكةٍ وُسِعتُها ملايينُ اللبنانيّينَ/ات المنتشرينَ/ات في القارّاتِ الخمسِ.
يُتيحُ الإغتِرابُ في هذا الإطار، بما يملكه من علاقاتٍ مؤثّرةٍ مع صُنّاعِ القرارِ في الدُّولِ الكبرى والهيئاتِ الدوليّةِ، إمكانَ توطيدِ الدِّبلوماسيّةِ العامّةِ اللبنانيّةِ، وتحصينِ موقعِ لبنانَ في أيِّ تسويةٍ مُقبلةٍ. بل إنَّهُ يصبحُ عنصرًا مُكمِّلًا للوفدِ التَّفاوُضيِّ، يُسعِفُهُ في كسبِ الدعمِ الدوليِّ، وفي حمايةِ سرديّةِ دولةٍ تُريدُ أن تستعيدَ مكانتَها، لا أن تبقى رهينةَ سِلاحٍ غيرِ شرعيٍّ أو مُعادلاتٍ تَفوقُ قدرتَها على الاحتمالِ.
إنَّ التَّهدئة الطاَّمِحة إلى استِدامةٍ سلامِيَّة، على جَلالتِها، تبقى تحدّيًا استراتيجيًّا لا يَستقيمُ من دونِ توحيدِ الإرادةِ الوطنيّةِ. والمرحلةُ التي يُقبِلُ عليها لبنانُ تُطالِبهُ بأن يُحسِنَ استخدامَ فُرصَتِه، وأن يبني ملفَّهُ التَّفاوُضيَّ بمعاييرِ دولةٍ لا بمعاييرِ المُساوَماتِ. هُنا يَبقى الرهانُ الأكبرُ على ألا يُفوِّتَ لبنانُ هذه اللَّحظةَ النّادرةَ، وأن يدخلَ أفقَ السَّلامِ مُحصَّنًا بوَحدةِ مُؤسَّساتِهِ، ودَورِ إغتِرابِهِ، ورؤيةِ دَولةٍ تُريدُ أن تُولَدَ من جديدٍ سَيِّدةً، حُرَّةً، عادلةً، مُستقِلَّةً.